كالعادة انتهى اعتصام الأساتذة بالقمع وتفريق المعتصمين بخراطيم المياه والدراجات النارية لرجال الأمن بمدينة البهجة واللا بهجة مراكش، أو «أمور ن واكوش» (أرض الله) كما يحلو للبعض تسميتها، رغم أنه لا شيء هناك يثبت أنها أرض لله.

مراكش مدينة لا تطؤها الملائكة، اسم مدينة في جهنم، ليلها أطول من نهارها وفي كل الفصول. حياة الليل فيها مغايرة تمامًا لحياة النهار. يجب أن تتمنى أن لا تجيئك المنية، وأنت بتلك المدينة، وإلا فإن فرص فلاحك وفوزك بالجنة تتقلص. مدينة كأنها مسلسل طويل صورت أجزاؤه في جنة، لكنها ستعرض في جحيم.

كنت رفقة أستاذين زميلين بعد فض الاعتصام. كنّا في طريق العودة إلى بيت أحد الأساتذة الذي تفضل ودعانا إلى قضاء الليلة في بيته بعد المطاردات المارطونية المتعبة، التي قد تنهيها دون شرفِ أن تُكسِّر هراوة القمع أحد أضلاعك، لكنك لن تضمن ذلك في المرة المقبلة في اعتصام آخر. لقد أضحى شرفًا يُفتحر به، أن تحطم عصا المخزن أحد أضلاعك تتباهى به أمام زملائك.

كان ضوء الأزقة خافتًا على غير عادة هذه المدينة والشارع مليئا ببرك المياه رغم أنها لم تمطر. بادر مراهق لفتح دردشة سريعة تمنيتها في ظروف أخرى غير تلك. مراهق بصفات ابن اسرة ميسورة، ولا علامة واحدة من العلامات التي تخلفها الأزقة الشعبية في الجباه والرؤوس، تبين أنه كان طفلًا شقيًا في صباه. أبدى الطفل، الذي أٌقدر أن عمره لم يكن ليتجاوز 16 سنة، أسفه الشديد تجاه العنف المفرط الذي ووجه به الأساتذة من طرف قوات القمع البوليسية. خمنت من خلال لهجته الدارجة التي كانت قريبة منها إلى الأمازيغية من الناحية التركيبية أنه ليس من أبناء المدينة. قال بدون مقدمات:

_ «أنتم تطالبون بالزيادة في الأجور وضمانها طوال الحياة، وتسعون إلى نشر الوعي والعلم».

بعد استطراده في الحديث تفاجأت بمدى إحاطته بكل ما يجري في الساحة، واستغربت، كيف لمراهق أن يكون على هذا القدر من الدراية بقضية الأساتذة ومطالبهم بينما أكاد أجن من محاولة إقناع بعض الأقارب بأننا فئة من الأساتذة سحقت حقوقها واستعبدت بعقود الشؤم والذل. أشار الطفل أيضًا إلى أن أساتذته عندما كان تلميذًا لم يكونوا يُضربون بكثرة ولا يحتجّون في الشوارع، ولا يكترثون كثيرا لأوضاع التلاميذ.

بعد أن أنهى سرده لبعض قصصه عندما كان تلميذًا، دعانا إلى أن نبيت معه في الحديقة التي يركن إليها ليلًا ليستريح، ليهرب من عالم النهار، الذي يثقل كواهل الرجال فما أدراك بمراهق بدأت توا زهرة عمره في الانفتاح. قال بصوت محسن يدعو غرباء إلى بيته:

_ يمكنكم المبيت إلى الصباح وفي أي ركن شئتم من الحديقة، سأتدبر أمر ما تفترشون به الأرض فـ«الكرتون» موجود وبوفرة في الحديقة.

تفرسنا ملامح وجهه، ظنناه مازحًا لا غير، لكنه ألح إلحاحًا، فإذا بما ضنناه مزاحًا أضحى عينًا للجد. اعتذرنا بلطف ولباقة وسرنا دون تعليق على ما جرى، فدعوة المراهق كانت كافية لتستفز جوارحنا وتأخذ عقولنا إلى الغرق في أفكارنا، ما احتاج إلى لحظة صمت موازية. دعوة كأنها عاصفة هوجاء ضربت شواطئ الفؤاد مخلفة هدوءًا ودمارًا وبعض غبار الحزن على حال الطفولة. نحن نملك القدرة على الاحتجاج، نستطيع أن نصرخ، أن نقول ليس دفاعًا عن حق مسلوب، لكن ماذا عن هذا المراهق والكثيرون أمثاله ممن يعيشون حياة التشرد. ثم ما معنى أن تكون متشردًا؟ لقد صادفت الكثرين منهم دون أن تمنح لي جوارحي فرصة التعاطف معهم أو مجرد التفكير في كيف يقضون لياليهم الباردة.

تمنيت لوهلة لو طال بنا الحديث أكثر، كنت لأطرح عليه عديد الأسئلة إلى أن يشك في أمري. قد يقول مخبر أو شرطي أو ربما قواد لأحد «البيدوفيلين» الذين يشتهون غلمانًا دنيوية غير مخلدة. نحن في مراكش، وكما يقول شيخ سكير يدَّعي أنه شارك مع جيش الاستعمار الفرنسي في حرب «لاندوشين»**:

«مراكش أرض كل الملذات».. فلا ألوم الطفل إن ظنٌ بي ذلك. مراكش أعادت إحياء حياة المجون، التي كانت بداية عصر انحطاط حضارة أمة، عاشها بعض سلاطين الدولة العباسية لما انتقلت الخلاعة والمجون إلى القصور فأمست ساحات للشرب وملاهي للرقص ومقاصف للهو. آلاف الجواري، وما ملكت الأيمان تزين القصور وتطرد منها الملائكة، بل إن من غرائب وعجائب الدولة العباسية ما أقبل عليه خليفة الدولة السادس ابن هارون الرشيد المسمى محمد الأمين، الخليفة الذي قاطع النساء والجواري ليبتاع الغلمان ويجعلهم لخلوته في الليل والنهار. كان متيما وعاشقا لهم إلى أن وقع في حب غلام وسيم يدعى «كوثر» فنظم فيه شعرًا، لمٌا لامه الناس عن تركه النظر في أمورهم قائلًا:

ما يريد الناس من صب بمن يهوى كئيب
ليس إن قيس خليًا قلبه مثل القلوب
كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي
أعجز الناس الذي يلحى محبا فحبيب.

جعلت أدير حديثًا بيني وبين نفسي مرة أخرى أطرح الأسئلة وأفكر في الصبي ودعوته لنا للمبيت في الحديقة. لقد سبق لي أن قضيت إحدى الليال نائمًا في العراء، لكنها كانت ليلة واحدة فقط. ليلة جهنمية ورمادية دكناء، كنت أتلذذ طوال الوقت بتذكر كيف كنت أنام مرتاحًا في فراشي الدافئ، وبعدها تلسع نسائم قارسة أطراف جسدي المكور فوق حصير رث كان فراش مسجد في العراء يصلي فيه العابرون. الله لا ينظر إلى ما تفترشون حين تصلون ولا إلى زخرفة أين تصلون، فأينما تُولُّوا فثمّ وجهه. الله موجود في كل مكان. موجود في الحديقة التي تمحو ليل الطفل لتمنحه يومًا آخر من حياة التشرد.

ما الذي جاء بك إلى هذه المدينة؟ هل تبيث في الشارع؟ كيف تقضي نهارك وليلك وأنت بعيد عن أحضان أسرتك الدافئة، بعيد عن طبخ أمك الشهي وفراش نومك المريح؟ هل لك أسرة؟ ما الذي جاء بك إلى هذه المدينة التي قد تضيع فيها طفولتك وبعدها حياتك؟

أسئلة كثيرة لم يسنح لها المقال ولا المقام في أن تسَطر لها أجوبة.

__________________________________________

** حرب لاندوشين أو حرب فيتنام (الهندوصينية) التي شنتها فرنسا دفاعًا عن وجودها الاستعماري في جنوب شرق آسيا بين سنتي 1940_ 1954 والتي شارك فيها العديد من الجنود المغاربة في صفوف جيش الاستعمار الفرنسي الذي جنّد ما يقارب 123 ألف جندي من شمال أفريقيا كان أغلبيتهم مغاربة. منهم من قضى خلال المواجهات ومنهم من تمرّد وهرب واندمج مع السكان المحليين وبدأ حياة جديدة بعيدًا عن الوطن، وآخرون استطاعوا العودة إلى وطنهم الأم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد