يُعرف لفظ «ديستوبيا» في الوسط الأدبي بمدينة الفساد الخيالية، بمعنى أن الديستوبيا هي تصوير الحياة في المجتمع الفاسد الذي لا يحتكم لعادات وتقاليد أو أعراف وقوانين، مجتمع غارق في الشهوات ومستوطن في الملذات، مثله كمثل بنيان مزخرف قائم بأعمدة هشة من قاعدة أساسها «الغاية تبرر الوسيلة».

ديستوبيا الواقع

فيلم القاهرة 30 مأخوذ عن رواية «القاهرة الجديدة» للأديب العالمي نجيب محفوظ، والتي كتبها في أربعينات القرن الماضي، وترجمها المخرج صلاح أبو سيف على الشاشة الكبيرة بلغته السينمائية البديعة إلى عمل فريد يجسد حياة المجتمع المصري بكل تقلباته في فترة الثلاثينات.

يتعرض الفيلم إلى العديد من القضايا التي كانت تستحوذ على فكر وحركة المجتمع آنذاك؛ حيث كانت تسوده الفوضى والفقر والفساد وانعدام الأخلاق والطبقية والانتهازية، كل هذا تم طرحه من خلال مجموعة من الشخصيات التي تعتبر كل منها شخصية مهمة من الممكن أن تكون محورًا رئيسيًا لفيلم روائي طويل.

– شخصية محجوب عبد الدايم «حمدي أحمد» الشاب الريفي الذي يدرس بالجامعة، ويعيش بصحبة مجموعة من الزملاء في سكن الطلاب، ويعاني من الفقر وضيق الحال بعد مرض والده الذي لم يعد يتحمل نفقاته، مما جعله دائمًا في حالة غضب وسخط حتى يفكر في تبديل أحواله بكل انتهازية ليحصل على المال والوظيفة، غير عابئ بما سيقدمه في المقابل من تضحيات تكلفه شرفه وكرامته.

– علي طه «عبد العزيز مكيوي» الشاب الثوري صاحب العقل الحكيم والقيم الراسخة، والذي يحمل على عاتقه همّ الوطن وما آل إليه من فساد وظلم؛ فيحاول جاهدًا مع بعض زملائه توعية الناس من أجل تطبيق الاشتراكية لتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الطبقية المتفشية.

– أحمد بدير «عبد المنعم إبراهيم» الصحفي الانتهازي الذي يلعب على كل الأوتار، وينحاز دائمًا لذوي الغلبة والسلطة؛ حيث عبر عن نفسه ووصف شخصيته بعبارة بديعة: «أنا صحفي يا حلو تلاقيني في أي حتة ومع كل الناس، أفطر مع الحكومة وأتغدى مع المعارضة وأتعشى مع ست الحسن والجمال».

– إحسان شحاتة «سعاد حسني» فتاة جميلة من أسرة فقيرة تحلم بإتمام تعليمها والزواج من حبيبها «علي طه»، ولكن تأتي أحلامها البسيطة على غير هوى والديها اللذين يرغبان في تزويجها من أحد الأغنياء، حتى يتكفل بها وبأسرتها وينتشلهم من بين براثن الفقر ويخلصهم من ضراوة الجوع.

– قاسم فهمي «أحمد مظهر» أحد بشوات العصر الملكي الذي يتقلد منصب وكيل وزارة المعارف، ومن ثم يصبح وزيرًا لها مع تغيير الحكومة، وهو نموذج لصاحب السلطة الفاسد والانتهازي، الذي يغوي فتاة بريئة بالمال والهدايا ليرضي شهواته ونزواته.

المبادئ تصارع الظروف.. من الرابح؟!

كانت وما زالت الطبقية المتفشية في المجتمع المصري لها عظيم الأثر في التقلبات الحياتية المستمرة التي يعيشها مختلف شرائحه، فلا يوجد دافع لتلك التقلبات سوى الفقر وضيق الحال الذي يعاني منه طبقة الفقراء، حيث لا يمتلكون غير بعض المبادئ التي يتحلون بها، وبعض القيم التي يقتاتون منها، ولكن إلى أي مدى ستسمن هذه المبادئ وستغني تلك القيم عن متطلبات الحياة؟ إلى أي مدى ستصمد المبادئ أمام الظروف القاسية؟

ها هو «محجوب» أول المستسلمين في تلك المواجهة، يتنازل عن شرفه ليحصل على وظيفة مرموقة؛ فيقبل الزواج من عشيقة ولي نعمته وهي «إحسان» التي ترضخ للظروف نفسها التي أجبرتها على التنازل عن أحلامها البريئة، والتخلي عن حبها الطاهر من أجل أن تحيا هي وأسرتها في رغد من العيش، ولكنها تعود معاتبة نفسها نادمة على ما فعلت؛ حيث لم يعد يجدي الندم، وتتحقق فيها مقولة «غادة الكاميليا» تلك المسرحية التي قد شاهدتها مع حبيبها «علي» حيث قالت: «إذن مهما فعلت المخلوقة التي سقطت لن ترتفع أبدًا، ربما يغفر لها الله، ولكن العالم يظل جامدًا، ولن تستطيع أن يكون لها بين العائلات مكان»، ويدرك محجوب أيضًا أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد حصل على وظيفة كبيرة وتزوج من امرأة جميلة دون تحمل نفقات، ولكنه لم ولن يحصل أبدًا على الحب!

وحتى تبقى المبادئ على قيد الحياة في صراع مستمر مع الظروف، يظل «علي» مرابطًا في نضاله ضد الفساد والظلم مطالبًا بإحياء العدالة الاجتماعية؛ حيث يظهر «علي» في المشهد الختامي للفيلم وهو يقوم بتوزيع المنشورات علنًا على جميع المارة في الشوارع، وبالوقت نفسه يتربص به المخبرون ليقتلوه، ولكنهم يفشلون بسبب احتمائه وسط الحشود في رمزية إلى أن الاتحاد قوة والشعب هو مصدر قوة الوطن.

شخصيات محفوظ الروائية بعيون أبي سيف السينمائية:

كما برع وتفنن نجيب محفوظ في رسم شخصيات روايته على الورق، برع أيضًا وأبدع المخرج صلاح أبو سيف في توظيف كل شخصية حسب رؤية محددة عبر عنها بكل واقعية؛ فمن الطبيعي أن تتعاطف مع بعض الشخصيات رغم انتهاجها مسلكًا غير أخلاقي من أجل الوصول لمبتغاهم، فيظل ضمير محجوب عبد الدايم متيقظًا طوال الوقت ويخاطبه بلغة العتاب الناعم على ما اقترفه في حق نفسه.

وقد استخدم نجيب محفوظ الترميز في الكتابة باختيار أسماء بعض الشخصيات التي توحي بدلالة عميقة مثل اسم «إحسان» فهي الفتاة الجميلة التي أحسنت بنفسها من أجل أسرتها حتى تنقذهم من الفقر الذي لا يرحم، وأحسنت بنفسها من أجل إشباع رغبات ونزوات قاسم باشا الذي لم يطلب منها الزواج بسبب منصبه الذي يمنعه من الارتباط بفتاة ليست من نسب النبلاء، كما أحسنت أيضًا بنفسها حتى أصبحت زوجة لمحجوب عبد الدايم إلى جانب الوظيفة المرموقة والشقة الفاخرة، واسم محجوب أيضًا يشير إلى أنه محجوب عن اتخاذ أي قرار خاص بحياته، ومحجوب عن الحب ومحجوب عن زوجته، وقتما يذهب إليها الباشا، ومحجوب عن الشرف والكرامة.

وبما أننا نتحدث عن الترميز فلا يفوتنا ذكر أشهر ترميز في تاريخ السينما المصرية، حينما جمع أبو سيف بين رأس محجوب والتمثال المعلق على الحائط، في مشهد عقد الزواج؛ ليبدو محجوب وكأنه ذو قرنين في رمزية إلى فقدانه لرجولته، كما أبدع المخرج في استخدام اللغة الرئيسية للسينما، وهي الصورة التي تُظهر الكثير من الدلالات والتفاصيل الدقيقة، مما قد تعجز عن وصفها كلمات الحوار، مثل الإطار الفارغ من صورته المعلق بجانب صورتي الزعيمين مصطفى كامل وأحمد عرابي، في إشارة إلى حاجة الوطن لزعيم جديد يشغل فراغ الإطار الثالث، ولم ينه أبو سيف الفيلم بكلمة «النهاية» كنص ختامي بل كتبها «بداية النهاية»، وكأنه يقول إن عقب كل ظلم نصر يزيله، والباطل مهما تمادى لا بد من حق يمحقه، والليل مهما طال لا بد من شمس تشق عتمته، ولكن ربما أدرك نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف أن القاهرة 30 لم تكن مجرد رواية مكتوبة، أو فيلمًا سينمائيًّا يوثق حقبة معينة من تاريخ مصر، فلم تكن القاهرة 30 هي عقد الثلاثينات أو الأربعينات فقط من القرن الماضي، بل كانت القاهرة 30 وتبقى، مصر عبر كل العصور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد