إذا أنشأت جيشًا من مائة أسد بقيادة كلب ستموت الأسود كالكلاب في أرض المعركة، أما إذا صنعت جيشًا من مائة كلب بقيادة أسد فجميع الكلاب ستحارب كأنها أسود. هكذا عبر نابليون بونابرت عن فكرته حول القائد والقيادة، إلا أنه ومن خلال تقليب صفحات التاريخ يمكن أن نجد أكثر من نموذج أحسن من النموذجين أعلاه، ولعلني لن أذهب أبعد من تاريخنا الإسلامي أين قدم لنا نموذج أسد يقود آلاف الأسود.

فحين نرى شريطًا للْحُبَاب بْن الْمُنْذِرِ وهو متجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم سائلًا إياه عن المكان الذي اختاره لينزل به جيش المسلمين في غزوة بدر قائلًا: أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللّهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ ولا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ وهنا يرد الرسول صلى الله عليه وسلم بكل بساطة ومن غير أن ينكر عليه سؤاله أو أن يخونه قائلا: بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ. نعم أجابه من غير أن يقول له أنا أعرف ما لا تعرفه ليرد الْحُبَاب: يا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ. ويرحب صلوات ربي وسلامه عليه بالفكرة ويأخذ بها.

نعم هذا هو النموذج الذي أراد الإسلام أن يقدمة للعالم، ولكن للأسف اليوم المشهد السياسي في العالم الإسلامي يختصر في أننا محكومين من طرف كلاب لا تريد إلا كلابًا أتباعًا لها، وإذا تجرأ أي أسد على رفع رأسه فستنهشه هذه الكلاب ولن تتركه إلا ميتًا. وهو نفس ما نعيشه في الجزائر فإذا أسقطنا واقع كلاب لا تريد إلا كلابًا على السياسة الجزائرية سنفهم جيدًا كيف أننا انتقلنا من كادر السياسة إلى سياسة الكادر.

فكادر السياسة -بما أنه المصطلح المستعمل في شارعنا- أو إطار السياسة يمكن التمثيل على أنه سوق يعرض فيها السياسيون بضاعتهم وبعدها العاقل -الشعب أو بالأصح المنتخب- يقيم البضاعة ويختار منها ما يصلح وما لا يصلح وفقا لعدة اعتبارات تدخل فيها حتى المصالح الشخصية، وإذا لم يعجبه ولا بضاعة يمكن له أن يخرج من السوق الظالم أهلها حتى من غير أن يشتري -يختار- ولا شيء؛ وهو ما يسمى في عالم السياسة بالمقاطعة. كما أن هذا السوق يمكن أن تجد فيه كل ما هو موجود في أي سوق آخر من تنافسية و تبراح -إعلانات- وغيرها. كل هذا يصنف في خانة الكادر السياسي العادي ولكن ما ليس منطقي هو أن يلغى كل هذا ويتفق المعارض والموالي على بقاء الكادر فقط، إضافة إلى الترويج لسياسة الكادر التي ليس لها مثيل في نجاعتها.

ولا أخبركم بجديد إذا قلت أننا في الجزائر تعدينا هذا بمراحل؛ فقد استقبلنا الكادر وكرمناه بل شارك حتى في افتتاح مشاريع لمستقيلنا الزاهر، ناهيك عن أنه كل يوم يشرع ويسن قوانين لحياتنا اليومية فيعزل من يشاء ويولي من يشاء. لكن الجديد هو أننا لو دققنا النظر في مختلف مركبات الحياة السياسية فإننا نجد هذا الكادر حاضرًا وبقوة بل تعدى إلى أن أصبح لكل مستوى عدة كادر(ات) فالبلدية أو الولاية لها كادر(اتها)، والدشرة كذلك، بل وحتى الأحزاب أصبحت تمشي بكادر(ات). فما دمت لم تخالف رؤية الكادر فأنت في أمان ولكن بمجرد تجرئك لفكرة من أفكاره أو محاولة نقدها؛ سيريك وبال أمرك ووقاحة جرأتك حتى وإن كان رأيك صواب؛ لأن هذا أصلًا لا يهم عند عباد الكادر.

قد لا نكون سياسيين ولسنا نعرض أي بضاعة، ولكن لا يجب علينا التخلي عن حقنا في أن ننتقد من يريد أن يضحك علينا ببضاعة مزجاة أم أنكم تؤمنون بالنقد وحرية التعبير ما دامت بعيدة عنكم وما إن تصل لأفكاركم المزجاة تكفرون بها. أنتم تقولون أنكم لكادر(اتكم) عاكفون ونحن نقول لكم تبًّا لكم ولما تعبدون، وها هو لكم منا كادر فارغ فاملؤوه بما شئتم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد