«يشرب رجل وثلاث نساء البيرة في رواق البيرة معًا. تعود إحدى النساء إلى قبيلة اللوزي. الرجل من قبيلة النغوني، بينما المرأتان الأخريان من قبيلة الندبيلي. فجأة تنتزع المرأة اللوزية قرشًا منه، تقول «ضيع الأجنبي ماله». وتشتري بذلك كأسًا من البيرة لنفسها. يسأل الرجل لماذا أخذت المال منه ويطالبها بإعادته إليه. تجيب أن هناك علاقة ظرافة بين قبيلتهما وهي بالتالي موسومة بأخذ المال. ينكر الرجل أن مثل هذه العلاقة توجد بين القبيلتين. تبين فيما بعد أن هناك علاقة ظرافة بين قبيلة اللوزي وقبيلة الندبيلي وأن المرأة تعرف الرجل كونه ندبيلي «إلى حد ما».قبيلتا النغوني والندبيلي متقاربتان لغويًا وجغرافيًا. يصر الرجل أنه ليس ندبيلي إنما هو نغوني، ولكن المرأة لا تعيد ماله إليه».

إن العرقية والهويات الاجتماعية على وجه العموم نسبية وإلى حد ما ظرفية. ويمكن لفرد أن يتصرف باعتباره قبليًا، في بعض الظروف وابن مدينة في أخرى، أي «الرجل ذو البعدين» حيث يقوم الجدل الرئيسي على فكرة أنّه يجب على التنظيم العرقي أن يخدم أهدافًا سياسية وأن يلبي حاجات سيكولوجية للانتماء والمعنى في الوقت نفسه.

ينبغى لهذه الحقيقة أن تذكرنا بأنه حتى في المجتمعات متعددة العرقيات النموذجية حيث تثابر الاختلافات الثقافية على الظهور، فإن هناك العديد من الظروف التي لا تهم العرقية. يصح هذا ليس فقط في العلاقات داخل الجماعة العرقية، إنما كذلك في العلاقات داخل الجماعات العرقية. غالبًا ما يتقابل الموريشيون الهنود والكريوليون دون الإشارة ضمنًا أو بصورة واضحة إلى هوياتهم العرقية، على سبيل المثال، حيث يحدد من خلال من ظرف مكاناتهم كزملاء أو شركاء.

ويمكن لسلاسة ونسبية الهوية هذه أن تدرس في تفاعل كتفاوض للهوية. تعطي لرقصة الكاليلا مثلا على مثل هذا النوع من التفاوض؛ (تكون علاقات قياسية: ودية، عدائية طريفة) وتتأخذ شكل مفاهيم معينة حول عيوب وفضائل الآخرين، وهي أشبه ما تكون بفيلم المخرجة الرائعة / إيناس الدغيدى «ما تيجي نرقص» هذا الفيلم مقتبس من الفيلم الأمريكي Shall We Dance؟ والفيلم الياباني Shall We، عندما يختلف الوكلاء حول التعريف بعلاقاتهم كما هو الوصف الموضح أعلاه؛ ففي هذا الظرف، أصرت المرأة اللوزية أن النغوني كان لأسباب عملية «نفس» الندبيلي ويمكن أن يتم التعامل معه بالتالي بطريقة قياسية. فيما أصر الرجل أنه بالتأكيد لم يكن ندبيلي. تحدى مصداقية مدها التصنيفي لتضم النغوني في ذات الفئة العامة للندبيلي. بالمثل، قد يشعر البراهميون اللندنيون بالإساءة إذا ما عوملوا، من قبل الإنجليز الأصليين، بذات الطريقة القياسية التي يعامل بها البريطانيون السود من أجل جامايكي. في مثل هذا الظرف يمكن للبراهميين أن يتحدوا الفئة التصنيفية لـ «المهاجرين»، مصرين أن هناك اختلافات ذات صلة بين أنواع المهاجرين.

في ظروف أخرى ما بين العرقية حيث يتم التفاوض على الهوية، قد تكون القضية بدلا من ذلك ما إذا كانت أو لم تكن الهوية العرقية ذات صلة. على الرغم من أنه قد يكون صعبًا أن نتجاهل البعد العرقي تمامًا في مثل هذه الأوضاع، فإنها يمكن في الغالب أن تكون كثيرة الاتصال أو قليلة الاتصال بدرجة مؤثرة. على نحو ملحوظ، يمكن أن يكون أعضاء الفئات العرقية الموصومة وعديمة القوة مثل السيمي الساحليين ميالين بصورة اعتيادية إلى أن يقللوا من أهمية العرقية في التفاعل مع النرويجيين المهيمنين. أو أنهم قد يحاولون، بمقاربة تفاوضية، أن يقدموا كحملة للهوية النرويجية.

النقطة هنا أن العرقية يمكن أن تكون جانبًا سائبًا وغامضًا للحياة الاجتماعية، ويمكن أن يتم التلاعب بها بدرجة معتبرة من قبل الوكلاء أنفسهم. بالطبع، لا يمكن أن يتم التلاعب بالهويات العرقية بلا حدود، ولا يمكن للواحد أن ينسب أي هوية إلى أحد ما من خلال الادعاء، قل، أن شخصًا أيرلنديا هو جامايكي «بحق». يمكن للعرقية أن تكون ذات أهمية مختلفة في ظروف اجتماعية، وغالبا ما يقرر الوكلاء أنفسهم مغزاها.

ومن ناحية أخرى، فقد أثبتت بضع وجهات نظر أصيلة لمدرسة شيكاغو لتكون دائمة القيمة في دراسة العرقية: أظهروا أن العلاقات العرقية سلسة وقابلة للتفاوض، أن أهميتها تتباين حسب الظروف، وأنه، بالنسبة لكل مزاعمهم فيما يتعلق بالأصالة والجذور الثقافية، يمكن للهوية العرقية أن يتم التلاعب بها بصورة واعية وأن تستثمر في مجال المنافسة الاقتصادية في المجتمعات الحديثة.

وعلى ضوء ما سبق، هل يُمكن لفت الانتباه بصورة رئيسية إلى «غموض الظروف الاجتماعية، وإلى النسبية التاريخية والظرفية للعرقية، وإلى حقيقة ان الناس يصنعون التاريخ، على الرغم من أنهم لا يفعلون ذلك في ظل ظروف من خيارهم هم» أم أن «المشكلة الرئيسية التي طرحت هنا تتعامل مع العلاقات بين العرقية والثقافة، والسؤال: أين تنتهي جماعة عرقية وتبدأ أخرى!».

ولذلك فإن من الأجدى إيجاد مقاربة تفاوضية بين «رقصة الكاليلا وأفكار مدرسة شيكاغو» في إطار المجتمع الشرق أوسطي، التي تعير اهتمامًا خاصًا إلى الوظيفية المستمرة للقيود الاجتماعية والسلطة الاجتماعية، كما تذكرنا – باستمرار- بأن المجتمعات التاريخية الشرق أوسطية لم تكن قط ذات اعتماد ذاتي، ولا منعزلة عن العلاقات الخارجية، وبذلك فهي ليست ثابتة حتى قبل انخراطها في العالم الجديد.

ولكن ما يعنيني في هذه المقاربة هو ما تشهده المنطقة العربية من مقاربات/ مقارنات ضمنية / معلنة مع مراحل متعددة من التاريخ الشرق أوسطي الحديث والمعاصر، وتغني معرفتنا بنتائجها اليوم من خلال أجندات سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وإعلامية، للبدء في عملية استئناف العملية تفاوضية بمنظور جديد، كما هو الحال في الجهود الأممية في كل من سوريا واليمن وليبيا، ويمكن من خلالها البحث عن الظروف التنظيمية لإنتاج المعارف الاجتماعية المختلفة، ليس في السياقات – الجغرافية واللغوية – فحسب، والتي قد تبدو بأنها متعارضة، ولكن كيف سعى الجميع – عبر السلطة – نحو تأمين ظروف اجتماعية يمكن للرجل والمرأة أن يساهما في وضع الشروط الموضوعية للعملية التفاوضية بطريقة تتفاعل فيه البنية الاجتماعية والمعتقد الديني والسلوك السياسي، وتشكل على ضوئها الافتراضات المعنية بتحديد الإطار المرجعي – كنموذج أو نماذج (إجرائية ) – كمحددات تلك الأجندات وفقًا للقواعد النظامية للمجتمعات وبحسب الاتجاه الفلسفي المناسب، التي تبدأ من مختلف الظروف الاقتصادية والسياسية النظامية والعرضية.

وقد يكون الظرف الذي تم التعامل معه في سياق «التفاوض على الهوية» كما في «رقصة الكاليلا ومدرسة شيكاغو» نتاج «ظروف تاريخية مختلفة تحدّد اقتصادهم السياسي، ولكن إلى أي مدى يُمكن أن تتلاءم هذه التوصيفات التحليلية مع مفردات الدوافع والسلوك والتعابير المتعلقة بذلك الإطار المرجعي ونماذجها الإجرائية ونتائجها المتوقعة وافتراضاتها المختلفة حول الواقع الاجتماعي وأصول الحاجات وحول المعاني العقلانية والثقافية إذا ما كانت فيه العملية التفاوضية مبنية على روابط متسقة مع بعضها من حيث متطلبات التعامل مع تلك المقاربة التفاوضية التي تتمثل في الآتي:

1- كارل بوبر يقول الحُجَّة المنطقيّة لا تفيد من لم يمتلك رؤية وممارسة منطقيّة. وهذه العبارة الدقيقة هي بالضبط ما ضرب له عبد الله العروي مثالًا في «مفهوم العقل»، حيث قال إنك تأتي لطالب مبتدئ في علم المنطق، وتحدثه عن تأخر المجتمعات الإسلامية، فبكل يسر، يستطيع أن يعترض عليك قائلًا: بماذا عرفت ذلك؟ أبعلمٍ ضروري أم بملاحظة أم باستنتاج؟ وإذا كان بعلمٍ ضروري وجب على الجميع مشاركتك في ذلك، وهذا غير حاصل، وإذا كان باستنتاج فإن رأيكَ يتساوى مع رأي خصمك!

2- لقد كان الانشغال بالوحدة سمةً مركزيّة للخطاب العلمانيّ -وليس فقط الدينيّ-، وإنّ مَطلب الولاء المطلق لرموز الأمّة أمر جوهريّ لهذا التقليد السياسيّ، حتى في شكله الليبراليّ. إنّ صبا محمود على حقّ بإشارتها إلى أنّ الدّعوة لحماية حقوق الأقليّات يجب النّظر إليها باعتبارها جزءًا من مشكلة سيادة الدّولة -ومن مشكلة الدّولة ودستورها في خصوصّيته التاريخيّة. إذ يجب أن يتمّ التعامل مع وجود هؤلاء الذين هم «غير مندمجين كفايةً» بطريقةٍ ما من قبل الدّولة إذا كان على سيادتها ألّا تتعرّض للخطر.

لقد اتخذ حلّ هذه المشكلة أشكالًا عدّة من الناحية التاريخيّة. وكانت الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها الدّولة النّازيّة ضدّ اليهود الأوروبيين، بمن فيهم هؤلاء اليهود المُستوعَبون كفايةً، «حلًّا» من هذه الحلول. ولم ينقذهم طمس الرموز العموميّة لاختلافهم الدينيّ والثقافيّ لتحسين اندماجهم في الدّولة التجريديّة التي أقاموا بها. وفي مصر، يمكن النّظر إلى مجتمع الإخوان المسلمين باعتباره أقليّة دينيّة، حيث رُفِض هذا المجتمع كجزءٍ من الأمّة من قبل الدّولة العسكريّة وبالتالي تمّ قمعه بعنفٍ -وهي خطوةٌ أيّدها كثيرٌ من الليبراليين العلمانيين في البداية. وتمشيًا مع آلان ديروزيار، نقول: في حين أنّ حماية الاختلاف من قبل الدولة يمكن تجسيدها في يقينيّة القانون، فإنّ المطالبة بالتماثل كثيرًا ما تحث على الرّيبة بأنّها قناع لاختلافٍ أعمق – وريبةٌ من الخيانة إذن.

3- يقول الطبري إن الحسين بن علي لما كان في الطريق إلى كربلاء لقيه شخص يدعى مجمع بن عبد الله العائدي كان قد خرج من الكوفة للالتحاق به. فسأله الحسين عن الوضع هناك فأوجزه مجمع بقوله: «أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم بالمال يستمال به ودّهم وتطلب به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك. وأما سائر الناس بعد فإن قلوبهم معك وسيوفهم غدًا مشهورة عليك… من دراسة هادي العلوي: «الجذور التاريخية للعمالة»، مجلة دراسات عربية، العدد 4، شباط 1980.

4- إنّ الوسيطَ (أو، قل: المُخبر المحليّ) أخطرُ من خصمِك الإمبرياليّ، حيث يفرض عليكَ تحدياتٍ يصعب التعامل معها. فالحرب ضد الإمبرياليّ حربٌ وطنيّة قوميّة، لكنّ الحربَ ضدّ الوسيط (المخبر) حربٌ أهليّة. وعليه، فإنّ مكافحة الوسيط تحتاج لمجهودٍ مختلف ولمنظور آخر لا يختلف بالضرورة عن المجهود الذي نحتاجه للتعامل مع الإمبرياليّ، ولكنّه بحاجةٍ إلى بلورة جديدة للتعامل ليست خارجيّة حصرًا. والحال أنّ الأدهى والأمَرّ من ذلك، وهو أنّنا بمقدورنا أن نعاينَ الإمبرياليّ بسهولةٍ. في مقابل ذلك، يتمّ الاختلاف بشدّة على تعيين الوسيط. لذلك، الإمبرياليّة لا تعمل بدون وسيط، ولولا الأخير لهُزمت الإمبرياليّة قبل أن تُوجد.

نريدُ بذلك القول إنّ الإمبرياليّة لا بدّ لها من وسيط. والإمبرياليّة، بصورةٍ أعمّ، هي وساطة بما هي علاقة سلطةٍ مفروضة على التابع من قبل ذات أصيلة ونقيّة وعقلانيّة. صحيحٌ أنّ الإمبرياليّة تتلوّن وتتبدّل، ربّما تكون الإمبراطوريّة في شكلها الأخير كما عبّر نيغري وهاردت هي نسخة متأخرة منها. وكذلك الوسيط، فهو وإنْ كان بالأوّل بيّن زمن الإمبرياليّات الأوروبيّة الواضحة، إلّا أنّه الآن ‘يتحجّب‘: يظهر لنا كمقدّم استشاراتٍ للبنك الدوليّ لأنْ يكون أكثر خفّةً في رأسماليّته، أو قل لترشيده على الدّول العالمثالثيّة؛ أو في مظهر تقديم نصائح للإدارات الحاكمة في الغرب للتعامل مع شعوب المنطقة، وكيف يتمّ استيعاب ما يحصل في بلدانهم (والديمقراطيّة هي مشورة إمبرياليّة في شكلها الأخير كما نعلم ).

للتأمل

الحرية هي الشيء الوحيد الذي يجعلك تشبه نفسك. *إبراهيم نصر الله

فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين: الحقيقة والأوجه الغائبة. *أمل دنقل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسية, فكر, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد