قرر النبي الهِجرة إلى يثرب وأقام فيها دولته الوليدة وأخذ يؤسس القواعد ويقيم شرع الله في مُجتمعه الجديد وأول ما بدأ به تأسيس كيان اجتماعي آخى فيه بين المهاجرين والأنصار، يعيشون كتفًا بكتف في ظل الدين الجديد وكان للغزوتين (بدر وأحد) أثرَ عظيم في توطيد تلك العلاقة فانتصار «بدر» كان تثبيتًا معنويًا ودليلًا على أن هذا الدين له شأن وتوكيدًا على رسالة النبي أما ما حدث في أحد فقد تَجَّلي فيه منهج الإسلام وانتصر رَغم فوز (قُريش) بالمعركة فقد خالف الرُماة أوامر القائد وذهبوا لحصد الغنائم ظنًا منهم بإنتهاء المعركة لصالح المُسلمين عدا قلة تمسكوا بأمر النبي ولم ينزلوا الجبل، فجمع «خالد بن الوليد» أشلاء جيش قُريش وكان حينها لم يعتنق الإسلام بعد وأعاد تنظيم الصفوف وأغار على الجبل وانقلبت الكفة وجُرح الرسول وكاد أن يُقتل لولا تجمع كِبار الصحابة حوله لحمايته.

لقد كانت لحظة عصيبة أعادت للأذهان يوم «بَدر» فلو قُتل الرسول وقتها لأنتهت الرسالة والإسلام في لحظة واحدة ومال عليهم جيش خالد ميلة واحدة وأنهي وجود المُسلمين ولكن مشيئة الله فوق كُل شيء.

هُنالك انهزم المُسلمون ولكن الإسلام إنتصر كمنهج، لأن انتصار المسلمون مع مُخالفة أمر النبي وعصيانه يُطيح بأي قول للرسول بعدها ويضيع بمكانته وهيبة الإسلام من القلوب ويُفرط عقد الدولة ويفككها عن بعضها وما كان أحد ليُطيع الرسول بعدها في قولٍ أو عملٍ قَط وحينها يُضحي المنافقون أصحاب الكلمة العُليا ويمسي للإسلام عدوًا جديدًا من أهله.

بعدها وافق النبي على الهدنة مع قريش رغم جفاء شروطها وجورها على المُسلمين ولكِنه كان يرمي لأبعد مما يرى الصَحابة فاستفاد من الهدوء مع قُريش ليعود فاتحًا لها بجيشٍ أوله على مشارف مكة وآخره في المدينة ودخلها دون دماء وأمن أهلها على أنفسهم بيومٍ أطلق عليه «المرحمة» فعلّم أصحابه العفو عند المقدرة رغم ما طالهم من أذى.

أسس النبي الدولة دون محاباة لأحد أو تفريق وأقام فيها الدين وأخذ من المسجد يباشر أمور دولته فقد كان هو أول من يتقدم الصفوف في الحرب وكان يستشير أصحابه في كل قرار يأخذه فعلمهم أسس السياسة رغم أنه كان مؤيدًا بالوحي من السماء فلو أخذ القرارات من نفسه لم يكن ليلقي من أصحابه معارضة أو ممانعة وترك للأمة القرآن والسنة ومبدأ الشورى ليكونوا الأساس الثابت. كان النبي هو من زرع المبدأ وقام الخلفاء الراشدون بنزع الشوك، تولى أبو بكر الخلافة بإجماع الصحابة، قابلته أزمة هددت الدولة آنذاك بزوال هيبتها فقد ارتدّ الكثير عن الإسلام إمّا لعبادة الأوثان أو من بقي على الإسلام ولكن امتنع عن الزكاة أو من ادّعى «مسيلمة الكذّاب» النبوة وحشد حوله عددًا ليس بالقليل ودارت معارك طاحنة بين تلك الفرق وبين جيش الدولة حتى إن فريقًا من المرتدين حاول غزو المدينة لكن الخليفة كان على استعداد للدفاع عنها وصد الهجوم وقاتلهم ثم أرسل إلى باقي المرتدين والممتنعين عن الزكاة الجيوش وقد قال حينها: «والله لو منعوني عقالًا (الحبل الذي يعقل به البعير) كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه» وحارب الردّة والممتنعين وكان خارجًا بنفسه للقضاء عليهم لولا أن أشار عليه عليّ بن طالب بالمكوث في المدينة خوفًا على أمور الدولة والمسلمين وانتصرت جيوشه في الأخير. بذلك يكون قد اقتلع الشوك الذي كان يهدد أساس الأمة ومن بعدها بدأت حركت الفتوحات.

رحل أبو بكر وتولى بعده عمر بن الخطاب مُرقّع الثوب، الحاكم العادل الآمن على نفسه والنائم بظل شجرة لا يُبالي بشيء، والمُقلق بأخبار جيوش المسلمين والفتوحات، وانبساط رقعة الدولة، والمسؤولية أمام الله وأحوال الرعية، يتحسس المدينة ليتفقد أحوال أهلها ويتحسس أطرافها علّه يغنم بخبر قادم عن أحوال جيوشه التي راحت تنشر الإسلام شرقًا وغربًا ويحرص على مصالح الدولة والمسلمين. كان مثالًا نموذجيًا بعد أبو بكر وكانت دولتهم مثالًا للدولة الإسلامية التي لازال المسلمون يبحثون عنها بعدما فارقوا الحياة واضطربت الأمور وثارت الفتن حتى مقتل الخليفة عثمان بن عفان وخلافة علي بن أبي طالب.

من شبه الجزيرة العربية تلك الصحراء التي نمت فيها دولة لم يلتفت إليها أحد أو يعيرها أدنى اهتمام لم يتوقع أحد أن تركع جيوش كسرى وهرقل لها وتهاجمهم في ديارهم حين قرروا الاعتداء عليها، زلزلت عرش فارس وتقضي على الوجود الروماني في مصر وإفريقية بأكملها وتنتشر حتى تبلغ أقصى انتشارها في عهد الدولة الأموية والعباسية من الصين شرقًا إلى الأندلس ومشارف فرنسا غربًا، كان تأسيس النبي واضح التأثير فأولئك الفاتحون الأوائل لم تفتنهم الدنيا ومضوا فاتحين للبلاد مجاهدين حتى يرزقوا بالشهادة أو النصر ومنهم المحاربون الذين تعدت أعمارهم السبعين وهم لازالوا يسعون في الجهاد ويبحثون عن الشهادة أمثال موسى بن نصير.

ما أحوجنا اليوم لدولة كدولة النبي والخلفاء الراشدين تلك الدولة التي تكررت كثيرًا على فترات في التاريخ الإسلامي بدءًا من الدولة الأموية انتهاءًا بالدولة العثمانية – هذا لا يعني مرور تلك الدول بفترات ضعف وبعد عن المنهج الصحيح – التي من بعدها لم تشرق شمس الدولة الإسلامية بعدها ولم تظهر من بعدهم دولة فيها تعريف الإسلام واضح لا يُسفك فيها الدماء عبثًا ولا يعتدى على أحد ظلمًا، تحفظ فيها الحقوق والأعراض، يقام فيها العدل بين الناس ويأمن الراعي والرعية على أنفسهم وأموالهم، تقوم على مبدأ الشورى ودولة المؤسسات لا دولة الفرد المُتفرّد بالسلطة والصواب والخطأ وحده، يكون فيها للمسلمين كلمة مسموعة بين الأمم وتعيد للإسلام هيبته التي ضاعت بين النزاعات الطائفية والتعصبات المذهبية، دولة لا تُحابي أعداءها ولا تقبل بالذل ولا تتهاون في أي من حقوقها وتكفل حقوق غير المسلمين فيها.

ذلك هو الإسلام الذي نرجوه، الذي جمع بين أبوبكر القُرشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي علي قلب رجل واحد. ذلك هو الإسلام الذي جعل صلاح الدين الكُردي ينهض ليحرر القُدس من الصليبيين ويتصدى لحملتهم الثالثة، هو الإسلام الذي جعل قطز يهب ليسحق التتار في عين جالوت، هو الإسلام الذي ربط بين الموريسكيين في الأندلس والعثمانيين في الطرف الآخر من أوروبا والمغاربة في الطرف الأقرب من إفريقيا، هو الإسلام الذي لا يُفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح. هو الإسلام الذي متى ما تم تطبيقه بمفهومه الصحيح صلحت الدولة وفاض الخير فيها كما فاض بيت المال في عهد «عمر بن عبدالعزيز» وغيره من الحُكام. وتقدمت العلوم والشاهد هنا العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في ظل الدولة العباسية والتقدم في الأندلس وإنشاء الجامعات والمستشفيات والمدارس الذي صدّر لنا علماء لازلنا ندين بعرفانهم إلى يومنا هذا كالحسن بن الهيثم وعباس بن فرناس وبن خلدون وجابر بن حيان وغيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النبوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد