هل يمكن تخيل حوض أسماك لا يُنظف إطلاقًا، بل على العكس يتم في كل لحظة زيادة التلوث به بمعدلات أكبر وهل يمكن توقع حال الكائنات التي تعيش به مستقبلًا؟
لا أكون مبالغًا إذا شبهت كوكبنا الأزرق بحوض السمك، فنحن وكل الكائنات الموجودة عليه لا يمكننا الحياة خارجه، فنحن نولد فنعيش ونموت عليه ومع ذلك نساهم يوميًا في تدمير عالمنا عبر التأثير السلبي على المناخ والبيئة، نأخذ خيرات الكوكب الأزرق ثم نردها إليه في شكل انبعاثات حرارية وكيميائية وملوثات بل وسموم.
تتحمل الدول المتقدمة وخاصة بعد فترة الثورة الصناعية جانبًا كبيرًا من التأثير السلبي على المناخ العالمي، ولكن لا يمكن إغفال أن دولًا نامية تعاني من نسب تلوث وانبعاثات حرارية كبيرة جدًا في العصر الحالي ويرجع ذلك إلى الازدحام الشديد ببعض مدنها مع سوء التخطيط المتراكم في تلك المدن، وأيضًا بسبب ضعف اهتمام تلك الدول بأمر البيئة ربما بسبب عدم إدراك لفداحة المشكلة أو بسبب ضعف الإمكانات الاقتصادية وأحيانًا للسببين معًا.
في بلدي مصر يبدو أن ثم اهتمام بالتغير المناخي، ويرجع ذلك بصورة كبيرة لما تعانيه عاصمة الدولة من نسب تلوث مرتفعة للغاية، لدرجة أنها من منتصف التسعينيات وحتى اليوم تغطيها ما يطلق عليه في مصر السحابة السوداء، وهي عبارة عن نسب عالية للغاية من الملوثات والغبار والأدخنة عالقة بسماء القاهرة، وقد أدت هذه السحابة إلى انتشار أمراض رئوية كثيرة حسب ما ذكرت الجمعية المصرية للشعب الهوائية.
يوجد في مصر وزارة للبيئة أحد أهم اختصاصاتها هي خفض معدلات التلوث والانبعاثات الحرارية ومتابعة سلامة الإجراءات البيئية في المصانع والمنشآت المختلفة، في كل عام تتحدث الجهات المسئولة عن البيئة أن سبب المعدلات المرتفعة من التلوث المناخي في القاهرة هو حرق قش الأرز بالأراضي الزراعية بدلتا النيل وقد ظهرت عدة أفكار للقضاء على المشكلة منها إعادة تدوير قش الأرز إلى منتجات زراعية أو ورق أو استخدامه في تنقية المياه ولكن كل تلك الأفكار لم يتم بعد الاستفادة منها بالقدر المناسب، ويرجع ذلك في الغالب لصعوبات اقتصادية.
قش الأرز سبب من أسباب التلوث والانبعاثات الضارة بمنطقة القاهرة الكبرى، ولكن ليس هو السبب الرئيسي الوحيد للتلوث بل وربما ليس هو أكثر الأسباب في زيادة نسب التلوث بالقاهرة، إن أكثر من 50 % من التلوث بالقاهرة الكبرى حسب بعض الدراسات سببه المصانع المنتشرة داخل القاهرة وضمن الأحياء السكنية.
في محطة مترو الهرم، وهي منطقة مزدحمة سكانيًّا يمنع تدخين السجائر داخل المحطة وهو النظام المتبع بمحطات المترو حفاظًا على صحة المواطنين، ولكن ما قد تجده غريبًا أن بجانب تلك المحطة وفي وسط هذا الزحام السكاني يوجد مصنع سجائر ينفث يوميًّا أدخنة وسمومًا داخل تلك المنطقة دون أدنى انتباه من المختصين في الدولة، ودون اعتراض من المهتمين بالمحافظة على البيئة، كان ينبغي أن يتم التعامل بجدية مع تواجد تلك المصانع داخل المناطق السكنية عبر نقلها إلى خارج القاهرة الكبرى، مما يقلل الانبعاثات الضارة بالمناطق السكنية، ومما يقلل من الازدحام الشديد بالقاهرة الكبرى، ولكن يبدو أن ذلك ليس على جدول الأعمال.
مصنع السجائر السابق تابع لشركة تابعة للدولة، تمتلك عددًا كبيرًا من مصانع السجائر والتي قامت بعمل توسعات جديدة بمنطقة صحراوية بعيدة بعض الشيء عن القاهرة، فظننت وقتها أن الدولة انتبهت لأهمية نقل المصانع تلك من المناطق السكنية، ولكن هذا ما لم يحدث بل تم تحديث المكان القديم حتى يعمل بكفائة أكبر، ولكن أكثر ما أثار استغرابي هو أن تقوم الدولة بإنشاء منطقة سكنية جديدة بجانب المصنع الجديد في المنطقة الصحراوية!
بحسب البيانات الرسمية فإن 45 مصنعًا لإنتاج المواد الأسمنتية ومشتقاتها تنتشر في القاهرة الكبرى داخل الأحياء السكنية بالإضافة إلى مصانع للمواد البلاستيكية، وتنتشر أيضًا مصانع أخرى ليس لدى الدولة حصر رسمي بعددها ولا بنشاطاتها خاصة وأن بعضها مخالف للضوابط ويعمل سرًا وكل ما لدى الوزارة من حلول للتعامل معها هو الرقابة على الانبعاثات في بعض المصانع وهو الأمر الذي لم يؤدِّ بعد لخفض معدلات التلوث بالقدر المناسب.
يبدو أن حل مشكلة التلوث في القاهرة الكبرى يحتاج لجهد أكبر ولجرأة أكبر من الدولة للتعامل مع تلك الكارثة، وإن كنت ما أتمناه هو نقل كل المصانع الموجودة ضمن القاهرة الكبرى وتحويل أماكنها إلى حدائق ومستشفيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك