درسنا في الابتدائية أن الانسان القديم كان يصطاد الحيوانات ويأكلها نيئة، ولم يشعر أن هناك أفضل من ذلك الطعام، إلا أنه ذات مرة بعدما اصطاد غزالة أنهكه التعب، وأخذته سنة من النوم، في هذه الأثناء برقت السماء برقًا شديدًا تسبب في إشعال النار في تلك الغزالة، وعندما استيقظ الرجل وجدها مطهوة «مشوية» فذعر لأنه ليس معتادًا على الطعام هكذا، لكن الجوع أجبره على التناول منها، وعندما تذوقها وجدها طيبة المذاق، فأدرك أن هنالك طريقة تجعل الطعام أشهى وأحلى، فقرر أنه لن يأكل طعامه مرة أخرى إلا بهذه الطريقة. ظل يبحث عن مصدر النار إلى أن وجد بعض الأحجار، فصدمها ببعضها البعض فخرج شرار، وظل يحاول إلى أن أشعل النار وطهى طعامه. هكذا نفس الإنسان تشتهي كل ما هو أشهى وأفضل.

فبعد أن كان يكتفي الإنسان بغطاء يستر به عورته، أصبح للغطاء أنواع وألوان من الأقمشة، وأشكال من البناطيل والأقمصة والعباءات وغيرها، وبعد الاحتفاء، صُنعت الأحذية  بجلود شتى وأشكال عدة وألوان متعددة، وبعد الجِمال والخيول أتت السيارات والطائرات وغيرها، لكن ما زال كل ذلك داخل دائرة الاحتياجات الطبيعية، ولا ضير في ذلك.

ظل الأمر يتطور إلى أن جاء فرويد بنظريته الشهيرة «لا تنتج ما يحتاجه الناس بل أقنعهم بأنهم يحتاجون ما تنتجه» فغيرت هذه النظرية مفهوم العلاقة بين المنتج والمستهلك تغيرًا جذريًّا. بدأت بعدها دوائر أخرى من الاحتياجات «أو هكذا كنا نظنها»، في البروز.  وتعد هذه النظرية من أكثر النظريات تطبيقًا على الإطلاق. فظهرت الإعلانات التلفزيونية التي تتلاعب بنفسية المستهلك، بربطها الدائم للمنتج الذي يتم الإعلان عنه، بالسعادة والراحة والأمان، ولكن لا سبيل للإمساك بهذا المنتج، أو الوصول إلى هذه «السعادة»، إلا بالكثير من المال. وإن كنت لا تملكه فليس لك إلا النوم على حرير الأمنيات بأنك ستُهدى السبيل إلى تلك السعادة  ذات يوم، مثل حلم «الفيلا والمرسيدس» الذي لازم منام أجيال، لم يشعروا بالتحقق إلا عندما حققوا ذلك الحلم تحديدًا.

ومع ظهور الإنترنت وانتشاره، توحشت هذه النظرية، وبدأت دوائر مختلفة مثل «الماركات» تظهر وتنتشر، بكثرة وبسرعة شديدة.

وقد ساهمت الميديا بلا شك في ذلك، بشكلٍ كبير، إذ إن هناك برامج ومواقع «فنية» قائمة على التسويق فقط. «ارتدت الفنانة كذا، حقيبة ماركة كذا، وحذاء ماركة كذا، أثناء توجهها إلى منزلها» ونسبة مشاهدة هذه البرامج تعطي مؤشرًا بمدى انتشار هذا الهوس، ومدى تأثيره على النفس، وبالتالي على المجتمع.

حتى إن بعض المشاهير تحسبهم إعلانات حية، إذ إنهم لا يكفون عن العرض المستمر لماركات وأسعار كل ما يرتدون، بدءًا من طوق الشعر، حتى الحذاء. سواء في برامج حوارية، تحتل نسبة «الأنا» فيها ثلثي الحوار، أو جلسة تصويرية لا يظهر الشخص المشهور فيها نفسه، بقدر ما يظهر أشياءه وماركاتها. أو حتى عندما يصعدون على مسرح، ليسمعوا الجمهور غِنائهم وليس غَناءهم. بل إن السبب في شهرة بعضهم، من ذوي الموهبة المحدودة، هو تفوقه في مجال «التسويق» دون مجاله وإذا جردته من كل ذلك لرأيته واحدًا عاديًا وربما صفرًا كبيرًا.

وهناك كارثة أخرى، تسير على أبجدية تلك النظرية سابقة الذكر، بخطى ثابتة. وهي شروط الزواج، التي تعتمد على «ثقافة الشراء»، والتي تبدأ بـ«بنشتري راجل»، ثم يتبعها سلسلة الأشياء التي يجب على ذلك «الرجل» شراؤها، والتي لا تمت لأساسيات الحياة التي يهم في بدئها، بأي بصلة، وإنما هي مجرد كماليات، لحفظ الصورة الاجتماعية بين الجيران والمعارف الذين من الصعب إرضاؤهم. ولا فرار من ذلك. حتى إنه من الممكن إبطال الزيجة، إن لم توف هذه الكماليات، ويتم شراء «النيش» وغرف لأطفالٍ لم يخلقوا بعد، وغيرها من الأشياء الاحتياطية، وماركات الأطعمة والحلوى والمشروبات الخاصة بحفل الزفاف وموقعه، متعللين بالعادات والتقاليد والأعراف!

إذا دققنا النظر فسنرى أننا مجتمع محركه الأساسي المعنويات، لكنه لا يؤمن إلا بالماديات. مما تسبب في وجود بعض الناس يعيشون عمرهم كاملًا «رمادة» يعطلون  لأنفسهم حرمة السرقة، فضلًا عن حدها. يلهثون لشراء ماركات بأسعار كبيرة، وإن لم يسمح لهم وضعهم المادي بذلك، ليس لشيء إلا لأن يُقال أن فُلانًا يمتلك ساعة ماركة كذا. فتصبح الساعة غاية يدفع وقته وجهده ضريبة من أجل الحصول عليها. فبدلًا من أن يستخدمها هو، تستعبده هي لشرائها. هو ليس في حاجة إليها أو حتى إلى الماركة. لكنه في حاجة إلى نظرة الانبهار، إلى أن يكون هو نقطة المركز المضيئة، إذ إنها أصل الضوء، وكل ما حولها ما هو إلا ظلٌ لشعاعها، ولأنه يستنبط قيمته مما يمتلك، فكلما وجد اهتمامًا وإعجابًا، تاقت نفسه للمزيد، فيحاول عبثًا إرضاءها وهي لا تشبع، لكنها تعطيه بمكر إحساس الشبع لكنه إحساسٌ كاذب مؤقت عابر.

وأخيرًا يا صديق لا تنبهر بكل ما ترى، فتقفز الأشياء من يديك إلى قلبك، وتتحول من وسيلة تساعدك على الوصول إلى هدفك، إلى غاية تتمحور حياتك حولها. ولا تجعل من العادات والتقاليد أصنامًا تُعبد لأنها لا تضر ولا تنفع «رب عاق للعادات والتقاليد أفلح في تحقيق ذاته». ولا تفهم من هذا أنني أعني الزهد. لا، وإنما وضع الأشياء في موضعها الصحيح. سُخر الكون لخدمتك، وليس استخدامك. جعلك الله سيد المخلوقات فلا يجوز لخادم أن يستعبد سيده.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد