رحيل مسئول المخابرات الجزائرية محمد مدين، المعروف بـ”توفيق”، كان إيذانا ببداية مرحلة جديدة من تاريخ البلد، لجهة كونه أكبر النافذين في هرم السلطة لمدة ربع قرن، ومعه انتهت مرحلة تقاسمَ فيها النفوذ مع المجموعة الرئاسية  وبدأت مرحلة يتفردُ فيها الطاقم الرئاسي بقرار البلد .. ظاهريا على الأٌقل.

 

 
ما هو هام في الموضوع هو أن  مغادرته المنصب تبعتها مجموعة من الرؤى الإعلامية والسياسية التي تتحدث عنه والتي كانت في مجملها إيجابية للغاية، وإذا كان منطقيا للغاية أن من عرفه من أصدقاء سيقومون بالإدلاء برأي إيجابي فيه وفاءً لصداقة جمعتهم به أو مرحلة تقاسموا فيها الحلو والمر فإنه من غير الطبيعي أن نؤمن تماما بأن الرجل كان بريئا من كل ما جرى في وطننا، لأنه لا يستقيم عقلا ولا منطقا أن يكون البلد مرتعا للفساد بينما يتنعم المقرِّرُ الأول فيه بالبعد عن أية شبهة!

 

 

 

 

لقد كان رئيس المخابرات السابق مسئولا ومشاركا في المسئولية عن أخطر القرارات التي عصفت بالبلد، ولعله من الجيد التذكير بها حتى لا يكون الجيل المقبل في مواجهة تاريخ منقوص.

 

 

 

 

 

لقد كان الرجل في بداية عهده برئاسة الاستخبارات في قلب قرار وقف المسار الانتخابي وتدمير الحياة الديمقراطية التي انفتحت أبوابها للجزائر حينها، وعلى الرغم من أنني ـ بشكل شخصي ـ مقتنع تماما من أن حكم “جبهة الإنقاذ” كان ليكون أسوأ حكم يمكن أن تحكم به الجزائر فإن التاريخ يقول أنه حكم كان يمكن التفاوض معه ، يمكن الضغط عليه، يمكن إفشاله ـــ ديمقراطيا ــ إن لزم الأمر ،

 

 

 

 

 

 

خصوصا أن “جبهة الإنقاذ” قد فوجئت بفوزها وأعلنت تنازلها عن رئاسة الحكومة وعن وزارات الداخلية وعن الخارجية والدفاع واكتفت بوزارتي التربية والعمل (مباردة المرحوم حشاني عبد القادر).. كان يمكن والحال هذه أن تمضي البلاد في مسار ديمقراطي يمكن من خلاله مراقبة الحكم الجديد وإقصاؤه انتخابيا بعد ثبوت فشله المحتوم خلال خمس سنوات، لكن “توفيق” ومن معه فضلوا غير ذلك السبيل، وأدخلوا البلد في عشرية سوداء ذهب ضحيتها ربع مليون جزائري!

 

 

 

 

 

كان “توفيق” أيضا في قلب أحداث العشرية السوداء بكل مآسيها، وإذا كان البعض يرى تلك العشرية كمرحلة كافح فيها الجيش فلول الإرهاب وكفى فهو واهم، بل ومغالطٌ للتاريخ، لقد دفع أبناؤنا في الجيش ثمنا فادحا لقرار عصبة نافذة أن تكسر المسار الانتخابي كي لا تفقد حظوتها، ولقد كان الإرهاب حقيقة بشعة تعرضنا لها جميعا لكن مكافحته لم تكن عملية ملائكية، بل شهدت آلاف التجاوزات والمفقودين الذين لم يعثر لهم على أثر إلى يومنا هذا .. إن تلك التجاوزات والمآسي ستظل تلاحق “توفيق” وأقرانه وأدوات قتلهم تماما كما تلاحق الإرهابيين سواء بسواء.

 

 

 

 

 

 

 

 

“توفيق” ومن معه أعطوا لأنفسهم الحق في تقرير مصيرنا كشعب دون أن يكلفهم أحد، فاختاروا المرحوم محمد بوضياف رئيسا للجمهورية، ثم كان اغتياله الذي يستشعر الناس أنه أقرب لفعل استخباري منه لعمل منفرد!

 

 

 

 

 

 

ثم منحوا لأنفسهم الحق في اختيار رئيس جديد هو علي كافي رحمه الله ثم اليمين زروال الذي اتضح أنه صعب المراس فتمت الإطاحة به إعلاميا قبل أن يرغم على الاستقالة ، وقتها وصلت البلاد للحائط وبدل أن يرجع “توفيق” وجماعته للشعب ليقرر مصيره فقد واصلوا لعبة القرار نيابة عن الشعب، اختاروا بوتفليقة وزوروا له الانتخابات بالنسبة التي أرادها (التفاصيل جميعها في كتاب “بوتفليقة .. بهتان جزائري”  للزميل محمد بن شيكو)

 

 

 

 

 

 

 

ثم اختلفوا معه في عهدته الأولى، فوقفت قيادة الأركان ضده وكان خطتهم اسقاطه انتخابيا باستعمال الماكينة الوطنية للتزوير التي يقودها “توفيق” لكنه خذلهم في آخر لحظة وحركها لصالح بوتفليقة.. لِمَ يقتسمُ البلد مع عدة جنرالات إذا كان قادرا أن يقتسمه مع بوتفليقة وحده.. ذلك كان منطقه!

 

 

 

 

 

 

 

في العهدة الثالثة كان قراره أن لا يمر بوتفليقة للرابعة كي يقرر هو بنفسه الرئيس المقبل ولعب في سبيل ذك نفس اللعبة التي تم اتِّباعها مع زروال أي شيطنته إعلاميا حتى وصل الإمر لمنع شقيقه من دخول الرئاسة،

 

 

 

 

 

 

خطوة أريد منها تدمير بوتفليقة نهائيا لكنه رحل ليعالج وعاد مريضا جدا، ولكن قويا جدا بالدعم الخارجي وبقيادة أركان جديدة رفضت مسايرة “توفيق” فكانت الانتفاضة ضده وضد رجاله والتي استمرت على ذات الصيغة التي استعملها هو سابقا، تشويه الشخصية عبر الأمين العام للحزب الحاكم عمار سعداني، وتجريده من مصادر قوته بعزل أقرب رجاله وإحالتهم للقضاء العسكري، ثم كانت الخاتمة هي الإطاحة به هو شخصيا.

 

 

 

السؤال البسيط، إذا كان الرجل قد سمح لنفسه بتقرير مصيرنا واختيار رئيسنا ولكنه أساء الاختيار وأتى برجل انقلب عليه فهل يعطيه هذا صك البراءة؟

 

 

 

 

إذا كان الرجل شريكا ومقررا في أسوأ مراحل عمر بلادنا الفتية فهل يمكن أن يكون بريئا؟ وإذا كانت التعيينات العسكرية والمدنية في الدولة لم تكن لتتم لولاه بحكم أنه من يصدر التقارير الأمنية التي تثبّت المسؤولين في مناصبهم أو تعصف بهم، فهل يمكن أن يكون بلا شائبة وطوفان الفساد قد عم البلاد؟

 

 

 

 

 

إذا كان الرجل جزءًا رئيسا من أزمتنا فهل يمكن أن نقف معه اليوم لمجرد أن الإطاحة به كانت بطريقة سيئة؟ الجواب هو لا! لا يمكننا الوقف معه لأنه هو شخصيا من اختار الذئب الذي عض ذراعه.هو من أتى به فليتحمل مسئوليته.

 

 

 

 

 

إن سيئات بوتفليقة جميعها لا يمكن أن تكون حسنات لـ”توفيق” أبدا .

 

 

 

 

بوتفليقة هو اختيار “توفيق” ورفاقه، وهو المسؤول عن وضعنا اليوم، وإذا نال “توفيق” بعض مما نال شعبنا فليتحمل نصيبه وليرضَ به لأن بوتفليقة كان رؤوفا جدا بـ”توفيق” منه بشعبنا، ولنتذكر جميعا أن آلاف الجزائريين فقدوا حياتهم لمجرد أنهم كانوا ضد “توفيق” وزمرته وهو مصير لا نتمناه للرجل بل نتمنى له ولرفاقه ولبوتفليقة معهم الوقوف أمام محكمة التاريخ ليجيبوا عن السؤال الخالد: لِمَ فعلتم بالجزائر هذا؟

 

 

 

 

 

إن التاريخ لا يقبل التزوير وإن ما يُكْتَب اليوم عن “توفيق” لن يمحو أبدا صفحة واحدة من مسئوليته البالغة عن مصيرنا الكالح.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد