اغمض عينيك للحظة، اسبح بتفكيرك لوهلة من الزمن، انظر وشاهد وتمعن أيها الموصوفُ بالعقل والحكمة، تخيل كما لو كنت تُشاهد كوكبنا الأرضي من أعلى قليلًا، بعيدًا عن أي تأليه يُذكر، خُذ ما أخذ الملائكة من ذلك الفضاء الفسيح وذلك المدار الفارغ المُتسع، انظر بتلك العين الثاقبة المجردة لِتلمح تلك البُقعة الملعونة لعنًا أبديًا، وتلك المدينة البائسة الحزينة تتوسط ذلك الكوكب المُصطفى، فقد حدثونا أنها في قلب العالم سابقًا، لترى كمًا هائلًا من الغوغائية والتفاهة والسطحية، المٌفعمة بكمٍ رهيبٍ من الاستعماء والجهل بالإضافة إلى تلك الحماقة المُنتشرة على سطح أرضها، نعم إنها قاهرة المعز، تلك المدينة التي يتخطى تعداد أهلها مؤخرًا التسعة ملايين ونصف نسمة، بل وفي تزايد مستمر بسبب الهجرة المحلية، المدينة المتخمة التي يَكثر بداخلها العديد من المصانع والمناطق الصناعية الكيمياوية والقريبة من الأماكن المأهولة بالتجمعات السكانية والتي تؤهلها أن تكون مدينة قاتلة لقاطنيها عن طيب خاطر، ناهيك عن تلك البكتريا المُنتشرة وهذه الفيروسات اللعينة الدامية المُتمثلة في ذلكَ الكائن الذي يعيش مُتعاليا دائمًا وأبدًا ويتبختر مهرولًا على أرضها، فقط من أجلِ تخريبها دون أي شعورٍ بأي ندمٍ أو مراعاه تُذكر، فقط لِيقع كامل شُغله الشاغل باهتمامه فقط بشهواته ونزواته الدنيوية، والذي يجد في التكاثر والإنجاب المُتعه الترفيهية الوحيده التي يمتلكها، بالإضافه إلى إنتاج حفنة من النسخ التجريبية المُكررة منه، لِيتم بذلك إنتاج المزيد من أشباههِ ومثيلاته البؤساء، ليواجهوا ما واجه هو قديمًا، الكثير من الكبتِ والبؤس والفقر والحرمان، ليُهضم حقهم في كل شيء، إنسانيتهم ووجودهم والتعليم، فعلك تُلاحظ أنه إذا كنت ممن دخلوا الجامعة وتعفنوا وتعلموا في كلياتها وملئوا رؤوسهم بتفاهات لا تقل تفاهه عن التفاهات التي نشأوا عليها قديمًا في مدارسها العامة كانت أو الخاصة، فبالتأكيد أنك قد واجهت تلك المناهج البائسة غير المُجدية، التي ببساطة تُخبرك أن جوها بارد ممطر شتاءً وحار رطب صيفًا علي الرغم من الاحتباس الحراري والكُتل العرقية التي توشك أن تُهلكنا عن بكره أبينا اليوم، علي الرغم من السيول والأمطار الغزيرة التي لا نجد لها أي تصريفٍ حتى كادت تُهلكنا مؤخرًا، المناهج واللوائح التي قد تُعلمك وتنبهك أن الدين خارج المجموع، فقد علمونا وأخبرونا قديمًا بذلك، ليترسخ في أذهاننا، بالتالي لا نلقي بالًا لها ونعتبرها شيئا صوريًا ليس أكثر، ناهيك عن الحياة الروتينية المملة وتلك المعاملة القاسية من مُحاضريها ومدرسيها الساديين، إذا كنت من قاطني القاهرة فستعاني الكثير من المشكلات الناتجة عن التلوث الهوائي والمائي الناتج من المناطق الصناعية التي تقوم على تصنيع الأسمدة والحديد والإسمنت والكيماويات، كذلك التلوث السمعي والضوضاء الصاخبة الناتجة عن الازدحام والورش الصناعية المُنتشرة في طرقاتها، بالإضافة إلى التركيزات العالية من الغازات الضارة المُنبعثة نتيجة الحرق من السيارات وازدياد مُعدلات ثاني أكسيد الكربون في الهواء، على جانبٍ آخر إذا كنت من مرتادي مواصلاتها الحكومية العامة فبالتاكيد إنك تعاني يوميًا من ذلك الضجيج والضوضاء الصاخبة وتلك المعاملة غير الآدمية اللا متناهية من مالكي النقل والأجرة والأفعال التي يرتكبونها وتُرغمنا على فعل الحماقات الكثيرة وارتفاع مُعدلات الغضب اليومية والاكتئاب بسببهم، إذا كنت من مُحبي وعاشقي المشي والتنزه في شوارعها فبالتأكيد إنك ستستمتع بالمناظر الخلابة والأماكن الجميلة بالطبع، ولكن لن يفوتك أيضًا أن تستمتع بالكثير من مُخلفاتها وقاذوراتها المُلقاة في الطرق وجميع أركانها بل ومُلقاة أيضا في نيلها وشريان حياتها، ذلك الشريط الرفيع الدقيق الذي يشق أرضها ونلتف ونتجمع حوله ونقوم بتلويثه يومًا بعد يوم دون أن نعي أي شيء، وبدلًا من أن يكون مصدر بهجة وسعادة لنا من رؤيته فقد أصبح مصدر تلوث بصري فقط لا غير، إذا كنت ممن وظفوا وعملوا في هيئاتها فستعاني من الإهمال والكثير من الروتين، بل ستعاني أكثر إذا كنت من زوارها، فموظفو هذه الهيئات لا يملكون سوى الروتين الذي تعاني منه لبقية حياتك كما تعاني من سماجة موظفيها وانحطاطهم الفكري والأخلاقي وانخفاض المستوى التعليمي لديهم، القاهرة مدينة لعينة كئيبة طبقًا للمؤشرات والإحصائيات العددية الحالية، القاهرة مُمتلئة عن بكرة أبيها بالأشياء والأسباب التي قد تفقدك بهجتك وتجعلها مدينة قاسية لا ترحم، مليئة بالعديد من المشكلات التي لا يسعني ذكرُها، القاهرة ببساطة هي مصنع البؤس الأبدي ومنتهى الفقر والكرب والعشوائية، بقعة لعينة تافهة تستحق أن تُمحى أو تُباد من ذلك الوجود الفاني، أن ينزل عليها سخط من السماء، أن تُخسف بها الأرض أو تُرسل عليها صاعقهً من فوقها أو من تحتها أو يُجعل بينها وبين غيرها ردمًا لعلها تمنع بعضًا من حماقاتهم واستمنائهم الفكري المُتناثر من أعماقهم على من حولهم، حسنًا فلتفتح عينيك الآن وتامل بعمق، أنت الآن كما لو سقطت على رأسك من فوهة بركانٍ متوهجٍ فوهته، أو كمن لُعن بصيحةٍ خامدة، انظر لحالك الآن ثم تذكر أنك في مدينة قاسية لا ترحم، أنت في القاهرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

عن رواة
شارك 16
منذ سنة واحدة
ثقافة