هل كان بَعثُ الدولةِ الإسلامية من العدَم، في السنواتِ السابِقة، وظهورِها الفاجِع، مشهدًا على سوداويته، متوقعًا؟

إنني أزعمُ أن أيةَ محاولةٍ جادة لفَهم التاريخ والحاضِر، تَكمنُ في وعيّ الخلافة، ومسَائِلها وإشكالياتِها البُنيوية، فهي الرمزيّةُ التاريِخية لسيادةِ الدينِ على الدولة، فالخِلافةُ تعبيرُُ سلطوي سياسيّ، لكنهُ يحمّل رمزيةً دينية، خلفًا للنبي، أي أن يكونَ حارِسًا للشريِعة، فالخِلافةُ لم تكن في أساسِها مسؤوليةً مدنية فحسب، بل كانت أيضًا مسؤوليةً دينيّة. وهذا ما أورده الشافعي أن الإمامة أمرٌ ديني لا بد من إقامته، وقد روي عنه قوله: «كل قرشي غلب على الخلاف بالسيف، واجتمع عليه الناس فهو خليفة». أما هذا فليس اكتشافًا، بل نموذجًا.

لا عجبَ، فالفقيه كما يحدده الغزالي: «..الفقيه هو العالم بقانون السياسة، وطريق التوسط بين الخلق، إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيهُ، معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق، وضبطهم ليتنظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمري إنه متعلق بالدِّين أيضًا، ولكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والمُلك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس».

ومن هنا، ينتقلُ الدينُ إلى ظاهرةٍ سياسية تتطلبُ تشّربًا قانونيًا وسيادةً عسكريّة. بينما وقفَ مفكرونَ إسلاميون كالشيخ علي عبد الرازق في كتابه: (الإسلام وأصول الحكم) الصادر عام 1925، وقفةَ إنكارٍ ودحضٍ للخلافة كمفهوم ديني، ويذكرُ فيه أن الواقع المحسوس الذي يؤيدهُ العقل ويشهد به التاريخ أن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة.

بل قال: كانت الخلافة ولم تزل، نكبةً على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد.

بطبيعةِ الحال، لا أطرح الإشكاليّة في الإسلام السياسي كحركاتٍ صحوية وإحيائية وسلفيّة، فحسب، والتي استثمرت خصوبة التراث العربي والذاكرة العربية، المليئة بالجراحات لتُصورَ للجمهور إمكانيّة الخلاص، الطيف المتكامل من التطورات السياسية، في العالم العربي، وفِي أوقات ما بعد الاستعمار انزاحت مِرارًا نحو اليمين، ببصماتِ الديماجوجية الأيديولوجية، التي تُغذي في الحقيقة، نظرية «صِدام الحضارات».

يُمكن طَرح المسألة، في الحركات الأصولية لأي ديانة أو مجموعة عرقية، وقد قَدمتُ سلسلةَ مقالاتٍ عن الصعود الشعبوي اليميني، في العالم الغربي.

يمكننا ببساطة إلقاء النَّظر على الآية إرميا 48:10 صرخةُ الحَرب المفضلة للصلبيين: «ملعون من يعمل عمل الرب برخاء، وملعون من يمنع سيفه عن الدم».

وفِي (سفر التثنية 32: 41-43): «إذا سننتُ سيفي البارق وأمسكت بالقضاء يدي أرد نقمة على أجدادي وأجازي مبغضي. أسكر سهامي بدم ويأكل سيفي لحمًا. بدم القتلى والسبايا من رؤوس قواد العدو».

إن سفر يوشع غارق حتى ركبتيه في الدم، كما هو الحال في أسفار العهد القديم، إنها الأيديولوجيا المُتصلبة التي شَرحها إدموند بيرك بمقولته: «أخدش أية أيديولوجيا وسوف تجدُ تحتها إرهابيًا».

وبعد هذا كله نُصر على تصوير الإسلام الأيدولوجي، إرهابيًا، عندما نقرأ في سورة (التوبة: 29): «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتُوا الْكِتَاب حتى يُعْطُوا الجِزيَة عن يدٍ وَهُم صَاغِرُون».

هل نعيشُ صِدامًا أيديولوجيًا حقيقيا بين الإسلامِ الشرير والآخر المُطلق الخيِّر!

لا، على الإطلاق، في الواقِع يمكّنُ شيطنةُ أي دين، من خلالِ نصوصه المقدسّة، لكن أيضًا يوجد خطوطُ اختلاف، عند التطبيق، فمثلًا لا يُمكن في الدولةِ الإسلامية، التي لا يهدأُ الدعاةُ إليها، الفصل بين ما هو ديني وما هو مدني، على عكس المسيحية، التي لا تحتاجُ في تفسيراتهِا المختلفة إلى إضفاء صبغةٍ دينية على ما يتعلق بالدولة، ولأن الخلاص متعلقٌ بالمسيح، لا بالمسيحية، وهذا في (متى 22:21): «أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله».

وهو الوضعُ الذي ظّلت المسيحية عليه، حتى قيام الدولة البيزنطية باعتناق فكرةِ (الدولة المسيحية) عندما خَلَقَ شارلمان وخلفاءهُ، من العدم، الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وحولوا المسيحية إلى ثيوقراطية إقطاعية.

كما يقول برنارد لويس فإنه بينما كان القيصر في روما، هو الإله، وتعايشَ الرب مع القيصر في العالم المسيحي، كان الإله في الإسلام هو القيصر.

‏(B. Lewis-2003- p.6:7).

ثار النَّاسُ على المسيحية الحاكمة مِرارًا، تعرضت فيها الي هجماتٍ شرسة، وإصلاحاتٍ بنيوية، وحروبٍ طائفية، وتقسيماتٍ هائلة، يصعب بعدها تدارك ما فات، هذا كله ساهم في إبعاد الكنيسة عن السلطة.

ومن هنا تنبع الفروق بين ما هو ديني، وما هو علماني، طالما ظّل الدينُ محايدًا، فلا يُمكن تجريم الظاهِرة العقائدية، التي صُدّرت في الشاشات بعروضٍ من الاحتفاء بالبشاعة والحَرق والتدمير، لا يُمكن لأحد أن يُنكر أن صراع الحضارات انفجرَ مناقِضًا مسار العولمة، وانتصار الليبرالية، الذي جرى تصويره قبل 10 سنوات من أحداث سبتمبر (أيلول) المجنونة بـ«نهاية التاريخ».

هل يندفع الشارع في العالم العربي مع فكرة الخلافة؟

في الواقع، يجري تصوير جماعات الإسلام السياسي، كطوقٍ للنجاة، ولأنها تدافِعُ عن فكرةِ إقامة الشريعة، ويجدر بي أن أسترشِدَ دليلًا واضِحًا، أشار إليه الكاتب الصحافي توماس فريدمان، في 2006 بعد انتخاب الرئيس الإيراني المتشدد أحمدي نجاد: «حتى الآن، جاءت موجة الديمقراطية، التي ساعدت الولايات المتحدة (إدارة بوش) في إطلاقها منذ الحادي عشر من سبتمبر إلى السُلطةِ بالأصوليين المتشددين، في إيران والعراق وفلسطين، ومهدت لاستعراضٍ قياسي للإخوان المسلمين في مِصْر» بالطبع يأتي هذا قبل أحداثِ الربيع العربي، التي قدمت التيار الأصولي الإسلامي عبر الانتخاباتِ في تونس والسودان ومِصر، وعبر الثورات الشعبية والمسلحة في سوريا واليمن.

ستظّل الخِلافة هاجِسًا وقلبًا نابِضًا بالرجعية، لدى الأيديولوجيات التي تتحرك في عصور ما قبل الدول، وتتغذى على الهَدم والدمار، وخطاب الكراهية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الإسلام وأصول الحكم
الإمام الشافعي- الآراء السياسية
عرض التعليقات
تحميل المزيد