المشهدُ الأول :-

تُشيرُ عقارب الساعة إلى الرابعة فجرا،أخرج من بيتي مسرعا للحاق بذاك القطار الذى من المفترض أن يتحرك فى غضون دقائق متجها إلى قاهرة المُعز.

يتحركُ القطار قاطعا مسافةً تزيدُ عن 200 كيلو متر للوصول إلى وجهته،ولمن لا يعلمُ شيئا عن قطار الصعيد فإنه يقطع تلك المسافة في حوالى خمس ساعات من العذاب .

يبقى أخير أن نذكر سبب ذاك السفر،وهو فقط شراء بعض الكتبِ التى لم أستطع الحصول عليها هنا فى محافظتى والتى يُطلقُ عليها عروسُ الصعيد،حتى وإن استطعت أن أجدها – ظاهرة نادرة قد تحدث – فإنها تكون بأضعاف السعر الحقيقي.

 

المشهدُ الثانى :-

يا بُنى دراستُك الجامعية وحدها لا تكفى للوصول وإثبات الذات،عليكَ أن تعمل جاهدا لتأهيل نفسكَ خارج أسوار الجامعة، يأخذُ هذا الشاب تلك النصيحة التى ألقاها له من مر بتجربته مفصحًا له عن طريقٍ كلنا يعلمه.

يبدأ الإعداد لقائمة من المهارات التى ينبغى الحصولُ عليها،وتبدأُ رحلةُ الألف ميلٍ بخطوة. وإن كنت من الصعيد فهى خطوة الألفى ميل، ينظرُ بين يديه فيرى قائمةً تم إعدادها جيدا، ومن ثم يبدأ فى البحث عن المراكز المتخصصة ليلتحق بها.

لا يمرُ طويلا حتى يأتيه الخبر،إذا أردت تعلم هذا الذى تطلبه فعليك بالقاهرة!

 

المشهدُ الثالث :-

مجموعة من الطلاب يبدأون التجهيز للمشاركة في مسابقةٍ هندسية،وآخرون على أعتاب السنةُ الأخيرة للدراسة بكلية الهندسة، يبدأ التجهيز لمشروع التخرج،يتم الاختيار ويبدأُ العمل لتنفيذ المشروع.

قائمةٍ من المكونات تم إعدادها لتفيذ المشروع أو للمشاركة فى المسابقة،يتم البحث عنها سريعا،ثم النتيجة المعتادة:نأسف،لا يمكنك إيجاد ما تطلبه هنا،إن كنتَ تريده فعليكَ بالقاهرة.

 

المشهدُ الرابع :-

مريضٌ فعل به المرض فعلته،ألزمه الفراش،يستقرُ الأطباء أخيرا على أنه بحاجةٍ لإجراء عملية فى القلب، متى يمكننا إجراء تلك العملية؟ حسنًا،الإمكانات المتاحة هنا لا يمكنها التصدي لتلك العملية،أنصحكم الآن بالتوجه للقاهرة.

 

المشهدُ الخامس والسادس والسابع،ثم امضِ كما أنت دون توقف، وفى كلِ مرة ستجد النتيجةَ نفسها:عليكَ بالقاهرة، صارت القاهرةُ لنا نحن – أهلُ الصعيد – محورا لا يُمكنُ الاستغناءُ عنه،صارت القاهرة لنا كعبةً نشدُ الرحالَ إليها لأداء مناسكِ عبادة الحياة!

إذا أردت كُتبا فعليك بالقاهرة، وإذا أردت العملَ فعليكَ بالقاهرة، وإذا أردت التعلم فعليك بالقاهرة، وإذا أردت العلاجَ فعليك بالقاهرة، وإذا أردتهم جميعا فعليكَ بالقاهرة!

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء منذ أيام أن عدد سكان مصر تجاوز 90 مليون نسمة،وفى الأرقام التفصيلية نجد أن محافظات الصعيد تشارك بما يزيد عن 25 مليون نسمة.

لك أن تتخيل أن هذا العدد من السكان يفتقرُ لأبسط مقومات الحياة،لك أن تتخيل أن القاهرةَ صارت لكثيرٍ منهم وجهة للعملِ والتعليم والعلاج،ثم نتساءل كيف أصبحت القاهرةُ وحدها تزيد عن تسعة ملايين نسمة.

لو نظرتَ فيهم لوجدت أعدادا كبيرةً منهم ينتمون لخارج أسوار تلكَ المحافظة،لكن ولأسبابٍ ذكرناها مسبقا اتخذوا من القاهرةٍ ملاذا لهم،فكانت لهم مرحلةً لا غنى عنها للبقاء أحياء.

إذا أردت أن تخفف العبء عن العاصمة فعليك أن تنزع تلك اللعنةَ التى تمكنت من أرض الصعيدِ حتى طردت عنه أبناءه!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد