كما يوجد موضة عالم الملابس يوجد أيضًا موضة في عالم الأفكار، وكما لظهور الموضات المختلفة أثر وانعكاس على مظهر الإنسان اللاهث وراء متابعة أحدث صيحاتها، فكذلك موضة الأفكار والتي لا تكتفي بالتأثير في مظهر الإنسان، ولكنها تؤثر في بعض سلوكياته أيضًا.

 

يحدث هذا في أي مجتمع مغلق يتبنى أهله أفكار تجمع بينهم، وتتحول بمرور الوقت إلى عادات يلتزم بها الكبار ويفرضونها فرضًا على الصغار.

 

يستسلم لها من يستسلم ويثور عليها من يثور لعدم اتساقها مع واقعهم الجديد أو حتى عدم اتفاقها والمنطق، لكنها مفروضة عليهم لمجرد اندراجها تحت بند “الأصول والأعراف”.

 

تبدأ الثورات بتبني أفكار مضادة للسائدة أو معارضة لها كحلول للمشاكل المجتمعية التي أصبحت بعض العادات الموروثة سببًا فيها.

 

لكن بمرور الوقت تنتشر هذه الحلول أو المقترحات لتصبح بدورها “موضة” يعتنقها الناس لمجرد أنها فكرة سائدة، أو أن بعض المشهورين قد تبنوها. وتصبح الفكرة مصدر للضغط على من يتبنونها بدلاً من أن تكون حلاًّ لمشكلة، وتتحول “الفكرة الحل” هي الأخرى إلى عادة أو تقليد.

 

موضة الأفكار لم تعد تظهر فقط في المجتمعات البسيطة، بل أصبحت أكثر انتشارًا في الأوساط التي تسمى بـ “المثقفة”، والتي هي من المفروض أكثر عمقًا وعلمًا وإدراكًا، وعليه هي المجتمعات الأكثر ثورية على العادات البالية، لكن ليست الأمور دائمًا بهذه المثالية، بل أصبحت الجماعات النخبوية المثقفة أكثر عرضة من غيرها لموضات الأفكار المختلفة باختلاف توجهات كل جماعة.

 

واستسلم الكثير من أبناء هذه الجماعات أو المجتمعات إلى أفكار من المفترض أنها حلول لمشاكل مجتمعية موروثة، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى عادات مقيدة لهم، وتهدد الخارجين عنها بالطرد خارج مجتمع “المثقفين المتنورين”.

 

في البداية كان “النيش”

ربما يكون أبرز الشئون التي تتحكم فيها العادات والتقاليد هو “الزواج”؛ حيث تتعدد فيه المذاهب والمشارب وتختلف من بيئة لأخرى، لكن يظل الزواج خاضعًا تمامًا في مجتمعنا للعادات والتقاليد، والتي تتشدد وتغالي في معاملة الشباب المقبل على الزواج.

 

فخرج بعض الشباب “المثقف” لنقد هذه العادات الاجتماعية المغالية، من ضرورة وجود شبكة باهظة أو مفروشات وأدوات منزلية لا ضرورة لها في بداية الحياة الزوجية، ويمكن للأهل أن يتغاضوا عن هذه الطلبات في سبيل التخفيف عن الشباب، وخاصة في بلد فقير كمصر، وضربوا مثالاً بـ “النيش”، وأنه قطعة أثاث لا ضرورة لوجودها، مثلها مثل العديد من الأشياء في المنزل الحديث، وشملت الحملة دعوة لاستبدال النيش بمكتبة مثلاً، ولقت الدعوة قبولاً واسعًا في أوساط الشباب المثقف.

 

لكن بدلاً من أن يكون هذا نموذجًا لحل واحدة من مشاكل الزواج الاقتصادية، تحولت الفكرة إلى موضة يخاف بعض الشباب ممن تبنوا هذه الفكرة مسبقًا أن يخرجوا عليها، خوفًا من الاتهام بالتخلف والانسياق الأعمى وراء التقاليد التي ثاروا عليها أصلاً.
وتصبح “الفكرة الحل” مجرد قيد جديد يتقيد به الناس، خشية النبذ خارج مجتمع المثقفين المتنورين الثائرين.

 

ونسيوا أن الأصل في الفكرة هي إيجاد حلول لأصحاب المشاكل، لا التطبيق الأعمى لمسايرة الموضة.

وأن الأصل في الأمر هو عدم تكلف ما ليس في استطاعتك، فإن كنت على النيش قادرًا وبه راغبًا فاشتر النيش، المهم أن تسعد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زواج, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد