في عام 1961 م  كانت التجربة الأولى لنموذج التنبؤ بالطقس الجويّ الذي أعدَّه “إدوارد لورنز” عالم الرياضيات والأرصاد الجوية الأمريكي، وقامت التجربة على تشغيلتين، أدخَلَ لورنز في الأولى المعلومات اللازمة وقام بتشغيل النموذج وحصل بعد عناء على تنبؤ بحالة الطقس، ولاختصار الوقت والجهد بدأ التشغيلة الثانية بمعلومات منتصف التشغيلة الأولى منتظرًا نفس النتائج، فجاءت المفاجأة بالتغيّر الواضح في حالة الطقس التي يدلّه عليها النموذج، وكان السرّ في إهماله فقط لآخر ثلاثة أرقام عشرية بعد أن أدخل في التشغيلة الثانية .506 بدلًا من.506127  !

قبل بضع سنوات من الآن كنت أصلّي في أحد المساجد إلى جانب سيّدة لا أعرفها، بدا خشوعها واضحًا في حركات جسدها وما تنطق به أثناء وبعد الصلاة، لا تغيب عنّي إلى اليوم وتحديدًا كلما أفقد خشوعي في صلاة وكثيرًا ما يحسِّن حضور مشهدها في ذهني من أدائي وعبادتي!

أتدري ما تشترك فيه الحكايتان؟! إنه “أثر الفراشة”.. ذاك المتغيّر البسيط الذي ربما لا تلتفت إليه، لكنّ بالضرورة سترى أثره أو يراه خَلَفُك من بعدِكَ! تلك اللحظة العابرة.. العاديّة.. العاديّة جدًّا.. التي قد تساهم في صنع إنسان جديد منك لم تعرفه من قبل! ليس هذا محض تأمّل شخصيّ أو رؤية خاصة، بل نظرية أثبتها علماء قبل عشرات الأعوام حين وجدوا أن حركة أجنحة فراشة في الصين يومًا يكون لها أثر في إحداث إعصار في الولايات المتحدة الأمريكية بعدها بعامٍ مثلًا، وكذا لها أثر في منع حدوث إعصار في بلد آخر، نعم، “إعصار” قد يودي بحياة المئات ويخرّب المنشآت ساهم في حدوثه اضطراب ضئيل جدا في الهواء نتج عن حركة جناح فراشة ذات مرّة!

وإني في هذا المقام لا يهمني التعرض لنظريات علمية بقدر ما يشغلني تساؤل: كم من فراشة حولنا؟ وما حبانا وكرّمنا به الله على سائر المخلوقات يمكن أن نترك به أثر كم فراشة في هذا العالم؟!

كم مرة تعرّضْت لإحباطات وتثبيط هِمَم واستسلمت لها؟ وكم مرّة انقطع حبل رجائك من النجاح في مهمة بدأتها فانصرفت عنها؟ كم مرّة راودكَ شعورٌ بأنه لا فائدة من وجودك في محيطك بنطاقه الضيق أو الأوسع؟

الآن لم يعد لديك متّسع لتستمر حياتك على هذا المنوال أو قُل لتنهي حياتك بهذا المنوال! فقبل أن تردِّدَ في نفسك عبارة مثبِّطَة أو تستدعي ذكرى وَسَمتَها بالفشل، فقط انتظر دقيقة وتأمّل حركة فراشة واحدة واحسب عدد رفارفها خلال الدقيقة ثم بعملية حسابية بسيطة اضرب هذا الرقم في ملايين هو عدد فراشات العالم لتعلم ماذا أضاف هذا المخلوق الصغير الضعيف الذي لا يعقل إلى العالم في دقيقة فرّطتَ أنت في استثمارها لتترك بصمتك!

من المهم والجميل في آن واحد أن نعلم أنه لا شيء انتهينا منه كما بدأناه لم يُضِف إلينا ولم نُضِف إليه أو بِهِ، مهمة استغرقت منك لحظة كابتسامة أو إماطة أذى أو التفوّه بكلمة أو رسم خطّ على ورقة بيضاء.. أو مهمة استغرقت عشرات الأعوام كبحثٍ أو إعداد مُتقَن أو جهاد نفسٍ أو المداومة على عملٍ وإن قلَّ.. جميعها رفارف ذات أثر.. وصَدَق من لا ينطق عن الهوى حين نهانا عن التحقير من المعروف شيئًا ولو لُقيا أخٍ بوجهٍ طَلِق.. فلتقم الآن وتبدأ التحليق في عالمك وإذا صدَّتكَ سحابةٌ أو غشيت عينك غيمةٌ، استعن بالله ولا تعجز، تمسّك بحقِّك في التحليق الذي لا يملك شيئٌ سلبك إيّاه وضع فراشتك الملهِمَة نصب عينك.. وأكمِل لتبلغ مقصدك أو تمضي حقبًا..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد