في أحد شوارع طرابلس شمال لبنان، في مكان يعج بالصخب والضجيج وأصوات الباعة المتجولين هنا وهناك، من قرب ساحة التل، تنعطف إلى اليسار قليلًا إلى أحد أزقتها الضيقة، يلفت نظرك مقهى منزو كئيب، يشبه مقبرة مع وقف التنفيذ مخصصة لكبار السن.

عمومًا يضج عالمنا العربي بالمقاهي، بل إن بعضها يحمل في داخله عبقًا من التاريخ لا يقل أهمية في تراثنا، عن التحف والقطع النادرة، وله عراقته وحضوره البارز، مثل مقهى الفيشاوي في مصر، أو مقهى هافانا في سوريا.

بل لعل المقاهي هي المكان الوحيد الذي لا يغلق في وجه سالكه وطارقه؛ ولأن المقاهي مستقر كثير منا؛ فقد تعددت أصنافها بداية بالمقاهي المخصصة للطبقة البروجوازية، التي تدخلها غنيًّا فتخرج فقيرًا، مرورًا بتلك الأماكن المخصصة للدراسة، والتي تضج بكل شيء سوى ما قصدته، وصولًا إلى أماكن خصصت لكبار السن!

على المستوى الشخصي، كثيرًا ما عشقت المقاهي المخصصة لكبار السن، أولئك الذين أخذ كل منهم من حياته ما يكفيه ويغنيه، ومر بتلك الرحلة التي تسمى الحياة، ومر بشيء نخافه ونطمح له في آن معًا، يسمى المستقبل، وجرب من العذاب أنواعًا، ومن المتع صنوفًا، حتى وصل إلى نهاية ملذاته فانتهى، أو عجز عن المزيد وتعب من مواصلة السير، ولم يستطع بلوغ القمة فادعى الاكتفاء، كحالنا تقريبًا كلنا مع الدنيا، نلهث وراءها ونجري طلبًا لها، وسعيًا نحوها حتى النفس الأخير، فإذا انطفأت طاقتنا، وخارت قوانا، ووهن عزمنا، وضعفت حيلتنا، ولم نعد نقدر على مجاراتها، واللحاق بها، والسير في ركابها، ادعينا أننا سنلبس لباس التقوى، وثوب الإيمان، وأن التوبة قد آنت، والعودة إلى الله قد حانت، وأعلنا ذلك على الملأ، وحقيقة الأمر أنها توبة العاجز، تمامًا كما يفعل كثير ممن غطى الشيب رؤوسهم.

كانت الأسئلة التي لا تنتهي كثيرًا ما تدور في رأسي، وأتساءل لمَ تمتلئ المقاهي بكبار السن؟ لماذا لا يصل الرجال في عالمنا العربي إلى سن الخمسين والستين حتى يكون المقهى مقرهم ومستقرهم؟ يقطعون فيه ما تبقى من أوقاتهم المقطوعة، ويمضون فيها عمرهم الذاهب نحو المنفى، بعد أن مضى أكثره، وذهب جله، وباتت طيور اليأس تزقزق فوق رؤوسهم، وها هم ينتظرون الموت أن يأتي بكل لحظة.

كانت فكرة الشيخوخة بالنسبة لي مرعبة، لا تقل رعبًا عن قلق الموت، أتساءل من الذي اخترع فكرة الشيخوخة؟ لا يمكن أن يخلقها سوى الإله، أن تبلغ عمرًا طاعنًا، فتضعف بعد قوة، وتيأس بعد أمل، وتتلاشى أحلامك، أو تتخلى عنها، وتنطفئ فيك شعلة الحياة المقدسة، أن تتمنى الموت أو يتمناه لك أقرباؤك، وتصبح نظرات الهيبة في الشباب والاحترام أيام الرشد نظرات شفقة عند الخمسين، وعطفًا عند الستين، وتسمع الهمسات هنا وهناك يا للمسكين! متى يموت ويستريح وينتهي من هذا العذاب وذاك الضنك والتعب، وكأنك بت عبئًا على الحجر والبشر، تنتظره في الصباح والمساء، أو ينتظره من كنت تتمناه أن يكبر ليكون لك معينًا ومؤيدًا وظهيرًا!

كلما جلت ببصري في المقهى ورأيت رؤوسًا شيبها الدهر، وأخرى لم يرض الدهر باللون الأبيض، بل أخذ كل شعرة من رؤوسهم، ونشر الأخاديد في وجوهم، وحودب ظهورهم، واستعار منهم أسنانهم إلى الأبد، وأوهن عزمهم، أتساءل كيف أمضوا حياتهم؟ كيف انتهت هذه الحياة عند كل أحد منهم؟ ما الطرق التي وقفوا عندها؟ والسبل التي سلكوها؟ من كانت الفتاة الأولى في حياة كل منهم، هل عشقوا وكرهوا وحلموا كما نحلم نحن الآن؟ كم من امرأة مرت على عقل كل منهم وجسده؟ وكيف هي الآن؟ هل مات الحب أم أنه بقي حتى الرمق الأخير؟ كما كنا نقرأ في الروايات، ونشاهد في المسلسلات والأفلام، أم أنها باتت ذكرى منسية ككل الذكريات التي تمضي ولا يبقى منها سوى وميض يضيء في الذاكرة كل فترة وأخرى.

أتساءل عن هذا الجيش من الشيب، الذي غزا رأس كل واحد منهم، ما شعوره مع أول شعرة غزت أرض شعره؟ هل استقبلها بحفاوة، وهمست في أذنه أن عليه أن يخلع ثياب الهزل ويلبس للجد ثوبه؟ أم حزن على ما مضى، وبكى على ما قد انقضى، وراوده شعور أن ما بقي لا يساوي ما قد فات؟ كم من المواقف مرت عليهم؟ المواقف التي تستوقفنا جميعًا اليوم في الشباب، ونشعر أن لا جدوى من مواصلة السير ومتابعة الرحلة، جميعها ذهبت وانقضت وولى عهدها، ولم يعد لجزع الشباب أي أهمية تذكر.

حياة من حياة أولئك الكبار، هل هي جديرة بأن تبحث عنها فعلًا؟ وتهدر وقتك وأنت تنصت لها؟ وكيف يشعر أولئك الآن بعد أن مضى عمر كل منهم، وفاتت كل الفرص، ولم تعد سوى الشيشة سلوتهم، وورق اللعب ملهاهم، والمقهى مستقرهم؟
كان من المؤسف جدًّا أن تبلغ السبعين من عمرك، ثم لا تكون حياتك شيئًا يستحق أن يذكر.

تنتهي هذه الحياة كما ستنتهي حياة أولئك قريبًا، أو كما ستنتهي حياتنا نحن أيضًا، ولا ندري هل سنبلغ هذا العمر أم أن الأجل سيعاجلنا؟ وتنتهي معها المواقف والأحداث، تذهب اللذات وتبقى الحسرات، ويبقى السؤال الذي يؤرق: سينتهي عمرك ولكن، هل كان تاريخ عمرك جديرًا بأن يذكر؟ ومعارك حياتك هل كانت تستحق هذا الجهد، وذاك التعب والضنك والعناء؟ هل عشت هذه الحياة كما كان ينبغي؟ أم أنك كنت تمشي وراء سراب ولم تفق منه سوى بعد ذهاب اللذات، وظهور الحسرات؟ واكتشفت أنك بلغت عمرًا طاعنًا في الخسارة، وأن حياتك لم تكن تساوي سوى رقم يضاف إلى أعداد سكان مدينتك، التي لم تعن سوى تكثيف سكاني لا أكثر، هذا سؤال إن لم تعرف جوابه الآن، فستجد متسعًا من الوقت لتستحضر العديد من الأجوبة، عندما تبلغ من العمر ما بلغه أولئك الجالسون أمامي، فمرحلة الشباب هي مرحلة الأسئلة، ومرحلة الكهولة هي الجواب عن كل تلك التساؤلات، فكما يقول إبراهيم جبرا: في الشباب نخجل من تذكر الماضي، ولكن كلما تقدم بنا العمر يقل فينا هذا الخجل!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد