بعد إنقطاع أكثر من عام

أتذكر في صغري عندما انتقلنا إلى منزلنا الجديد، انطلقت إلى شرفة المنزل لأرى الناس والأشياء لأول مرة من الطابق السابع، وهل تختلف الرؤية عن الطابق الثاني؟ وبالفعل تشبثت بالسور جيدًا وقفزت قفزة عالية حتى أتمكن من الرؤية، ليصدمني القدر، وتخونني يداي الصغيرتان، وتتخاذل كفوفي المسكينة المتعرقة الممسكة بالسور لأصبح على وشك السقوط، كنت على حافة الهاوية بين الحياة والموت، لم أملك الوقت لأحاول النجاة، كنت أتنفس بسرعة عالية، أحسست أن الأكسجين الموجود في الهواء لم يكفني، ظللت مُعلقة هكذا في الهواء لمدة تزيد عن العشر دقائق، وأنا أقاوم السقوط دون أن أزعج أحدًا ،كنت آمل لو يأتي أحد لينقذني، لكن القدر صدمني مرة أخرى، وأتى ذلك الشخص، وبدلًا من شكره على ما قام به صرخت بوجهه قائلة: «بربك ماذا فعلت، هل أبدو لك كشخص ينتظر النجدة من أحد! كنت سأقوم بإنقاذ نفسي بنفسي!».

لطالما كنت أمقت كوني فتاة. كوني فتاة يعني أن أكون ضعيفة أمام الكثير من الأمور، وكوني حساسة جدًّا يعني ما هو أكثر من لفظ «عاجزة»، لكن خذ هذه الصفة الوحيدة مني وستأخذ جوهر ما يجعلني أنا فعلًا، ستأخذ ضميري، وتعاطفي، وحدسي، تقديري لكل الأمور الصغيرة، وحياتي الداخلية الصاخبة، ووعيي العميق بألم الآخرين، وانتكاساتهم.

دربت نفسي لسنوات متتالية على أن أتقبل فكرة أن لا أحد يدوم، ليست كل يدٍ تصافح تقصد الود، أن أستمع لقلبي حين ينقبض فجأة، وأن أستمع لذلك الصوت حين يخبرني أن أبتعد، أن أتخلص من جلد ذاتي على نظرتها إلى الأمور بطريقة تختلف عن طريقة الجموع من حولي، كان علي أن أبني قناعاتي تلك بنفسي. كان الأمر شاقًّا. لا تستطيع فجأة أن تقرر بناء قناعة ما، ما لم يساعدك أحد على ترسيخها بداخلك منذ البداية، نحن نتاج خام لكل الدعم الذي نلناه والذي لم ننله، وكل الكلمات التي كنا بحاجة لأن نسمعها ولم نسمعها. في الحقيقة لا أحد يصنع نفسه بنفسه، بل لا أحد يدرك ضرورة ذلك إلا بعد فقدان الأمل وتجرع الاهتزازات واحدة تلو الأخرى.

ولأني رأيت الكثير من نماذج الظلم أمام عيني، عرفت أن لا أحد سيعرُج في مشيته فقط لكون قدمي منكسرة، وتيقنت أن العالم ليس بذلك السوء الذي يخطر ببالي، بل هو أكثر رعبًا مما تخيلت. أكثر رعبًا من الظلمات والبنايات المهجورة والأنفس المتقطعة. كل الإشارات موجودة حتى تضيع، كل اللافتات موضوعة حتى تَضل، لتأخذ رحلة ليست برحلتك، فتنتهي بمقصد ليس مقصدك، أو لتظل عالقًا في متاهة الممرات، ولا أعتقد أن هناك ما هو أكثر رعبًا من أنك لا تأمن الجالس الآن بجوارك، وماذا سيفعل بك بعد دقيقة.

في الحقيقة لم أنتبه قط إلى أنني ما زلت ثابتة متجمدة، لم أتقدم. لم أتحرك. ربما تلقيت الضربات بالفعل وواجهت الصعاب، لكني لم أتلق العبر، لم أتعلم شيئًا. بنظرة واحدة إلى الوراء عرفت أني بخيباتي العظيمة قد طالت رحلتي، فالمسافة تتضاعف كلما طال ثباتك، وطريق العودة دائمًا أقصر.

أنا خير من يقتص من نفسه خوفًا من أن يُفعل هذا به، خير من ينسحب خوفًا من أن يُترك، وخير من يُفسد ما يملكه ولا يُمكِّن الآخرين منه.

خير من يتظاهر باللامبالاة والقوة كي لا يُستهان به، وخير من يفعل لكرامته ما يؤدي لنهايته، من لا يهمه الهزيمة أو الانتصار شرط ألا ينتصر أحد عليه. لا أحد يفهم ولا أظن الأمر قابلًا للشرح، إنها مأساة الذي يركض بكامل لهفته تجاه الآخرين ثم يعود بخيبة وحسرة، يعود خاوي اليدين حزينًا. أعرفُ الآن، الآن وحسب، معنى أن يكون الإنسان مهزومًا، ومعنى أن يحملَ هزائمَه معه أينما ذهب.

شظايا الأحزان التي تركتها الأيام بداخلي تحرقني، فلا أنا مُنتزعها ولا هي مضمحلة، لا أنا لدي القدرة على المضي قدمًا ونسيانها، ولا لدي القدرة على الرجوع والانتقام لها، أعلم جيدًا أنني لأصبح ما أصبحتُ عليه الآن كان علي أن أمر بتلكَ التجارب التي وقعت علي، لكن صدقني الأمر بالنسبة لي لم يكن يتطلب كل ذلك الألم لأصل إلى ما وصلتُ إليه.

لستُ ممتنة لهؤلاء العابرين الذين أهدوني مع تلك الدروس القيمة ألمًا نهش داخل روحي إلى أن ثقبها، لستُ ممتنة لتلك الظروف القاسية التي جعلت مني شخصًا آخر إلى أن نسيتُ كيف كنتُ مسبقًا، تلك التجارب إن كانت أعطتني كثيرًا فقد أخذت مني أكثر، لم نعد طاهرين كما كُنا، لم نعد نستطيع أن نرى الجمال بالآخرين؛ فالقبح الذي مَررنا به جعلنا نضعه نصب أعيننا، أُثقلنا بأعباء جعلت جسدنا كلما حاول الطيران شُد إلى الأرض من جديد بأحماله.

في مواجهة كل هذه الانتكاسات، ماذا بوسعنا أن نفعل؟ نبكي؟ بكينا. بكينا البكاء كله حتى لم يتبق بكاءً للصدمات التي سنتعرض لها فيما بعد، كنا نبكي ونبكي ونبكي بمفردنا، ثم نخرج لنساند كل الباكين، وليشهد الله أننا لا نقاوم إلا أملًا فيه.

هذا العالم ممرض جدًا ومؤسف للغاية، أن تكافح لئلا تتلوث، أن تظل بوجهٍ واحدٍ ولا تتلون، الحياة تدور والأعوام تصير دهورًا لتثبت لي أن هؤلاء الذين يبوحون بمخاوفهم يحاربهم الناس بها، ورغم أني أعرفُ جيدًا أن كل الأيادي التي تمتدّ إليَّ لا تَقصد إلّا الأذى. فإن محاولاتي دائمة لإقناع نفسي رغم أنفي «أن سيادة الشر لا تعني أبدًا انعدام الخير»، كالذي غرق مائة مرة ثم يُطلب منه الإبحار مجددًا! لقد نهبوا طمأنينته ولعله لا يعيش طويلًا بما يكفي للتحقق من صحة هذه النظرية.

رغم تكرار الهزيمة في كل معاركنا التي خُضناها بنزاهة، بينما كانت تفتقد للشرف، لم يكن الأمر عاديًّا كما يبدو بل أصبح عاديًّا بعد آلاف الدمعات والإخفاقات التي تشهد لنا بحقنا أن نظل أبطالًا، تشهد أنه يحق لنا أن نظل أطفالًا وإلى الأبد، والمجد لنا وإن هزمنا.

مع مرور الأيام، تدرك أن غرورك الطفولي في القدرة على إصلاح الجميع ما هو إلا محض وهم، تتعلم ألا تحكم على كرات الثلج لمظهرها بأنها قاسية، باردة ولا تلومها على صلابتها ولا برودتها، أن تعلم جيدًا بداخلك أنها كانت يومًا ما سائلًا لينًا، وربما دافئًا، لكن لا أحد يعلم ما مرت به من ظروف أو أحداث حولتها من صورة لأخرى.

هكذا الواقع دائمًا ما يتحدى أخلاقنا ومثاليتنا، إخلاص مساعينا للحقيقة والصلاح والجمال، لينتهي بنا المطاف محاولين الحفاظ على آخر جزء من إنسانيتنا بداخلنا، لذا توقف عن محاولاتك في أن تكن شخصًا مثاليًّا للجميع، ليس عليك أن تكون هذا الشخص المثالي لأجل أي أحد. فقط خذ هذه اللحظة واجعلها مثالية لنفسك. فهمتُ الآن وأخيرًا بعد كل تلك الحروب الدامية عن ماذا تدور كل هذه الحياة السخيفة، إنه فقدان كل شيء وكل قيمة. لذا لا تنس، «لا تمت قبل موتك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد