قامت الجامعة الإسلامية على أساس تحقيق عدة أهداف، كان من أهمها: الحفاظ على وجود الخلافة العثمانية، من خلال إعطاء المبرر لاستمراريتها، وريثًا للخلافة العباسية من ناحية، ولصدِّ الأخطار الداخلية والخارجية، الساعية إلى تفكيكها والانقضاض عليها من ناحية أخرى.

تُعدَّ الخلافة في الإسلام إحدى المنطلقات الأساسية لبناء وتصور الحقيقة السياسية. عرَّفها ابن خلدون بأنها: «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الدينية والدنيوية، والراجعة اليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به».[1] واعتبرها علي عبد الرازق من جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة، التي لا علاقة لها بالاعتقاد. [2] إلا أنَّ هناك من اعتبرها نظامًا سياسيًا بقدر ما هي نظام ديني.[3] وهذا ما نناقضه، إلا في حالة اقتران قيامها تحقيق نهضة المسلمين ووحدتهم، وإقامة العدل، وعدم احتكار السلطة، وتنفيذ أوامر الشرع، مع مراعاة ظروف الزمان والمكان، الذي نرى استحالة تحقيقه دون تجديد الخطاب الديني. فنرى الخلافة ليست ضرورة بحد ذاتها، وإنما المسوغ الذي تقوم من أجله، والذي قد يتحقق بأي شكل من اشكال أنظمة الحكم.

برزت أزمة الخلافة على إثر اختلاف المهاجرين والأنصار[4]، في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول ﷺ، حول أحقية كل منهم بها. ولقد  أشار المسعودي في كتابه «الشوكانية الوهابية» إلى إن الخلافة حينذاك قامت على العصبية والغلبة، لا على مبدأ الشورى.[5]

وذلك ما ذهب إليه أيضًا هشام جعيط الذي يرى أن موقف الأنصار أظهر «الخصوصية الانفصالية» القائمة على الثنائي القبلي (الأوس والخزرج)، والمستندة إلى معايير وأعراف الجاهلية القبلية. وهو الموقف الذي واجهه المهاجرون بتقديم قاعدة «الصحبة» معيارً لاختيار الأفضل.[6] وإذا ما افترضنا صحة ما ذُهب إليه فإن ذلك- كما نرى – يرجع للظروف التي أملت عليها المرحلة، ولقد طرأت بعد ذلك عدة تغييرات حول مفهوم الخلافة والطرق والأساليب التي تستند عليها، فقامت على (الشورى، والولاية وبيعة أهل الحل والعقد).

شهدت فترة خلافة (علي بن أبي طالب) العديد من الاضطرابات، التي أدت في النهاية إلى سقوط الخلافة الراشدة. [7] فظهر تنظيم سياسي محكوم بعاملين من عوامل عدم الاستقرار؛ أولهما، الفتح المعتمد على جمع القبائل، وثانيهما، منافسة الأسر المكية للأمويين، فنتج منهما تركّز السلطة على نحو متزايد في شخصية الخليفة، وابتداع وسائل إدارية جديدة لإحكام السيطرة على القبائل، فأصبحت الخلافة رمزًا لنوع جديد من التنظيم السياسي يدعى احيانًا بــ«التأميم». [8]

 سقطت الدولة الأموية نتيجة الخلاف مع معارضيها من بني هاشم وغيرهم، أعقبتها الدولة العباسية التي انقسمت لثلاثة أطوار: (القوة، والضعف، والانهيار). وكان من أهم ما عكس طورها الأخير ظهور العديد من القوى- أبرزها البويهية، والسلجوقية، والفاطمية – وانحسار سيطرتها حتى سقطت على يد المغول. وكان الوريث السياسي والعسكري والديني لها، هي الدولة العثمانية، التي كان من أهم ما ساعد في تثبيت حكمها (922-923هـ/ 1516-1517) اعتبار إمارتها «خلافة ضرورة»، وذلك بعد انتصارها على المماليك في موقعة الديوانية 923هـ/ 1517، التي تلاها احتفال بهيج في الازهر الشريف لإقامة مراسيم بيعة سليم الأول، الذي رغم اعتبار البعض له مغتصبًا للسلطة، إلا أن الخلافة استمرت،  [9] وتبلور لها معنى مختلف، وهو استمداد  الخليفة سلطته مباشرة من الله، لا كونه خليفة لرسوله ﷺ. [10]

 وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اقترنت نظرية الخلافة العثمانية بنظرية الجامعة الإسلامية مشروعًا سياسيًّا هدف إلى التفاف العالم الإسلامي بالسلطنة العثمانية، وذلك لمواجهة الاستعمار، ولإحياء الخلافة العثمانية وحمايتها من التمزق والتفكك، والتخلص من حالة الضعف والفوضى، [11] التي دبت في أوصال الدولة العثمانية منذ القرن الثامن عشر، والتي فقدت الدولة خلاله الكثير من مصداقيتها بعد انقلاب حزب الاتحاد والترقي، [12] الذي سيطر على تركيا فيما بعد، والمعادي للفكرة الإسلامية، منتهجًا سياسة التتريك. [13] وبالطبع لم تقف الدولة خالية الوفاض تمامًا أمام تلك الأوضاع، والتي أوحت بسقوطها، فخاض السلطان عبد الحميد الثاني معركته في الداخل مع القوى المتغربة، والتي كان أبرزها فؤاد باشا ومدحت باشا، المسيطرون على المواضع الأهم في الدولة. [14] ووقفت الدولة في وجه الاخطار الخارجية (بريطانيا وروسيا وفرنسا) المتوسعة على حساب ممتلكاتها، وبينما كانت تحاربها، كانت القوى المتغرّبة هي من تدفعها إلى هذه الحروب. [15] ومن ذلك تولدت فكرة الجامعة الإسلامية كحل لجميع الأوضاع، ولضعف مركز الخلافة نتيجة لضعف سلاطين آل عثمان، والرغبة بالنهوض بالدولة، وتحقيق وحدة المسلمين وتقدمهم. [16] إلى جانب رغبة السلطان عبد الحميد بإحلال فكرة الجامعة الإسلامية محل الجامعة العثمانية التي نادى بها مدحت وأنصار التنظيمات. [17]

ولتنفيذ فكرة الجامعة الإسلامية استغل السلطان عبد الحميد الثاني فكرة عالمية الإسلام ووظَّفها، [18] فقام بعدة إجراءات، منها استقطابه للطرق الصوفية لكسب ولائها للدولة، والدعوة إلى الجامعة الإسلامية، فاتخذ منها وسيلة للدعاية في العالم الإسلامي، ولقد تكونت منهم لجنة مركزية عمل أعضاؤها مستشارين للسلطان في شؤون الجامعة الإسلامية أبرزهم: (أحمد أسعد، وأبو الهدى الصيادي، ومحمد ظافر الطرابلسي)، ونشرت الدولة هيئات فرعية في كافة الأقاليم الخاضعة للجنة المركزية للجامعة الإسلامية «إستانبول» من أهمها التي كانت في مكة والتي اهتمت بنشر مفهوم الجامعة في موسم الحج، وأخرى في بغداد نشرت المفهوم بين أتباع الطريقة القدرية، الوافدين بكثرة من الشمال الأفريقي لزيارة الشيخ عبدالقادر الكيلاني. [19] واتخذ السلطان سياسية التقرُّب من العنصر العربي، فأعطى زعماءه الهدايا والأوسمة والمناصب الرفيعة في الدولة.[20] والتي عرَّبها وجعل اللغة العربية لغتها الرسمية، وأشرف على المدارس ووجّهها لخدمة الجامعة الإسلامية، وأنشأ مدرسة العشائر لتعليم وإعداد العشائر العربية، وجعل مقرها إستانبول باعتبارها مركز الخلافة، وأنشأ معهد تدريب الوعاظ والمرشدين، لإعداد الدعاة للإسلام والجامعة الإسلامية، وترى الباحثة أن الخطوة الأكثر أهمية قد تجسدت في بناء سكة الحديد في الحجاز، لإعلاء شأن الخلافة، ونشر فكرة الجامعة الإسلامية، عبر الربط بين أجزاء الدولة المتباعدة، والسيطرة الكاملة عليها، ولتسهيل الدفاع عنها من أي عدوان خارجي.[21] وانتهج السلطان أيضًا سياسة التودد والاستمالة للشخصيات ذات النفوذ في الاوساط الشعبية في مختلف البقاع، والتي شجعت فكرة الجامعة الإسلامية مثل مصطفى كامل في مصر. [22] وإلى جانب ما تقدّم قام بإجراءات لتدعيم فكرة الجامعة الإسلامية تمثلت في الاتي:

1. تخصيص الأموال الكبيرة لإصلاح الأماكن المقدسة، وإنشاء المكتبة العثمانية في المدينة المنورة.

2. مصاهرة العرب، حيث زوّج أميرتين من أسرته على شابين عربيين هما: الأمير عبد المجيد بن الشريف علي حيدر، والأمير صالح بك خير الدين التونسي.

3. الاستعانة بالمفكرين غير العرب، والاستفادة من حركاتهم الفكرية، منهم جمال الدين الافغاني.

4. المحافظة على ما تبقَّى للدولة من أقاليم بعد ضياع تونس ومصر، فامتنع عن التوقيع على اتفاقية تنظيم حرية المرور في قناة السويس وتأمين سلامتها 1887، وطالب بإدخال تعديلات عليها، وحقق من خلال هذه المعاهدة انفراد الدولة العثمانية بحق السيادة على مصر، باعتبار أن السلطان خليفة المسلمين هو المتزعم لحركة الجامعة الإسلامية.[23]

5. الاتجاه لإحياء الخلافة الإسلامية، وإقران اسمه بألقاب دينية، مثل: (أمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين)، وما أضفى على حياته الخاصة من مظاهر الزهد والتقشف، وممارسة الشعائر الدينية علنًا.[24]

وكانت مبادئ الجامعة الإسلامية الالتزام بحدود الشريعة الإسلامية، بديلًا للحلول الدستورية والإصلاحية، وحماية المسلمين من مطامع أوروبا الواضحة والمندفعة نحو الشرق.[25] ولقد حققت سياسته صدىً في أنحاء العالم كونها قدمت وسائل النقل والمواصلات للربط بين العالم الإسلامي، ونشرت الحركة الصحافية في مصر وتركيا والجزائر والهند وفارس وأواسط آسيا وإندونيسيا؛ والتي عالجت موضوع الاستعمار، وأطماع الدول الأوروبية في العالم الإسلامي. [26] وكان أول مؤتمر عقدته الجامعة الإسلامية في عام 1907 والذي أقامه إسماعيل جاسبرنسكي، وهو مسلم روسي، أسهم من قبل في ثلاثة مؤتمرات اقامتها روسيا بين سنتي (1905-1906).[27]

 أيَّد فكرة الجامعة الإسلامية ودعا إليها جمال الدين الأفغاني الأب الروحي والمنظر لها. [28] والذي ساند العلاقات العربية العثمانية ضمن حركة الجامعة الاسلامية في إطار «القومية العربية».[29] ومن دعوته إلى الجامعة دعا إلى التحرر السياسي الشامل، والإصلاح الجذري، والنهضة الفكرية الإسلامية، وقاد حملته ضد الحكام المسلمين الذين وقفوا في وجه الإصلاح، وانقادوا الاستعمار، ونتيجة لذلك شنت الصحافة الأوروبية حملة ضده، أما من تبنت اآراءه وجميع الآراء الإصلاحية فكانت مجلة «العروة الوثقى»[30]

 نادى الأفغاني بقيام حكومة إسلامية تقوم على دعامتين أساسيتين؛ وهما الحج إلى المسجد الحرام وجميع الأماكن المقدسة في الحجاز، والتمسك بالخلافة نظامًا دينيًّا وسياسيًّا، لذلك لم يعتل السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة إلا وقد تهيّأت فكرتا الجامعة الإسلامية، والقومية العربية التي تزعمها نصارى بلاد الشام.[31] ولقد اختلفت الآراء حول تحديد أغراض الافغاني من فكرة الجامعة الإسلامية، حيث يرى البعض أنه سعى إلى تحقيق أغراض ماسونية، واتهمه حسن صبري «مفتي الدولة العثمانية الرسمي» بالزندقة، وفي الواقع نرى أن ذلك موقف طبيعي تتخذه الدولة بعد أن أحسّت بخطر تهديد أفكاره عليها، وبالتالي نشكك في صحة هذا الرأي، وخاصة بعد أن فسر البعض بأن انتمائه للماسونية كان بدافع رغبته في إنقاذ المصريين من التدهور الذي سبّبه اختلال أمور بلدهم المالية، إلى جانب أنه لم يكتشف ارتباطها بالاستعمار إلا لاحقٕا، وهناك من رأى أنه سعى إلى استقلال الأقطار بشكل يؤدِّي إلى اتحاد كونفدرالي، ليصبح منصب الخليفة رمزيًّا، ومن ثمّ تجزئة البلاد الإسلامية وتحقيق مصلحة بريطانيا. [32] بينما ذهب رأى آخر إلى القول إن الانفتاح الثقافي للأفغاني على الشرق العربي كان هدفه الدعوة إلى قيام وحدة إسلامية، ومناهضة المصالح الاستعمارية، فالجامعة الإسلامية لم تعد محصورة في نزاع ديني صرف بين الشرق والغرب فحسب، بل أصبحت مواجهة في الجانب السياسي والاقتصادي والثقافي بين حضارتين وثقافتين مختلفة الأهداف والمقاصد، جاءت امتدادًا لسائر الحركات الدينية الإصلاحية، وما يميزها هو مطالبتها بتحرير العقل من علوم النقل، والأخذ بفكرة الأصالة والتجديد بدلًا من الجمود والتقليد، وكان لتواصل الأفغاني مع أهل الشرق ولقائه معهم أثر في تبنّيهم لمبادئ الجامعة الإسلامية. [33]

دعا إلى الجامعة الإسلامية أيضًا أبو الهدى الصيادي، والذي تبنى موقف الخلافة منها، وأيَّد العلاقات العربية العثمانية، وتصدّى لتيار التغريب في بلاد الشام، وقام بدور مهم جدًّا لحركة الجامعة الإسلامية، فكان من أنشط العاملين والدعاة لها، ولقد أيّدها بصورة تطابق وجهة نظر الخليفة عبد الحميد الثاني، [34] ولحظوته بمكانة عالية لدى السلطان عبد الحميد، والذي كان من أكبر ثقاته، فتقلد مشيخة المشايخ في دار الخلافة، وصار يلقب بمستشار الملك وسيد العرب. [35]

تعددت توجهات التيار الإصلاحي فظهر منه غير المؤيد لحركة الجامعة الإسلامية، ومثَّله العديد من الشخصيات، وهي كالتالي:

o عبد الرحمن الكواكبي: أيد الخلافة العربية وناهض فكرة الجامعة الإسلامية والعثمانيين، ودعا الى فصل الدين عن الدولة. [36] وأكّد أن نهضة الشرق لابد وان تكون بقيادة عربية «فالعرب هم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية، بل الكلمة الشرقية». [37] وذلك عن طريق العلم وبث الوعي بين أفراد المجتمع، ومحاربة جمود الفقهاء، ومن موقف تأييد القيادة العربية لتحقيق النهضة يظهر تأثره بسياسة الاستبداد التي مارسها السلطان عبد الحميد الثاني، [38] والذي كان لا يرى في سلاطين آل عثمان القدوة الحسنة للمسلمين، لأنهم وضعوا مصلحتهم فوق مصلحة الإسلام، واتسم موقفه من الجامعة الإسلامية والعلاقات العثمانية بالعداء. [39]

عبد الحميد الزهراوي: سار على خط عبد الرحمن الكواكبي في العمل ضد الدولة العثمانية، وتبنىّ الأفكار المعادية لها، ونهج نهجًا قوميًّا هاجم فيه فكرة الجامعة الإسلامية التي كانت وسيلة من وسائل التقريب بين العرب والعثمانيين، ولم يقتنع بفكرتها اتجاهًا فكريًّا تبنى عليه العلاقات العثمانية العربية، مع التسليم بالعلاقة القائمة من قبل بين العرب والعثمانيين على أساس الرابطة العثمانية، المعترفة لكلًّ منها بخصوصيتها، ومقوماتها الحضارية والتاريخية، والروابط المشتركة بين أبنائها، ودعا الى استقلال العرب ووحدتهم على أساس قومي. [40]

محمد رشيد رضا: أحد رجال التيار الإصلاحي العروبي، ومن المخلصين للدولة العثمانية، والذي انقلب عليها بعد ذلك، ومن مؤسسي «جمعية الشورى العثمانية» في نهاية القرن التاسع عشر في الأستانة، وحزب اللامركزية الإدارية العثمانية. [41] وجمع ما بين موقف الأفغاني «المؤيّد لفكرة الجامعة الإسلامية»، وبين موقف الكواكبي «المناهض للجامعة الإسلامية» وتبلور من ذلك توجه جديد وهو بناء العلاقات مع العثمانيين على أساس إسلامي، مع مراعاة دور العرب وتأكيد عروبتهم، ومساهمتهم المتميزة فيها. [42]

عبد القادر المغربي: سلك توجّهًا إسلاميًّا وعثمانيًّا في اتجاهه الإصلاحي، وأيد العلاقات العربية العثمانية، واقترب في موقفه من موقف جمال الدين الأفغاني، وحرص على قيام وحدة الدولة العثمانية على الرغم من ممارسات الاتحاديين العنصرية ضد العرب. [43]

رفيق العظم: نظر للجامعة على أنها أمر سياسي نظري لا وجود له على أرض الواقع، وفسر خوف أوروبا من خطرها المزعوم بأنها حجه للعدوان على العالم الإسلامي، ومع ذلك تبنى في البداية فكرتها ودافع عنها دفاعًا قويًّا، وألف كتابين هما:«الجامعة العثمانية والعصبية التركية»، و«الجامعة الإسلامية وأوروبا»، دعا من خلالهما إلى الجامعة الإسلامية، وضرورة إيجاد اتحاد بين رعايا الدولة العثمانية، والتفاف المسلمين حولها الدولة العثمانية، ومساندة سياستها في الجامعة الإسلامية، وفيهما اثني على دور السلطان عبد الحميد الثاني فيها وايده، إلا أنّه بعد ذلك غيّر موقفه وناهضها بسبب تأثره بمناوئي السلطان من الاتحاديين وغيرهم. [44]

ومع بداية الترويج لحركة الجامعة الإسلامية في الدوائر الحكومية، حجب بالتدريج اتجاه «العثمنة»، وصادفها بعض النجاح، خاصة وأن فترة السبعينيات شهدت موجة معاديه للغرب، واقترن ظهور الجامعة بمناهضة الدعوة الى علمنة التنظيمات والضغط الأوروبي على الدولة العثمانية والعالم الإسلامي، وساهم أيضًا بعض الإنجليز في إثارة حركة الجامعة باعتبارها أداة لمقاومة التوسع الروسي، وللحفاظ على ولاء الهنود المسلمين عن طريق إظهار المساندة للمسلمين العثمانيين وللسلطان الخليفة، كما ساهم فيها العرب التونسيون في وقت تعرضهم للضغط الفرنسي قبل إعلان الحماية، واستعملها العثمانيون ضد اتجاهات الخديوي إسماعيل الانفصالية في مصر، لذلك لم يكن السلطان عبد الحميد هو من أثار حركة الجامعة الإسلامية بل إنّه من أخذ فكرة وجدت قبولاً لدى شعبه، واستعملها لمقاومة أعدائه في الداخل والخارج، فدعا الى وحدة المسلمين المرتكزة على شخص الخليفة، ومن ثم قام بإحياء اللقب الذي لم يهتمّ به الكثير من أسلافه، واهتم بمظاهر الدين، واستعمل ميزانية الدولة ومخصصات السلطات لبناء مدارس تمكّن المسلمين من منافسة غيرهم.[45]

لذلك نستطيع تأكيد أنّه رغم اختلاف الآراء والاتجاهات حول الجامعة الإسلامية فإنها جسدت حقيقة أزمة النظام السياسي في إستانبول من جهة، والولايات العربية من جهة أخرى، عندما اختلت موازين القوى العسكرية بشكل ملحوظ لصالح دول الاستعمار التي تنافست للاستيلاء على ممتلكات الرجل المريض «المسألة الشرقية»، فعبَّرت الدعوة إليها عن التحديات الداخلية والخارجية، والرغبة في النهوض بشعوب المنطقة من حالة التخلف والإستبداد، وقامت الدعوة إليها على أساس ديني بعيدة عن العصبية القومية، لتحقيق الأثر المباشر في تنمية الوعي السياسي بواقع العالم الإسلامي، فتركّزت حركتها وبرامجها الإصلاحية حول ثلاثة موضوعات رئيسية؛ الدعوة إلى قيام جامعة إسلامية تشمل كافة دول العالم الإسلامي مع اختلاف الانتماءات والأجناس، وقيام الوحدة إسلامية تحت مظلة الخلافة العثمانية، والربط بين المسألة الشرقية وبين رسالة الجهاد، والذي قامت من أجله الدولة العثمانية.[46] إلا أن البحث في مسألة الخلافة من خلال حماس الأفغاني لتلك الفكرة، وتوظيف عبد الحميد لفكرة الجامعة الإسلامية أدّى إلى مزيد من الفرقة والانقسام بدلٕا من الاتحاد والائتلاف بين الأقطار الإسلامية وحكامها.[47]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد