(١)

الشيء الوحيد المؤكد والثابت الذي ستخرج به بعد قراءة كتاب: حكايتي في تل أبيب: أسرار دبلوماسي مصري. للسفير رفعت الأنصاري، هو أنك – كمصري – سوف تكون فخورًا بمصريتك وبانتسابك للفراعنة، أصحاب المسلات، وتعتز اعتزازًا شديدًا بأن النيل رواك والخير جواك وعين المولى حارساك، وأنه يمكنك إيقاع كل جميلات العالم بنظرة من طرف العين!

الكتاب هو مذكرات دبلوماسي مصري شاءت له المقادير – وآخرون! – أن يذهب إلى إسرائيل في وظيفة سكرتير ثان في السفارة المصرية في بدايات إجراءات التطبيع بين البلدين بموجب اتفاقات السلام، ولم يقدر له تكملة مدته الطبيعية: أربع سنوات، هناك بسبب اشتباه تورطه في قضية تجسس كان نتيجتها قيام أجهزة الأمن بتهريبه إلى مصر بعد عدة محاولات لاغتياله، مرة عن طريق تدبير حادث سيارة له، ومرة عن طريق الصعق الكهربائي، أو تسريب غاز. وكانت تلك القضية – كذلك – سببًا في محاكمة دبلوماسية إنجليزية بتهمة التجسس لصالح مصر، وتم الحكم عليها بالسجن والعزل من وظيفتها.

والقضية – في مجملها – أن الدبلوماسى المصري عرف عن طريق إحدى عشيقاته، وكانت تحمل رتبة نقيب في الجيش الإسرائيلي، بخطط الدولة العبرية لغزو لبنان في شتاء 1982، وعرف كل التفاصيل، بما فيها الزيارات المتبادلة بين القادة اللبنانيين: حزب الكتائب، وقادة جيش الدفاع، وأخبر السفير سعد مرتضى بكل ذلك، الذي سارع لإرسال المعلومات إلى القاهرة عن طريق الرسائل المشفرة، وهنا كانت الكارثة! وبدأت المتاعب للدبلوماسى الصغير، حتى تم تهريبه بعد افتضاح أمره.

والقضية – كما نرى – مهمة وخطيرة، والمعلومات التي حصل عليها بطلنا كانت تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي المصري والعربي، لكن المشكلة الكبيرة هو نمط الحياة الذى اختاره الأنصاري، وعاشه طوال ما يقرب من عامين في تل أبيب، وهو نمط يتسم باللامبالاة السياسية، والبلاهة الأمنية من رجل دبلوماسى يمثل بلده على أرض غريبة.

يقول المؤلف في مقدمته لكتابه: إن غرضه منه هو سرد تجربته في إسرائيل، وتقديم عرض يفتح آفاقًا جديدة لكل الدبلوماسيين المصريين والعرب الذين يحتمل أن يعملوا في تل أبيب، وشرح طبيعة المجتمع الإسرائيلي بطوائفه وفئاته وسياساته وثقافته وأجهزته الأمنية. وهو كلام طيب لابأس به، لكنه – على ما يبدو – نسي وهو يكتب الكتاب، الذي وصل إلى 384 صفحة، ذلك، واكتفى فقط بذكر مغامراته العاطفية والجنسية مع الدبلوماسيات الغربيات وضابطات جيش الدفاع الإسرائيلى، ولم يقدم أي شرح لأية قضية سياسية أو ثقافية أو حتى أمنية، بل أكثر من ذلك؛ فإنه صور نفسه بصورة لا تليق بدبلوماسي لا يعرف معلومات بديهية أو مبدئية عن تاريخ وشخصية القادة الإسرائيليين، وكان فقط ينبهر – في فواصل العشق – بما تقوله له عشيقاته!

(٢)

ليالى الأنس في تل أبيب!

بعد نصف ساعة من إقلاع طائرة إير سيناء، التي أقلته في طريق العودة لمصر، تلقى دنچوان النيل هدية، عبارة عن مجموعة من العطور، وبطاقة كان مكتوبًا فيها (صفحة 349): من مصر ومن مصر للطيران لابن مصر البار؛ تقديرًا لما قام به من أعمال، وعلى حسب ما كتبه، فإن هذه الكلمات هزتنى وأثرت في، وكانت لفتة كريمة، ثم التفت، فوجد المضيفة القائمة على خدمته تبتسم له وهي تقول: هذا أقل شيء يمكن أن تقوم به مصر ممثلة في شركة مصر للطيران. وبعد وقت قليل عادت إليه نفس المضيفة – واسمها كما قال: هدى – ومعها بطاقة أخرى، ولكن هذه المرة كتبت فيها رقم تليفونها، وطلبت منه أن يتصل بها بعد أسبوع (….).

كان هذا هو مشهد النهاية، الذي ختم به البطل فيلمه المثير، والمشوق، وأما بدايته، فكانت في لندن، ثم وصل إلى ذروته في تل أبيب.

بعد اجتيازه الامتحانات الشفوية والتحريرية في مسابقة الخارجية، وبعد انتهاء التدريب في المعهد الدبلوماسي، وفي سفارتي مصر في چنيف وباريس، يتم إلحاقه بالسفارة المصرية في العاصمة الإنجليزية، وهناك يكون اختصاصه، هو متابعة النشاط الصهيوني، وخاصة في مجال التسليح، لكنه يذكر بأن أهم عملين قام بهما في تلك الفترة هما: مغامرته في حضور المعرض الصناعي والزراعي الإسرائيلي الذي، أقيم عام 78 بمناسبة مرور 30 عامًا على قيام الدولة العبرية، وبالرغم من اعتراض السفير سميح أنور على ذلك، إلا أنه ذهب متخفيًا مع ابن خالته، وشاهد المعرض، وكتب تقريرًا مفصلًا، ولم يذكر ماذا شاهد وكتب، ثم كان العمل الثاني حين طلب منه أن يتحرى عن مضمون تقرير كانت منظمة العفو الدولية تزمع إصداره عن حالة الحريات الدينية في مصر، وللمصادفات السعيدة أنه كان قد تعرف بطريقة حميمة على إحدى العاملات في تلك المنظمة، وكانت يهودية تحمل الجنسيتين البريطانية والإسرائيلية، واستطاع عن طريقها معرفة تفاصيل خطة العفو الدولية وإبلاغ أجهزة الأمن في مصر بها.

ونتيجة لإعجاب الوزير كمال حسن علي به، وبمجهوداته في لندن قرر – خلال زيارة عابرة له للندن – نقل السيد رفعت إلى إدراة التطبيع والحكم الذاتي التابعة لمكتبه مباشرة في القاهرة، وكانت مهمته تتمثل في الإعداد للقاءات مع الوفود الإسرائيلية ومتابعة نشاط التطبيع مع الجهات الحكومية المختصة.

وفى مارس (أذار) 81 يقرر وزير الخارجية نقله للعمل في السفارة بإسرائيل، ويقبل بذلك، بالرغم من المخاوف التي أبداها له والده، مستشار ثقافي سابق في الخارجية، وبالرغم من معارضة زوجته، وتهديدها له بطلب الطلاق، وقبل سفره يتلقى دورة تدريبية أمنية مكثفة، ثم في يونيو (حزيران) من نفس العام يذهب إلى تل أبيب بالطريق البرى عن طريق منفذ العريش.

في ثانى يوم له في إسرائيل يتعرف على سيدة يهودية تدعى هنريت، كان يحمل لها هدية من صديق مصري لم يذكر اسمه، ودعاها للعشاء، وأخذت تحدثه عن المجتمع الإسرائيلي وعاداته، وعن الديانة والشريعة اليهودية، ثم سريعًا حدث استلطاف متبادل، وبدأت الكيمياء في التفاعل بيننا، وبصراحة كنت أرغب في خوض تلك التجربة. (صفحة 78).

وفي ليلة الاحتفال بالعيد القومي: 23 يوليو، الذي أقامته السفارة المصرية، تعرف على رونا ريتشي السكرتير الأول بسفارة بريطانيا، وكالعادة تطورت الأمور بينهما، وتفاعلت الكمياء سريعًا، ودخلا في علاقة عاطفية لم تنته – على الرغم من تفاعلات كميائية أخرى كثيرة – حتى غادرت الدبلوماسية الإنجليزية إسرائيل بعد ذلك، ومن أول لحظة اتفق معها على أن: لي مطلق الحرية فى إقامة أية علاقات أخرى؛ لدواعي العمل! بشكل مستتر، وبقدر المستطاع، حتى لا أجرح مشاعرها، بشرط ألا تقيم هي أية علاقات أخرى، وقبلت رونا بذلك، وأبدت سعادتها باستمرار علاقتنا ولقاءاتنا كلما سنحت الفرصة لذلك (صفحة 107).

ولما كان بطلنا حريصًا على التعرف على المجتمع الإسرائيلي، أو على الجانب الناعم فيه، فإنه وطد علاقاته مع عدد من أفراده، ومنهم رجل الأعمال ديفيد، من أصل روسي، الذي كان يقيم في نفس الفندق، وله صديقات كثيرات، ويقيم حفلات صاخبة في جناحه، وأيضًا تعرف على دانيال، البارمان الذي كانت هوايته ـ في أوقات فراغه ـ توفيق رأسين في الحرام، وعن طريقه تعرف الفرعون المصري على عدد من نزيلات الفندق اللاتي كن سريعات الاشتعال بسبب تفاعل الكمياء المصرية الطبيعية!

وللأمانة، فإن حفيد الفراعنة كان واعيًا؛ فكان حريصًا على عدم التمادى: في مشاعري تجاه صديقاتي الأجنبيات، وذلك نابع من حرفيتي، وعدم رغبتي في الوقوع بشرك الحب مع أية فتاة (صفحة 106).

 (٣)

مدرسة عادل إمام السياسية

تتشابه الخيوط الرئيسة في مذكرات السفير رفعت الأنصاري مع خيوط مسلسل فرقة ناجي عطا الله، للفنان عادل إمام، وبالطبع لا نستطيع الجزم بأن ذلك التشابه هو مجرد صدفة أو توارد أفكار بين صاحب المذكرات ومؤلف المسلسل، فقط نحن نعرف أن المسلسل عرض في رمضان 2012، بينما صدرت المذكرات في أوائل عام 2015، مع العلم أن الأنصاري يقول – في مقدمة كتابه – إنه انتظر ست سنوات كاملة ليحصل على الموافقات الرسمية للنشر، وبحساب صغير نجد أنه انتهى من الكتاب في 2009.

في الكتاب – كما في المسلسل، أو في المسلسل كما في الكتاب – نجد قصة الدبلوماسي المحبوب والمقبول من المجتمع الإسرائيلي، في الوقت الذي تترصده أجهزة الأمن، ولا تطمئن له، وتعامله باعتباره جاسوسًا يتخذ من وظيفته الدبلوماسية ستارًا، وتظل تطارده حتى يتم طرده من إسرائيل أو يهرب.

وفي كلا العملين، فإن وظيفة البطل، وموقعه في السفارة لايؤهلانه – بالشكل الطبيعي والمعروف في العمل الدبلوماسي – لتصدر المشهد، الملحق الإداري في حالة عادل إمام، والسكرتير الثاني ومسئول فك الرموز والشفرات في حالة الأنصاري، ولكن نظرًا لمواهب وقدرات البطل، فإن السفارة المصرية تعتمد عليهما في أمور كثيرة، بعيدًا أو قريبًا من دائرة عملهما.

والأهم من ذلك، فإن شخصية السفير في العملين، تبدو باهتة ومهزوزة – أو كما يقول عامة الناس – بطيخة!

بل إننا نجد أن المشهد الافتتاحى في الكتاب وفي المسلسل واحد ومتطابق، وهو استدعاء السفارة للدبلوماسي الموهوب للإشراف على ترتيبات الحفل الكبير الذي تقيمه بمناسبة العيد الوطنى 23 يوليو، والذي ستحضره نخبة إسرائيل الحاكمة.

ولعل الاختلاف الوحيد هو أن أحداث الكتاب تنتهي عند هروب الدبلوماسي العاشق إلى مصر، بينما يعود عادل إمام ليسرق أكبر بنوك الدولة العبرية ويتنقل مع فرقته من بلد لآخر نتيجة مفارقات، وأحداث لم يكن مخططًا لها، وخارج سيطرته قبل أن يعود إلى أرض الوطن.

وعلى الرغم من الفارق الزمني بين أحداث المذكرات الواقعية، أوائل الثمانينات، وبين أحداث المسلسل الدرامية في العقد الثاني من الألفية الثالثة، إلا أننا لانجد فارقًا كبيرًا في العقلية السياسية، وهي عقلية تلخصها مقولة عادل إمام خلال أحداث المسلسل، عندما رد على سؤال أحد الإعلاميين، وهي:إحنا جامدين قوي… بدون أن يوضح في أي مجال بالضبط!

 (٤)

الوسادة اليهودية الخالية!

أولى المهام السياسية الكبرى التي كانت تنتظر الفرعون المصري هي مشاركته – مندوبًا عن مصر – في مسابقة ملكة جمال إسرائيل، وقد وقع اختيار المنظمين عليه ليكون رئيسًا للجنة المسابقة، وليس – فقط – عضوًا؛ نظرًا لأن الجائزة الكبرى – بخلاف التاج – هي رحلة سياحية لمدة أسبوع إلى مصر، ومقابلة الرئيس السادات، وهي فكرة فيلسوف السبعينات: أنيس منصور، الذى كان يرأس تحرير مجلة أكتوبر وقتها، ولا يمكننا تصور مكان – أو مهمة – مثل تلك، إلا ويكون فيها الأنصاري؛ فهو الرجل المناسب في المكان المناسب.

وللحق فإنه استعد جيدًا لتلك المهمة القومية! فلم يكتف بتفاعلاته الكيميائية وحسب، بل إنه أصر – بمساعدة عشيقته الدائمة رونا ريتشي – على كتابة كلمة يلقيها في الحفل، وقد كتبها باللغة العبرية بحروف لاتينية، وبالطبع كانت مفاجأة الجميع وانبهارهم بلا حدود!

وعلى الرغم من تحذير عشيقته له بأن يكون حذرًا مع المتسابقات والجميلات في الحفل؛ حتى لايتم التقاط صورة له في وضع غير لائق، وبالرغم من حسه الأمني العالي، فإنه وافق على حضور الحفلة الخاصة في قصر الممول الرئيس للمسابقة، رجل أعمال يهودي من أصل إيراني، الذي وصفه (صفحة 129) بأنه: يتسم بقدر كبير من الإباحية، وقد عرضت بعض المتسابقات على قضاء الليلة معي، وكانت الدعوات النسائية مفتوحة وصريحة بشكل عام.

قبل ذلك كان قد تعرف على السيدة إنجه دويتشكرون نقيبة الصحفيين في إسرائيل، كانت من النساء القليلات اللاتي جاء ذكرهن في الكتاب، ولكن بدون أية تفاعلات كيميائية، والتي أكدت له أن لديها عدة طلبات من صحفيات، وليس صحفيين ـ خد بالك ـ يردن إجراء حوارات معه، ولا ندري لماذا اختارته هو دون بقية طاقم السفارة كله، وكما قال هو بنفسه، وبالرغم من أنه اعتذر لها، إلا أنه في اليوم التالي تلقى اتصالا من صحفية وطالبة دراسات عليا، طلبت منه إبداء رأيه في موضوع العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، وبالرغم من تشككه في أنها قد تكون مدفوعة من أجهزة الأمن عليه، إلا أنه وافق على مقابلتها، بعد أن أصرت هي على ذلك وأخذت تطارده.

يقول بطلنا (صفحة 123): إنه كان يظن أن لقاءه بتلك الصحفية سيكون عابرًا، ولكن هيهات أن تفوت فرصة التفاعل الكيميائي، أو كما يقول المثل الشعبي: الماية لا تفوت على العطشان، حيث بادرته بدعوة على العشاء، وهناك دخلت في بكائية طويلة عن معاناة النساء اليهوديات اللاتي – يا حرام! – لا يستمتعن بالعلاقة مع أزواجهن؛ لأنهن – حسبما مبادئ الشريعة اليهودية – خلقن فقط للإنجاب، ولا شيء غير ذلك، ثم أضافت: سأتحدث معك بصراحة، لقد وصفتك لي نقيبة الصحافيين، وقد حضرت وفي نيتى بالأساس أن أقضى معك وقتًا خاصًا، وباعتبارك مصريًا مسلمًا (!؟) فإن ذلك سيمثل تجربة فريدة بالنسبة لي سأعيش على ذكراها… وكان ما كان.

ولأن وجود السيد الأنصاري في السفارة المصرية لم يكن اعتباطيًا أو بلا أهمية، فقد حدث أن طلب منه أحد أعضاء السفارة، لم يذكر اسمه، التقرب من السيدة أنيللى هايونين، مستشار السفارة الفنلندية، على اعتبار أن فنلندا سوف تشارك بقوات عسكرية ضمن قوات حفظ السلام بين مصر وإسرائيل، والهدف هو معرفة أي شيء عن ذلك بحكم العلاقات الوطيدة بين المخابرات الفنلدنية والإسرائيلية، لكن البطل اعتذر عن ذلك بسبب أن السيدة المذكورة هي صديقة لاثنتين من عشيقاته: البريطانية رونا، والنرويجية أنا لارسن، وعرض على المسئول أن يقوم بتقديم أحد زملائه لها، وهو ما تحقق فعلًا، وقامت علاقة كيميائية بين المستشار أبوزيد، لم يذكر اسمه كاملًا، وبين السيدة الفنلندية، وحكى لنا في كتابه تفاصيل تلك العلاقة، ولكنه نسي أن يقول ما هى المعلومات التي حصلت عليها مصر نتيجة هذه العلاقة!

(٥)

التجسس بطرق كيميائية

ينفي السيد رفعت الأنصاري أية صلة بينه وبين أجهزة المخابرات والأمن المصرية، ويؤكد – مرة في مقدمة الكتاب، ومرة في خاتمته – أنه كان مجرد دبلوماسي يمارس مهام وظيفته كسكرتير ثان، وليس أي شيء آخر.

وحسنًا فعل؛ لأنه لو كان قال أي شيء بخلاف ذلك، فإن ذلك سيتدعى تحقيق ومساءلة تلك الأجهزة في معايير اختيار مندوبيها وعملائها، الذين يكسرون أبسط قواعد الأمن والتأمين بشكل طفولي ساذج، والحقيقة أنك – عندما تقرأ الكتاب – تشعر أنه ليس مذكرات دبلوماسي، بل هو يوميات كازانوڤا في طبعته المصرية.

ونأتى للسبب الحقيقي الذي من أجله كتب الأنصاري كتابه، وهو دوره في كشف الخطط الإسرائيلية، بالتعاون مع عناصر خسيسة من حزب الكتائب اللبنانية، لغزو لبنان وضرب منظمة التحرير الفلسطينية واقتلاعها، وبالمرة، الضغط على السنة والشيعة لقبول السيادة المارونية، وهو دور ومجهود يشكر – بالطبع – بغض النظر عن أن الدول العربية – وفي مقدمتها مصر – لم تستطع استثمار هذه المعلومات وإجهاض الخطط الإسرائيلية.

لكن العجب كل العجب هو أن السيد الدبلوماسى لم يكن – فيما رواه – يبحث عن المعلومات بصفة عامة، أو يخطط لاستدراج مصادره للحصول عليها، بل كان يصطاد النساء لمتعته الشخصية مستغلًا وسامته الملحوظة، وتأثير تفاعلاته الكيميائية الفرعونية المعتقة.

والبداية، كما يروى هو (صفحة 235)، عندما شعر بالملل في ليلة 21 ديسمبر (كانون الأول) 1981، وقرر الذهاب للملهى الليلى في فندق رامادا، وبينما هو في البار شاهد سيدتين بمفردهما؛ فاقترب منهما، إذ أعجبته إحداهما، وطلب منها مشاركته في الرقص، وبعد وقت قليل تركتهما السيدة الأخرى، وذهبت: لتتركنا وحدنا نستكمل حديثنا، وشعرت أن الموقف في صالحي، ولأنه كان يخطط لضمها إلى قائمة عشيقاته، فإنه سألها إذا كان من الممكن أن يلتقيا في الغد، ولكنها أخبرته أن عليها مغادرة تل أبيب باكرًا، ولما سألها عن طبيعة عملها أخبرته أنها ضابط في جيش الدفاع، تلقت – للتو – نبأ ترقيتها إلى رتبة نقيب.

ولما أخبرها بمكان سكنه ضحكت من الصدف! لأن جدتها تقيم بنفس البناية، وهنا اتفقا على اللقاء بشقته، بعد نصف ساعة، وكانت كل العناصر قد نضجت، وبقينا معًا حتى السادسة صباحًا.

وكانت هذه هي إيريت…

أما المصدر الثانى فكانت يوديت الضابط في جيش الدفاع أيضًا برتبة رائد، وحكايتها أغرب.

في يوم 10 يناير  (كانون الثاني) (كما يحكي في صفحة 253)، كان عائدًا من عمله، وتوقف في إشارة مرور، والتفت عرضًا على يمينه؛ فشاهد امرأتين ورجلًا، في السيارة التي بجواره، وكانت السيدة في المقعد الخلفي تبكي وتشير عليه، على الأنصاري، ثم انفتحت الإشارة، وانطلق بسيارته ليفاجأ بأن السيارة التي رآها تسير خلفه، وقائدها يشير له أن يتوقف ووقف.

ترجل الرجل من السيارة وتوجه إليه، حيث قال بلا مقدمات: إن معه زوجته وشقيقتها التي أنهت للتو إجراءات طلاقها، وكانت طول الوقت تبكي، وسألها مازحًا أنه سيفعل أي شيء لتكون مسرورة، وكان ردها أن عليه تقديمها لرجل وسيم، وليكن ذلك الذي في السيارة التي بجوارنا.

وبشهامة أولاد البلد الجدعان وافق الأنصارى على التسرية عن المطلقة اليهودية، وذهب معها لشقة أختها، وتفاعلت الكيمياء!

ووثقت الضابطتان في الفرعون المصري كثيرًا، وكثيرًا جدًا! للدرجة التي فضفضتا بأسرار الخطة الإسرائيلية وتوقيتاتها وتفاصيلها الكاملة حتى بعد أن أخبرهما بطبيعة عمله وموقعه في السفارة المصرية، ومع علمهما أن ذلك – لو تم اكتشافه – ستتم محاكمتهما؛ لأن القانون يمنع أى اتصال بين أفراد الجيش وبين العاملين في السفارات الأجنبية.

ويسرع الأنصاري إلى السفير سعد مرتضى، ويخبره بما حصل عليه، ويقرر السفير إرسال المعلومات عن طريقة رسالة مشفرة (!!) ولم يقبل أن يرسلها مع حامل حقيبة، بل يقرر ذكر اسم المصدر الذى حصل عليها، وعلى سبيل التمويه (!!) يكتب أن مصدر المعلومات هو الملحق العسكري البريطاني في تل أبيب، ومع أن الأنصاري أخبره، وهو بالطبع مالم يكن يخفى عليه، باحتمالية قيام الإسرائيليين بكسر واختراق شفرة السفارة، إلا أنه يحتد عليه، ويوبخه قائلًا: إنه هو السفير، وهو الذي يقرر.

وبالطبع فإن أجهزة الأمن الإسرائيلية التقطت الرسالة وفكت رموزها، ولما كانت تعرف أنه لا صلة مباشرة بين السكرتير الثاني المصري والملحق العسكري الإنجليزى فإنها – وهي التي تعرف تفاصيل العلاقة الكيميائية بين بطلنا وبين رونا ريتشي لدرجة أنها سجلت لهما حديثًا على شاطئ البحر بواسطة ميكروفون تم زرعه فى طوق كلب مدرب على التجسس – استنتجت أن مصدر تلك المعلومات هو السكرتير الثاني في السفارة البريطانية، وأخبرت المخابرات الإنجليزية التي اعتقلتها وحاكمتها، ثم تطورت الأمور حتى استدعت تهريب الدنچوان المصري سرًا.

ومع أن مصر لم تستطع منع إسرائيل من غزو لبنان (الذي بدأ في يوم 6 مايو (حزيران) 1982، إلا أن كثيرًا من الأسئلة حول البطولات التي قام بها صاحب التفاعلات الكيميائية في تل أبيب تحتاج لتفسير وتوضيح، ولعل أهم تلك التساؤلات: هل اتصل – بعد العودة إلى مصر بالمضيفة هدى؟ هل تتذكرونها! التى أعطته رقمها في الطائرة!؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

حكايتى فى تل أبيب-أسرار دبلوماسى مصرى
عرض التعليقات
تحميل المزيد