مقدمة

النرجسية والرغبة في إظهار الذات والبحث عن إعجاب الناس هي جزء من الطبيعة البشرية وحاجة من الحاجات الأساسية التي يحتاجها كل إنسان يعيش على وجه الأرض ضمن البحث عن تقدير الذات، ومع الانتشار الواسع لتكنولوجيا الإعلام والاتصال والقدرة الهائلة التي منحتها هذه التكنولوجيا للتواصل اللامحدود بين الناس أعطت مجالًا خصبًا للترويج للذات وللإنجازات الشخصية.

ومع التزايد والانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي تعدت هذه الظاهرة حدود البحث عن الشهرة والترويج للذات والإنجازات والأعمال والنجاحات والرغبة في الظهور بمظهر المتفوق والناجح لتنقلب إلى ما يشبه مرضًا وهوسًا، بفعل التركيز المبالغ فيه على إنجاز واحد وتصويره على أنه خارق للعادة.

مواقع التواصل الاجتماعي منحت المجال واسعًا لتطبيق عدة تقنيات وأدوات من أجل زيادة الشهرة والترويج للذات والإنجازات، فكانت تقنية الطنين التي تعتمد على التكرار المكثف والمستمر ظاهرة للانتشار والشهرة.

بالأمس القريب كان حب الظهور والرغبة في إظهار الذات يتم عبر الإنجازات والأفعال التي تكرس الوجود الشخصي، مما يعني أن الشهرة كانت تتحقق بأفعال وواقع ملموس وعبر إنجازات ومجهود يبذل، أما اليوم فقد استبدِل الاستعراضُ بالأفعال والإنجازات واستبدل بالوجود الظهور وفقط، والذي ساعد في هذا هو تكنولوجيات الإنترنت وتلك التقنيات المستخدمة للترويج وما يهمنا في هذا المقام هو محاولة تسليط الضوء على تقنية الطنين le Buzz والتي جاءت من علم التسويق كتقنية للتأثير على أناس لشراء المنتوج لتتحول إلى تقنية للترويج للنفس سعيًا وراء الشهرة ولكن أي شهرة؟ فما دور الطنين Le Buzz في زيادة شهرة الأشخاص؟ وما دوره في تمييع القيم والإنجازات؟

مفهوم الطنين Le Buzz

إن مصطلح Le Buzz كلمة تنحدر من اللغة الإنجليزية والتي تعني طنينًا، فنقول طنين النحل وهي كلمة تحولت إلى مصطلح متداول بكثرة تشير إلى كلمة جديدة دخلت قواميس العالم كلها للإشارة إلى معنى واحد تقريبًا، وقد تحولت الكلمة نوعًا من مسلية الموضة في التعبير عن نشاط ما.

من الناحية الاصطلاحية فإن الكلمة المناسبة لـBuzz هي يحدث ضجة أي أن البعض يسعى لإثارة وإحداث ضجيج كلامي وإعلامي ودعائي حول منتوج أو مادة إعلامية أو مشروع أو فكرة وغيرها.

وتستخدم كلمة الطنين أو إحداث ضجة Le Buzz بقوة وكثرة في مجالي التسويق الرقمي والاقتصاد الرقمي لارتباط الكلمة خاصة بتكنولوجيا الإعلام والاتصال التي تمنح إمكانية التكرار عبر شريط حلقة معلومات يمر باستمرار أمام المشاهد أو المتصفح لموقع.

بعض الكلمات الطنانة والتي تستخدم بكثرة وباستمرار تؤول في نهاية المطاف إلى أن تصبح من الكلمات الشائعة الاستخدام وبشكل دائم خاصة إذا كان مفهومها ومعناها الذي تستخدم فيه مهمًا ومتداولًا ويلبي الحاجة الكلامية عند الناس ويعبر عن مكنون، بينما البعض منها يتلاشى بعد مدة من الاستخدام ويدخل في عالم النسيان، ففي الحالة الأولى فإن الكلمة الطنانة تخرج من ثوب الموضة لتصبح كلمة جديدة ولكنها عادية يتداولها الناس فيما بينهم في جميع المجالات معبرة عن حالة ما.

من جهة أخرى فإن الـBuzz عبارة عن صدى إعلامي يسعى أن يكون ضمن الأحداث الأبرز في كل يوم، والذي يساعد في البروز والظهور بقوة هو الاستخدام الكثيف للإنترنت وخاصة منها مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعتمد على مبدأ التبادل والتشارك والمشاركة وهذا بالضبط ما يحقق الرواج لأي buzz.

توجد اليوم الكثير من المؤسسات الصغيرة التي تعمل على مساعدة الأفراد والمؤسسات التجارية أو الخدماتية على صناعة الـBuzz الخاص بهم وهي تعلن عن نفسها عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

كما مر معنا فإن أصل كلمة Buzz يعود إلى اللغة الإنجليزية وتعني الطنين طنين النحل بالصوت أو التقاط الصوت على شكل أزززز، وعليه فالطنين أو الـBuzz عبارة عن ضوضاء خلفية أو شخير يغطي على الصوت الحقيقي للإنسان النائم والذي يشخر.

إذن فالمعنى الحقيقي للكلمة هو الضوضاء والجلبة التي تخفي وتغطي على الصوت الحقيقي والهدوء وعليه فإن صاحب هذا الـBuzz يسعى إلى التغطية على ما يحدث حقيقة ويغطي على حقيقته أو ما يسعى إليه حقيقة وما يرمي إليه من خلال الـBuzz.

مصطلح الطنين أو الطنانة أدى إلى ولادة الكثير من المصطلحات الأخرى المتصلة به كالطنانة السيئة والكلمة الطنانة وغيرها، فمثلًا في ميدان التسويق للمنتجات فإن الــBuzz المستخدم يهدف إلى التعريف بالمنتوج والترويج له، أما الـBad Buzz (الطنين السيئ) فـهو يتضمن رسائل سلبية عن المنتوج ويسعى إلى إظهار معلومات سيئة وسلبية عنه وبالتالي التأثير على المستهلكين، لكن قد يكون هذا الطنين السيئ مفيدًا للمنتوج من الترويج له خاصة إذا كان منتوجًا ذا جودة، وهذا ما ينطبق على باقي المجالات ففي المجال السياسي والذي يكثر فيه استخدام الكثير من الـBuzz فالكثير من الطنين السيئ قد يكون مفيدًا ويأتي بنتيجة عكسية لما سعى إليه الطنين السيئ.

الـBuzz كتقنية تسويقية مجالها الاقتصاد

تعرف Le Buzz بصفة عامة على أنها ظاهرة اتصالية تتعلق بجعل الحديث متكررًا ومستمرًا عن حدث ما حتى قبل وقوعه، من خلال الحديث من الفم إلى الأذن ومن إنسان لآخر، حول سلعة أو منتوج بكثافة عالية وباستمرار وما ساعد أكثر على التطبيق الفعال لهذه التقنية هو الوسائل الحديثة للاتصال كالإنترنت والتليفزيون والراديو والجرائد والمجلات، وكل هذه الوسائل تستخدم الطنين عبر المطرقة الإعلامية التي تعمل على ترديد خبر ما بطريقة الحلقة والتي تعني مرور شريط الخبر باستمرار أمام أعين المشاهدين وترديد الخبر باستمرار وفي كل لحظة.

تستخدم هذه التقنية في مجال التسويق، وهي تقنية جديدة في هذا المجال وتقوم على مبدأ التسويق عبر تعظيم الكلمات التي تصف منتوجًا ما من مستهلك لآخر، ويتم الحديث عن المنتوج المراد تسويقه دون توقف وبصفة دورية مستمرة، ويتم استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لهذا الغرض دون إهمال الأحاديث الشفاهية التي تتم بالشارع ضمن الأحاديث اليومية، وتستخدم الكثير من الشركات منصات للإعلان والترويج لنفسها ولمنتوجاتها مستخدمة عبرها ظاهرة الطنين.

إن مصطلح الطنين Le Buzz كلمة أصلها اللغة الإنجليزية والتي تعني طنين النحل، وعادة ما يسبق الطنين وصول أسراب النحل فنحن نسمع طنين النحل لنعرف مباشرة أنه قادم وأن النحل سيصل بعد برهة من الزمن، وهذا متوافق تمامًا مع ما تعتمده حملات الدعاية والترويج للمنتوجات أو لمشروع ما بحيث يتم بث شريط فيديو قبل المنتوج أو المشروع وقبل أن يراه الناس في السوق أو مجسدًا على أرض الواقع، ثم يستمر الترويج له وبصورة متكررة.

وبعد هذا عرف المصطلح تحولًا دلاليًا ليستخدم غالبًا مرادفًا لظاهرة فيروسية أو ظاهرة الإشاعة أو مرادفًا للتسويق الفيروسي في حالة التسويق الطنان فلم يعد يعني الترويج لمنتوج جديد قبل تسويقه في السوق فقط.

كما أنه لا ترتبط كل ظواهر الطنانة Le Buzz بالتسويق فبعض الحالات العفوية والتي تدخل ضمن أحاديث الناس اليومية حتى وإن كانت تروج لمنتوج ما دون توقف وباستمرار والتي يعبر عنها بالاتصال من الفم إلى الأذن لا يمكن اعتبارها جزءًا من عمل تسويقي أو خطةً من خطط التسويق.

الـBuzz (الطنين) والشهرة

إن مفهوم الشهرة هو من المفاهيم التي يعد فهمها إشكالًا والتعامل معها كسلوك هو كذلك إشكال، فمن الناحية اللغوية يقدم لنا معجم المعاني الجامع معنى كلمة الشهرة بأنها ظهور الشيء وانتشاره وأنها ظهور في شنعة، فنقول شهره بدعايته بمعنى ذكره وعرف به بواسطة الدعاية والإشهار، ويبقى الإشكال قائمًا لأن الشهرة ترتبط في جانب منها بالطبيعة البشرية التواقة للظهور وترتبط من جانب آخر بالكيفية التي يرى بها الناس المشهور والمشاهير وبيئتهم.

الإشكال الذي نتحدث عنه مستجد، فلم يكن مفهوم الشهرة بالأمس ملتبسًا على الناس، فقد كانت الشهرة حتى الأمس القريب غير متاحة لكل من هب ودب، كما أنها ارتبطت بالأمس بعدد من الصفات من بينها:

– البطولة والتي تعني التضحية والفداء وهذا المعنى مشترك بين كل شعوب الأرض تقريبًا وهو منتشر بكل الثقافات تقريبًا، والبطولة تعني كذلك الدفاع عن الحق وعن الحقوق، ففي المخيلة الشعبية ترتبط الشهرة بالبطل المنقذ والمخلص، وهذا المعنى لا يرتبط بالقوة واستخدامها فالبطل المشهور يرتبط بكل ما يقدمه لصالح الناس من خير فيثري حياتهم ويغنيها.

– التأثير على المعجبين، فالشهرة ترتبط بقوة التأثير في المحيط والمحيطين والتأثير لا يحتاج إلى الانتشار بقدر ما يحتاج إلى التواجد وإلى الإنجاز والفعل وأكثر من هذا يحتاج إلى الصدق في الفعل والقول والسلوك.

– الإنجاز المميز الذي يجعل من صاحبه معروفًا، فالشهرة مفهوم عادي ومتداول بين كل شعوب الأرض إذا ما اقترنت بالإنجاز في شتى الميادين الفنية والرياضية والسياسية أو العلمية وغيرها من نشاطات البشر، والتي تعكس الجهد المبذول والتضحيات المقدمة من أجل الوصول إلى ذلك.

الشهرة في جوانبها المختلفة والمتعددة تكشف عن جهد الإنسان في الاشتغال على ذاته بصقل مواهبه وتطويرها والصبر على الصعوبات التي يمكن أن تعترض الطريق من أجل الوصول إلى التميز والتألق والشهرة، ولكن هذا التألق والتميز كما أنه لم يأتِ من فراغ.

اليوم ومع التغير الذي طرأ على كل جوانب الحياة بفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال، تغير مفهوم الشهرة وتغيرت سبل السعي إليها، فمع ثورة الإعلام الجديد الشهرة لم تعد ترتبط بأي مفهوم آخر سوى الظهور بسرعة والاختفاء بنفس سرعة الظهور، خاصة مع الاستخدام الواسع والكثيف لتقنية الــBuzz التي ساعدت كل من يريد وكل من يحب أن يظهر أن يصبح مشهورًا ولكن أي شهرة؟

إنها شهرة زائفة يتم من خلالها تسليع كل شيء، فتم تسليع الأفكار والعواطف والآراء وتم تسليع حتى الصداقة، فالإنترنت مجال خصب للتسويق للحياة الخاصة بكل تفاصيلها، ومما يساعد في تسطيح الإنجازات والأفعال وتمييعها ضمن ترويج كاذب منمق هو الدور الذي تلعبه صحافة اليوم التي أصبح كل همها هو افتعال القضايا والبحث عن الإثارة وصنع الأخبار بالكذب واختلاق نجوم من لا شيء.

صحافة اليوم بكل وسائلها وأدواتها تختار أخبارها كما تختار السلع المعروضة للبيع وتحولت المعلومات الشخصية إلى سلعة تباع وتشترى وتعرض لتستهلك وفقًا لمزاج عام تم صنعه بواسطة مطرقة إعلامية لا تتوقف عن الطرق، وهذا بالضبط هو الطنين المتواصل المستمر ويتحول إلى طنين بفعل صنع Buzz خاص بكل حدث.

خاتمة

ظاهرة الــBuzz ظاهرة اتصالية تستخدم الإنترنت ويكون لها دائمًا السبق وتلك الآثار التسويقية والتجارية من جانبها الترويجي للسلع وللصورة، كما أنها صورة لما يمكن أن يبادر به شخص منفرد يسعى إلى تلميع صورته أو تقديمها في أحسن صورة وأبهى طلة.

فإذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي ساعدت على الشهرة واتساع رقعة بروز المغمورين ليتقدموا إلى صفوف المشهورين، فإن ظاهرة الـBuzz زادت من رقعة المتابعين والمعجبين الذين يدينون لصاحب الشهرة بما يجود عليهم من أخبار وتعليقات تستخدم فيها تقنية التكرار والإعادة، فيتحول الباحث عن الشهرة إلى مؤثر ويتحول متابعوه إلى متأثرين.

وبهذا السعي إلى الشهرة وصناعة الوهم تخلق الأصنام التي تعبد، وينحت فرعون من بين البسطاء والمغمورين، ليتحول إلى قائد يقود وليتاجر في هموم الناس وتطلعاتهم، فقد عمل الكثيرون على استغلال الظروف السياسية ليقدموا أنفسهم معارضين شرسين مستخدمين Buzz تعبيرًا عما يعانيه الناس أو عما يشعرون به إزاء ظاهرة سياسية معينة، فيكسب شهرة تخفي تحتها البحث الحثيث عن مصالح أنانية فردانية.

إن الــBuzz أو الطنين لا يقدم الحقيقة بل يخفيها ولا يقدم النافع ولا المفيد وهي كذبة تتحول مع التكرار إلى حقيقة وهي وهم ينقلب إلى واقع مع تقنيات المشاركة والإعجاب التي يوفرها موقع فيسبوك خاصة ويتقن استخدامها جل أفراد مجتمع هذا الفضاء فيصدقون كل ما ينشر وقد صدق أحدهم حين قال: «كل سلعة معينة تحارب لنفسها لا تعترف بالآخرين، وتحاول فرض ذاتها في كل مكان كما لو كانت الوحيدة».

وقبل أن أختم أقدم بعض مثال والذي يظهر ما لهذه الظاهرة من تأثير يتجاوز الحدود والقيم، ففي سنة 2013 وهي السنة التي شهدت ولادة عدة ظواهر استخدمت فيها الـBuzz بكثرة، فقد ظهر على الساحة المغني الكوري الجنوبي غونغام الذي قدم أغنية اشتهرت بسرعة جنونية التي قدمها أواخر سنة 2012 مع رقصته التي تشبه مشية الحصان، وفعلت الأغنية فعلتها فقد ترددت عبر العديد من البلدان والكثير من القنوات واستمع لها الكثير من الناس عبر أرجاء المعمورة، ولكن ما الذي أحدث الطنين أهي الأغنية أم الرقصة أم الاثنان معًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد