منذ نعومة أظفاري، لا يخلد للراحة جفني ولا ترتاح للموسيقى أذناي إلا إذا سمعت ذلك الأسمر الجميل، محمد منير، الذي كانت أغنياته سرًا من أسرار الصبا والمراهقة والعنفوان، الراحة والاستكانة، السلام والحرب، الثورة والدعة.

كان منير بالنسبة لي، صوت الحرية كما كان لكثيرين، وصوت الراحة، كان كما يصف هو «الأمل في العيون، والنشوة ساعة الجنون»، كان دومًا صوت الفقر حين الفقر، وصوت الرخاء حين الرخاء، صوت البأس حين نضعف، وصوت الدعة إذا غلبتنا الثورة، كان البوح وقتَ ثقل الكلام، كان الصدق.

ولأنني مؤمن تمامًا بأن هناك الفنان، وهناك فنه، فإنني لم ألتفت لذلك التغير الذي طرأ على الطابع «المنيري» الذي عرف به الفنان الشهير، وذلك في أعقاب ما حدث يوم الثالث من يوليو 2013، إذ شارك الفنان في مباراة كسب الولاء، التي ألتمس له مبررها في «خوفه»، على الرغم من صدمتي لأنني اضطررت لهذا التبرير فيما يتعلق بصوت الحرية الذي لازمني طيلة حياتي، والذي عارضت الكثيرين لوصفي له كأفضل فنان مصري عبر التاريخ.

اتخذ منير مدرسة معروفة لمنتهجي الخوف عقب أحداث كالتي شهدتها مصر في السنوات الثلاث الأخيرة، وهي مدرسة التغريد خارج كل الأسراب، يموت الناس بالعشرات في كل يوم من أيام مصر، فيغني هو «للقاهرة.. وطول ليلها»، ذاك المنير الذي كانت «حدوتته المصرية» حديث ميدان التحرير، والذي أعد وغنى أغنية «إزاي ترضي لي حبيبتي؟» في أيام الثورة كي يصبح مطرب الميدان بامتياز!

ولكنني ظللت مؤمنًا أن هناك الفنان، وهناك فنّه، لم تثنني مواقفه بعد ذلك، لم تثنني صوره الملطخة بحبر الانتخابات المحاكي لدماء المصريين، لم يحرمني خوفه من أن أسمع «وليه تسكتي زمن؟ اتكلمي.. ليه تدفعي وحدك الثمن؟ اتكلمي»، لم يمنعني كل هذا.

لكنني لم أستطع أن أكمل هذا التصور، لدى إصدار أيقونتي السمراء لأغنية «متحيّز» التي كسر منير فيها جدار الصمت، ولكنه لم يكسره ليعود سيرته الأولى، بل كسره ليكسر كل ما فات من «منيريته»، وسبحان الله، لم أسمعه قبلًا في أي من أغنياته بكل هذا السخف والنطاعة، كما سمعته في تلك الأغنية!

لا يستطيع أي مستمع قديم لمنير، قبل أن يصبح هو في حد ذاته موضة، أن يخفي اندهاشه من العَجْز الذي تخفيه كلمة «راجع بقا أرجوك.. حساباتك»، الكلمة الأخيرة وحدها تنم عن قدر هائل من تشويه التاريخ، من الزيف، الذي لم يعتد هو عليه، ولم يعتد عليه عشاقه منه تحديدًا، «حساباتك» تلك تخرج بكل السخف المخلوق في الدنيا، تخرج لتدمر أي حرية، تأتي «حساباتك» تلك لتمحوَ داخل محبيه كل ما فعلته فيهم «اتكلمي» و«حدوتة مصرية» و«إزاي ترضي لي؟» و«ابن ماريكا» و«افتحوا يا حمام» من نشوات الحرية، لتحيل مستمعها إلى عالم غير مسبوق من البلادة والاستكانة وطأطأة الرأس، وللأسف تأتي هذه المرة، بلمسة «منيرية» مختلفة، كعادته دائمًا!

هنا سقط عندي إيمان أن «هناك الفنان.. وهناك فنه»، هنا أبى منير من بعد أمله «في العيون» ونشوته ساعة الجنون، إلا أن ينفذ ما لم يرد هو لحبيبه أن يفعله، أبى إلا أن «يكون زيهم ويروح ويجرحنا» بعد أن كان «الوحيد منهم» الذي يستطيع أن يريحنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد