كالعادة ودون تقديم أي تفاصيل أو شرح لما حدث، تم تعديل وزاري محدود ومعيب ومنقوص ودون المستوى، إذ فوجئ الشعب بخروج وزراء وقدوم آخرين جدد منهم من عمل مع الرئيس المخلوع حسني مبارك أثناء فترة حكمه، وتصريحات هنا وأخرى هناك عن قرارات وسياسات جديدة سوف تُطبق من أجل المواطنين ومحاولة تخفيف الأعباء عنهم وضبط الأسعار… إلخ، إلخ.

نسي المسؤولون أو تناسوا أن الشعب دخل مرحلة جديدة تتعاظم فيها المشكلات وتتضاعف الأسعار سواء أثناء هبوط الدولار أو صعوده، الكل يئنُّ وتتعالى صرخات الأمهات والآباء بسبب فشلهم في تحقيق مطالب أبنائهم، بعد تعويم الجنيه.

في سؤال لعدد من الأمهات عن المصاريف المطلوبة في اليوم لتغطية احتياجات البيت تشمل ثلاث وجبات عادية؛ إفطار وغداء وعشاء، ونثريات تتعلق بالدراسة أو أمور أخرى: أجابت بعضهن أن متوسط الإنفاق اليومي البسيط يتراوح ما بين 150 إلى 180 جنيهًا يوميًا.

اللائي تحدثن كن من مستويات عادية جدًا، لا يبلغ دخول أزواجهن أكثر من ثلاثة آلاف جنيه كحد أقصى، هذا معناه أن تلك الأسر تحتاج ما لا يقل عن 4000 جنيه شهريًا كحد أدنى كي تفي باحتياجاتها، ومعظم موظفي الحكومة والقطاع الخاص لا يتقاضون هذا المبلغ أو حتى نصفه.

لم يقتصر الغلاء على الطعام والشراب ومصاريف المدارس والدروس الخصوصية التي تلتهم دخول الآباء في بداية كل شهر، بل امتد إلى كل شيء لدرجة أنه وصل إلى الهواء الذي نتنفسه في الشارع.

حكى لي صديق أن كشف طبيب الأطفال كان يبلغ 60 جنيهًا، ثم قفز إلى 80، ثم 90، ثم تخطى حاجز 100 في فترة قصيرة جدًا، بحجة أن الدولار قد ارتفع مقابل الجنيه وأسعار الفواتير قد تضاعفت، وقال الطبيب إنه مثله مثل باقي الشعب يريد أن يأكل عيشًا ويدفع مصاريف المدارس ومتطلبات الحياة الأخرى.

قرر صديقي ألا يذهب إلى هذا الطبيب مرة أخرى لأنه لم يعد يتحمل الأعباء المادية التي أثقلت كاهله، واستبدل به آخر يعمل في مستوصف قريب منه، لا يبدو الأمر بسيطًا في مجمله، لأنه في خلال فترة قصيرة جدًا ستزداد أوضاع الناس سوءًا، وسترتفع معدلات الجريمة.

الشيء الذي يبعث على التشاؤم أنه في ظل هذه الأوضاع الكارثية، لا تجد سوى اللا مبالاة والبرود في ردود أفعال المسؤولين، يقولون نحن في أزمة حقيقية ونطالب الشعب بالصبر حتى نخرج من تلك الأزمة.

طالبت مؤسسات الدولة الشعب بالتقشف وهي لا تطبق ما طالبت به، بل على العكس يتنعم مسؤولون كبار بامتيازات كبيرة تقدم لهم مقابل الجد والاجتهاد وتقديم رؤى بناءة تهدف إلى تقليل معاناة الشعب، في حين أنهم يخفقون في قراراتهم وسياساتهم ويحملون الشعب في النهاية الكوارث التي تحدث من جراء هذه القرارات، هناك غضب وتذمر ويأس من قِبل ملايين المواطنين نتيجة مجمل السياسات والقرارات الفاشلة التي يتخذها النظام والتي لم تقدم حلولًا للمعضلات المتشابكة بل تزيد من تفاقمها.

لو أن الدولة تريد تطبيق سياسات حقيقية واعدة ومثمرة، لماذا لم تبدأ مثلًا في تغيير فكرها التقليدي والبدء في تحقيق تنمية زراعية تكون المعبر الرئيسي للنهضة الصناعية؟

لماذا لم تحارب الفساد في كل الاتجاهات وتطبق القانون على كل المواطنين دون محاباة أو استثناء في هذا الأمر؟

لماذا لم تُعِد فتح المصانع المغلقة مثلًا منذ فترة، ولماذا لم تحرص على زيادة إنتاج المحاصيل غير المكلفة نسبيًا والتي لا تعتمد أساسًا على الدولار، لماذا لا تفكر خارج الصندوق؟

هبط الدولار بنسبة 20% تقريبًا في الأسبوعين الماضيين ووصل إلى أقل من 16 جنيهًا لكن الأسعار كما هي لم تنخفض بل ارتفع بعضها بنسبة 10 و15%، وحين يعاود الدولار الصعود مرة أخرى في وقت قريب، طبقًا لتوقع الخبراء، سترتفع الأسعار إلى أعلى من معدلاتها الآن وستتعاظم المشكلات وستتغير حكومات من جديد، ويبقى الوضع كما هو عليه، ونسير في دائرة مفرغة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد