مشكلة تحريف التاريخ تأتي من اختلال الشفافية في معالجة الأحداث والعصور، وليس من المنطق أبدًا أن يكون سبيل الرد على المهاجمين للتراث الإسلامي هو إضفاء القداسة على عهود اتسمت بالظلم وانتشار القتل للمعارضين والمخالفين، أو أن نسبغ عليهم رداء ليس لهم. بل يجب فصل الأحداث والعهود والحكام عن بعضها؛ وعدم التعميم في الذم ولا في التفخيم. يجب ألا ندع العاطفة تستبد بالحقيقة، ولا أن يطغى التاريخ الملفق فيلتهم كل شيء ونصل إلى وقت لا نستطيع فيه أن نفرق فيه بين الصالح والطالح، وتبرير ذلك بأنه واجب على المسلمين أن يدافعوا عن تاريخهم.

ومسألة الخلافة الإسلامية واحدة من أهم الموضوعات المؤثرة في تاريخ المسلمين، لاحتواء تاريخها على الكثير من الجدال والخلاف رغم أن النصوص الصحيحة الدالة عليها متوافرة وثابتة. والمشكلة أن الكثيرين مقتنعون بأن الدول التي حكمت العالم الإسلامي بدءًا من الأمويين وصولًا للعثمانيين هي دول خلافة إسلامية. رغم أن أنظمتها الحاكمة كانت أبعد ما يكون عن ذلك، ولا نناقش هنا صلاح أو فساد تلك الأنظمة ولا أولئك الحكام، بل مدى مطابقتها لمسمى الخلافة من عدمه.

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت».

والملك العاض هو الملك التوارثي المعروف، وهذا بدأ في الدولة الأموية بعد مقتل آخر خليفة راشد وهو علي بن أبي طالب، عندما تولى معاوية الحكم ثم أورثه من بعده لابنه يزيد، ولم يختلف أحد في ذلك. والحديث دليل على أن الخلافة الراشدة انتهت بظهور الحكم التوارثي، ثم من بعده أشكال الحكم الأخرى، وستظل هكذا حتى نهاية الزمان عندما تعود خلافة أخرى راشدة ثم تقوم من بعدها الساعة (القيامة).

«وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الْخِلاَفَةُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ».

والخلافة من أبي بكر وحتى مقتل علي بن أبي طالب هي ثلاثون سنة تماما. إذا نظام الحكم المسمى بالخلافة انتهى بمقتل علي بن أبي طالب رضي الله، وكل من جاء بعده مجرد ملوك أو أمراء أو سلاطين يتوارثون الحكم وليسوا خلفاء بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان القتل والخداع والترهيب والحروب غير المبررة وكل ما تتسم به سياسات الديكتاتوريات الحديثة متوافرًا في عهودهم. ولا أدل على ذلك من اختيار علماء المسلمين عهد عمر بن عبدالعزيز من وسط كل هؤلاء ونسبته إلى عهد الخلافة، وهذا إقرار ضمني بأن من سبقوه من بني أمية ومن جاء بعده ليسوا خلفاء ولم يكن ملكهم خلافة.

ورغم أن كتب التاريخ تطلق عليه ثامن الخلفاء الأمويين (للتفرقة بين تلك الخلافة المزعومة وبين الخلافة الراشدة التي كانت على منهاج النبوة) فإنهم يفرقون بينه وبين السبعة الآخرين بكون عمر بن عبدالعزيز أقام العدل ونشر المساواة ورد المظالم إلى أهلها وعزل الولاة الظالمين حتى أطلقوا عليه خامس الخلفاء الراشدين والمجدد للدين في المائة عام الأولى بعد موت الخلفاء الأربعة. ولفظ الرشد والرشاد للتفرقة بين الخليفة الحقيقي وبين المزور. بل ومن يقرأ التاريخ يجد أن في بعض الأوقات تواجد أكثر من واحد من حكام المسلمين يدعي الخلافة، ووجد لنفسه من علماء المسلمين المعاصرين له من يدعوه بالخليفة ويدعو الناس لطاعته، رغم عدم قبول الشرع وجود خليفتين في وقت واحد لما يسببه ذلك من فرقة واقتتال بين المسلمين.

وفي حديث هام قال النبي صلى الله عليه وسلم (هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش) وهذا الحديث في صحيح البخاري، ومعنى الهلكة الضياع، وغلمة أي غلمان (عيال) وقرر الصحابة الذين نقلوا هذا الحديث أن المعني بذلك هم حكام بني أمية، وهم أول من سموا أنفسهم بالخلفاء وأمراء المؤمنين، رغم استيلائهم على الحكم بانقلاب عسكري دموي.

وفي العصر الحديث من تاريخ المسلمين سعى للقب الخلافة الكثيرون، منهم السلطان عبد الحميد الثاني العثماني، فالرجل حاول تبني فكرة الجامعة الإسلامية (تجميع كل المسلمين تحت راية واحدة هي الدولة العثمانية)، وإضفاء الشرعية الدينية العليا على حكمه باتخاذ لقب الخليفة، وكان أول من استخدم لقب خادم الحرمين الشريفين. ولكن برغم الصلاح السلوكي والأخلاقي الذي اتسم به السلطان، والذي تحدثت عنه كتب التاريخ، فإنه لم يتمكن من جمع الفرقاء تحت لواء الخلافة المنشودة، ولم يستطع أيضا تحقيق شروط كسب لقب الخليفة وأولها القبول العام من عامة المسلمين. ثم حاول الملك فاروق في أواخر حكمه أن يعيد الكرة، وينصب نفسه خليفة للمسلمين؛ لكنه لم يتمكن من ذلك أيضًا وظل ملكًا حتى يوم عزله.

لكن لماذا هذا الصراع الدائم على لقب الخلافة؟

لقب الخلافة هو اعتراف بسمو المنصب، فهو يستمد سلطته من انتسابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أن أي حاكم مسلم على وجه الأرض وفي أي بلد من بلاد المسلمين ليس أمامه سوى خيارين فقط، الأول أن ينضوي ويخضع لحكم الخليفة الأسمى، أو أن يرفض فيصبح خارجًا على جماعة المسلمين ويسقط حقه في الحكم ويجوز الخروج عليه وعزله. وهكذا يصبح من يمتلك لقب الخليفة رسميًّا هو الحاكم لكل بلاد المسلمين، حتى ولو كانت تبعد عنه بآلاف الأميال وشعوبها لا تعرف لغته ولا تجمعها به أي رابطة غير الدين.

إذًا السؤال هو: كيف يصبح شخصٌ أو حاكم ما خليفة عامًا للمسلمين؟

تنعقد الخلافة بحصول البيعة العامة (الموافقة الشعبية)، فمع تعدد سبل اختيار المرشح سواء بترشيحه من الخليفة السابق عليه أو اختيار نواب الناس له (أهل الحل والعقد)، إلا أن السبيل الوحيد للفوز بالسلطة هو البيعة العامة من الشعب أو الشعوب التي سيحكمها، وهي أن يوافق الناس بالإجماع النسبي أو الأغلبية المطلقة على هذا المرشح، حتى ولو لم يكن هناك غيره من المنافسين. فلو رشح نواب الشعب شخصًا ولم يترشح أحد أمامه فلن يفوز بها بالتزكية، بل لا بد أن يوافق عليه الشعب، وإذا رفضه الناس كان على النواب أن يبحثوا عن مرشح غيره ينال قبول الشعب.

ولا يمكن للخليفة أن يورث الخلافة لأحد سواء من أقاربه أو حزبه، مهما اعتقد في صلاح هذا الوريث، فاختيار الخليفة وقبوله عائد في النهاية للشعب فقط. فالشعب هو من يختار ممثليه الذين يختارون المرشحين، والشعب هو من يقبل ويوافق على هذا الاختيار أو يرفضه، وقراره نافذ على الجميع. هذه هي الطريقة التي تعرفها الشريعة للخلافة، وما غير ذلك فملك أو سلطان رئيس أو زعيم أو أي مسمى آخر، سواء جاء بانتخابات أو تنازل أو بثورة أو بالقوة أو حتى عن طريق نخبة متحكمة.

والخلاصة أن الدولة الأموية الأولى والثانية والدولة العباسية والدولة الأيوبية ودولة المماليك ومن بعدهم الدولة العثمانية ليست خلافة. وحكامها – سواء كانوا صالحين أم فاسدين – ليسوا بخلفاء بل هم من ملوك وأمراء وسلاطين من أصحاب  الجلالة والفخامة والمعالي والسمو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد