المجاهيل أشياء توقع اﻹنسان بفخ السكينة واﻷمان، ولكن نصف العلم هو ما يوقع العقل في الشك والحيرة، وإذا وصلت الذات إلى بر العلم بذاك المجهول ارتاح العقل، وطابت النفس، واطمئن القلب.

إن اللحظة التي نتحرى فيها الحق وحده هي لحظة شحيحة الوجود؛ فالعلم وحده هو النظرة المستقلة عن الأهواء، والخلوة مع النفس هي اللحظة الأخرى التي يتجرد فيها الإنسان من دفاعاته ويكون صادقًا مع نفسه.

إن العالم كله مدينة من الأوهام، والمؤمن وحده هو صاحب يقين لا يزول، وعقيدة لا تتغير، ويقين ثابت، وهو في يقينه في عالم الأوهام كمصباح الراهب في الغابة المظلمة، ومنارة النور في بحر الظلمات، والجزيرة التي يأوي إليها اليائسون، والطود الذي لا تزحزحه السيول، ولا تزلزله العواصف وقد يتمسك بيقينه، ولا يوافقه على ذلك أحد، ولا يصدقه أحد، فلا تخور عزيمته، ولا تلين صلابة يقينه، والناس بين معارض ومنتقد، ومطيع كاره، أو مخالف معتزل، وهو لا يحفل بذلك، ولا يأبه له، يمضي كالسيف، حتى يهزم يقينه ألف جندي من الشك، وينقشع سحاب الأوهام، ويظهر يقينه مثل فلق الصبح.

وبعد كل عتمة شك، فجر من اليقين..

لن يصل إلى اليقين من يشكك، أجل الشك فقط، من كان همه التعجيز فقط، من كان يريد ازدراء هذا المنطق فقط..

اﻷمر يختلف كثيرًا عن من يسأل ليطمئن، من يسأل ليجد، من يسأل ليرتاح ويريح قلبه وعقله، عند هذا غاية السؤال تختلف والهدف يختلف، وربما بسؤاله هدى وحق وحكمة، كان يجب أن يوضح لمن عجز عن إدراكه.

بين الشك واليقين نور وظلام، ومتى زال الستار ارتاح القلب، بين القلق والطمأنينة ارتباك وتوتر وأشياء تحتاج لشرح! بين الحب والكراهية موقف أو فعل أو كلام. بين الأشياء وأضدادها خيط رفيع، بين كل اﻷشياء يوجد شيء صغير أو خيط رفيع، يحتاج إلى شرح وتفسير بين هذا وذاك نحتاج إلى منطق الفكرة.

اسأل كثيرًا، وابحث كثيرًا، وتعلم كثيرًا، نحتاج إلى سؤال وربما إلى أسئلة كثيرة!

ولكن، بعض الأسئلة هواجس ليست حقيقة، بعضها صامت لا يتكلم، لكنه يسمع، لا تقل لي كيف، إنه يسمع، ولو لم يكن له لسان. بعضها فحيح إبليس الذي يعيش فيك، بعضها مخرز في الخاصرة لا يهدأ ما دمت تسير، بعضها جنون، بعضها تشف، وبعضها انتقام من كل شيء،
وبعضها لا جواب شاف لها، وبعضها لا يصح أن تسأل عنه أساسًا، هكذا لا يصح وفقط.

المؤمن يحتاج إلى المنطق، ليزداد المؤمنون إيمانًا، وإذا صدق العقل منطق فكرة ما، اطمئن القلب لها وازداد يقينًا بها، من عرف اغترف، ومن اغترف أدرك، ومن أدرك فهم، ومن فهم اطمئن، ومن اطمئن ازداد إيمانًا ويقينًا.

اطمئنان القلب من اطمئنان العقل.

الكلام لا يكفي، الأفعال بمثابة حكم، والمواقف هي القاضي.

كان نبي الله إبراهيم – عليه السلام- مؤمنًا بحق، ولكن، نادى ربه: ربي أرني كيف تحيي الموتى؟!
– أولم تؤمن يا إبراهيم؟
– بلى يا رب ولكن ليطمئن قلبي.
«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)» (سورة البقرة)
الكلام لا يكفي أحيانًا، نحتاج إلى السؤال، نحتاج إلى أفعال، نحتاج إلى المواقف، نحتاج إلى أشياء غير الكلام. نحتاج إلى شيء يطمئن القلب.
نحتاج لقطع الشك باليقين.
نحتاج لكل سؤال حقيقي، جواب منطقي.

اسأل كثيرًا، وابحث كثيرًا، والخلوة مع النفس مفتاح لكل إجابة، إن أردت طريق الحق ستصل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات