1- العصافير

منذ عهد طه حسين إلى اليوم، لم تجن جامعة القاهرة سوى كل سوء مع كل يوم يمر بها، وصارت مع الزمن تجمعًا لكل الفئات الثقافية، التي كان يخرج منها مظاهرات، وتجمعات، وحركات ضد النظام، ومعارضون، وجماعات متشددة سلفية وإخوانية، وبعض المطبلين للنظام وبعض المؤيدين، لكن بعد كل تلك السنوات إلى اليوم نجد أننا بعد الثورة، صار في كل ركن أجهزة مراقبة، وفي كل كلية عصافير تبلغ عن أي شخص يفكر أو يعارض، أو لديه انتماء سياسي أو نشاط معارض، ونجد اختفاء بعض الطلبة نتيجة ذلك، اختفاء العديد من الطلاب قسريًّا أو تشريفهم في أمن الدولة.

وتلك العصافير تنقل التحركات نقلًا مستمرًا، وفي أغلب الكليات تدفع الجامعة بأشخاص بعينهم لتولي اتحاد الطلبة وتساندهم، ويقوم الدكاترة بمساندتهم ليضمنوا عدم وجود شخص خطر أو معارض في منصب، أو لديه قدرة على مخالفة أي تعليمات أو رأي، وينفذ كل ما يطلبونه منه، وفي الغالب يمتلك هؤلاء أدنى حد من الثقافة، ومن ثم ننتقل إلى عهد جابر نصار الذي كان يقيم حفلة برعاية أبي هشيمة، ومن ثم عارض أحد أفراد اتحاد الطلبة هذا الحفل وهاجمه على العلن، وظهر مع وائل الإبراشي وعدد من الإعلاميين لرفضه سياسة جابر وحفلاته وما وراءها، ونعود إلى زمن المظاهرات التي كانت حتى حكم السيسي، ومنها كان وجود عنصر ثقافي واع نشط يشكل خطرًا في أي منصب؛ لكي لا يؤثر على الطلاب تأثيرًا سلبيًّا بالنسبة لمصالحهم.

ونتذكر عهد جابر نصار كيف كان مليئًا بالحفلات، والمهزلة الأخلاقية والتعليمية، وتسطيح عملية التعليم العالي تسطيحًا واضحًا، وننتقل منه لعهد الخشت الذي للحق قام بالعديد من الأنشطة الثقافية، وكانت حفلاته قليلة للغاية، وجميعها كان راقيًا وبديعًا، لكن بعد فوز السيسي بالانتخابات لفترة رئاسية جديدة، أطلق عمداء الكليات لافتات تؤيد السيسي وتهنئه، وكان بعضها قبل الانتخابات، وجعلوا مجموعة من الطلاب تنطلق من كلية آداب وتسير حاملة لافتات تؤيد السيسي، وبعدها لافتات تهنئة، ومن هنا يسيس الطلاب لمبايعة ما يحبه ويرضاه وكلاء وعمداء الكلية ورئيس الجامعة، وما تحبه وترضاه مصلحتهم، ويشبوا على النفاق ومبايعة كل ما يطرق دون تفكير، وجعل الدكاترة كلهم بانتماء واحد معلن، فلا يهمنا ما تضمره في قلبك؛ لأن بالطبع النفاق هو المتحكم، ونتساءل ما مصير أي فرد يعارض أو يعلق لافتة لشخص معارض للسيسي؟

الإجابة هي الفصل أو التضيق عليك، سواء كنت طالبًا أو دكتورًا أو معيدًا أو أيًّا كان منصبك، ومصيرك أيضًا التهديد والإضرار بمصلحتك ومستقبلك للأبد.

ولا داعي للتذكير بأنك لو لديك انتماء معارض في هذه الأيام، وأعلنت عنه أو عن رأيك، سوف يبلغ عنك عصفورة الدفعة أو الدكتور أو المعيد.

أي إن الجامعة مكان القمع والإرهاب وغسل مخ الطلاب، ونجد مشكلة أخرى، وهي تدني مستوى ثقافة الطلاب مع فكرهم تدنيًا ملحوظًا في الفترة الحالية ناتجًا عن سياسة تدمير الثقافة في مصر، فتجد من يمسك كتابًا في الجامعة يلقى تنمرًا ويرهب الجميع، ويكون ملحدًا ومنبوذًا، أو ذا فكر مخالف، أو مجنونًا، وتجد الثقافة تحارب، وبالتالي ليس لدى أغلب الطلاب ما يقاومون به توجيههم وتشريبهم النفاق والرضوخ بسهولة وتتبع الأوامر.

2- الدكاترة والقهر :

لدى الدكاترة، خاصة كبار السن، عشق يسمى الأصفار؛ فيقومون بإعطائه كأنه ماء يبعثر كيفما شاء الفرد منهم، فضلًا عن ذل الطلاب وإهانتهم المتكررة وسبهم والتجريح فيهم وإحباطهم. ببساطة هم مصدر اكتئاب وبؤس وتخلف في طرق التعليم. ويورثون العقد لمن يخلفهم وللطلاب، ويبغضون المقرر والكلية والتعليم والثقافة وربما الحياة إليهم.

وننتقل إلى تجربة شخصية قد توضح ذلك، في كليتي، وهي تجارة شعبة إنجليزية، حيث لم أر دكتورًا كبير السن إلا ويذل الطلاب بالحديث عن صعوبة نيل الدرجات، ويذكرهم بأنهم لن ينالوا شيئًا، وأنهم فشلة، ويهينهم ويهين أحلامهم، ويضغط عليهم. وأتذكر دكتورًا، ولنسمه «ك» يذكر الطلاب بأنهم لا يرتقون لنيل الدرجات، ويضغط عليهم بصعوبة الامتحان وضيق الوقت لتنقص الدرجات، ويذكرهم بأنه لا ينال الدرجة سوى العبقري للغاية، وأنهم حفنة فشلة ويهينهم. ومنذ أيام كان بعد أن أعلنت درجات مشاركة الطلاب، هاج كل طالب في مجموعته ضده وثاروا ثورة شديدة، واكتئب العديد، وكان امتحان مادته مخالفًا لكل المعايير، ولا يستطيع أن يكمل حل الامتحان سوى العبقري للغاية، فلم يكمل أحد الامتحان دون أن يكمل آخر الأسئلة عشوائيًّا، لكثرة المطلوب وضيق الوقت، لكن هذا ليس بمشكلة، وإنما القضية تكمن في عناد الدكاترة جميعًا، فنحن نعند مع الطالب ومع بعض السناتر في بين السرايات، والضحية الطالب، نهين الطالب، وليس له حق الاعتراض بالطبع ولا الشكوى.

والقضية أيضًا تكمن في المضايقة النفسية، وفي عدم جدوى التعليم، وعدم جدوى النظام، وتوريث العقد، والبؤس، وأيضًا تكمن في تصعيب تحقيق الطالب حلمه، وإن اجتهد، أو أن ينجح في مستقبله القريب أو البعيد. ويخرج لدينا أجيال معقدة روتينية تكره حياتها، يصعب التعامل معهم حين ينالون منصبًا، وخاصة لو كان حكوميًّا، ونجد أن سوء كل وضع في مصر ينتج من سوء كل مؤسسة تعليمية وثقافية، والعقد والروتين، واختلال المبادئ والنفاق ما هي سوى أشياء تورث، والبؤس والانهزامية واليأس هم ما يخرج به الطالب مع بعض التعليم الذي لا يجاري تعليم أي بلد في العالم.

ونتعجب لما كل هذا الجهل والاكتئاب والتخلي عن المبادئ، أتذكر جملة قرأتها على تويتر تقول: «أحتاج بعد التخرج للذهاب إلى طبيب نفسي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد