ما رأيكم لو نقلق قليلًا؟ قليلًا فقط، لكن بشكل إيجابي؟

أو فلأقل لكم: دعونا نجرب القلق كترويح عن النفس التي اعتادت متابعة الاستهتار والاستهزاء والاستخفاف المحيط بها مكرهة.

وقبل أن تذهبوا بفكركم أبعد مما أرمي، أخبركم أن القلق المقصود هنا ليس الوسواس، ولا التوتر، وليس شكلًا من أشكال الضغط النفسي، ولن يتطور إلى مرض نفسي، بل هو فعل مضاد لعدم الاكتراث، أو اللامبالاة، أو لنقل لليأس الذي استسلمت له النفوس فاستولى عليها. كما أنه – أي القلق – علامة على الاهتمام، والتطلع إلى الارتقاء، والحرص على احترام الأنا والآخر.

وقبل أن نبدأ لا بد أن نوضح الغرض من هذه الدعوة في هذا الزمان الذي نخبط فيه الوجه المعتم للقلق، والمليء بكل مولداته.

الغرض يكمن في كلمات قليلة؛ لأننا نعيش عهد الاستهتار والاستهزاء والاستخفاف بنا، ونعاصر أزلامه، فلا بد لنا من اتخاذ موقف، ولو كان أضعف الإيمان.

هل أدركتم ما أعني؟

عندما تطلع علينا الصحافة بمقالات مختوم عليها (للإيجار والتعويم)، فماذا يعني هذا؟ أليس استهتارًا بعقولنا؟

وعندما نتابع مواقف كتاب محسوبين من الكبار، لطالما طالبونا في رواياتهم التي لا تخلو منها مكتبة قارئ بالحفاظ على حريتنا ومبادئنا، ثم يفاجئوننا بأفكار عليها لصاقة للبيع والتسويق، فماذا يعني هذا؟ أليس استهزاءً بوجداننا؟

وعندما يقف سياسيون من العيار الثقيل، اعتدناهم فرسانًا على المنابر، ليستعرضوا علينا بمواقف ترفع لائحة (جاهز وتفصيل)، فماذا يعني هذا؟ أليس استخفافًا بآلامنا وآمالنا؟

كل هذا يعني أن هناك خللًا عند هؤلاء بين الشعور والفكر كما يقول بعض علماء النفس. وأضيف من تجربتي الشخصية أن هناك خللاً بالتأكيد، لكنه بين النظرة إلى الذات والنظرة إلى الآخر.

فأين القلق من كل هذا (العيّ)؟

القلق يكمن هنا.. عند تقاطع الاحترامين في نفوس أولئك.

لو كان الصحافي يعلم أن السلعة المؤجرة ترد إن لم تعجب؛ لاهتم بلزوم ما يقدم، ولوضع احترام عقول من يتابعه في الحسبان، ولانتبه إلى ما يطرح من أفكار ونقد.

ولو كان الروائي يقيم وزنًا لقرائه وصادقًا معهم، ولصورته أمامهم، لانتبه إلى عباراته، ولوازن طروحاته وسالف كتاباته، بدل أن ينتقل من ساحة الوجدان إلى أزقة اللغة؛ ليستقطر معاني وتعريفات ما أنزل الله بها من سلطان، غافلًا حتى عن أصول العرض. وكل هذا في سبيل تسويق سلعة من هواء.

ولو كان السياسي يهتم بمبدئية مواقفه وسلوكياته، قدر اهتمامه بموقعه ومصلحته، لما تبدل وتلوّن، ولضبط بوصلة رؤاه. وإلا فهو يثبت أن ماضيه كتب بقلم رصاص، فسهل على ممحاة اللامبالاة أن تزيله. وكثر هم من ينأون عن التعامل بمنتجات الاستخدام لمرة واحدة بعد تجربتها.

دعوتكم إلى القلق؛ لأننا يا سادة في عصر التلاشي بكل أشكاله، وليس هذا باكتشاف. إنه عصر الأفكار المعلّبة، والضمائر مسبقة الصنع، والقدوة المعدلة، يعني تيه أجيال في عتمة الاستهتار والاستهزاء والاستخفاف، على يد أمثال هؤلاء: الصحافي والروائي والسياسي.

لكن ما الذي أوصل هؤلاء وأمثالهم إلى هذا المقام المؤثر، حتى أوصلونا إلى هذا المآل المؤسف؟

إنهما رجل الدين والمعلم.

نعم هذان الاثنان هما المسؤولان عن كل هذا. على كاهليهما تقع مسؤولية بناء المنظومة الأخلاقية والنفسية عند المرء، أي بناء ركائز الشخصية، أو على الأقل هكذا يفترض بهما. وعندما ينتفي القلق عندهما، أي عندما تغيب المراجعة ويسهو الضمير عن الواجب، وتصبح الأحكام السلطانية أهم من الأوامر الربانية عند رجل الدين، ويصير المال أهم من الرسالة عند المعلم، فعندها سيكون مبررًا وجود الصحافي المعروض للإيجار و الروائي المعروض للبيع و السياسي الدوّار وأمثالهم بيننا.

فأين الرقابة والمحاسبة؟

من سخرية القدر أن الرقابة من مهام الصحافي، وأن التوثيق من وظائف الروائي، وأن المحاسبة من واجبات السياسي. أليس هذا شيئاً مقلقًا بحد ذاته؟

بلى هو مقلق جدًا، لكن هناك دائمًا هذه الـ(لكن) المخلّصة.

ما رأيكم أن نقلقهم نحن؟

ماذا لو ننقل الاحترام من ثوب رجل الدين ولحيته إلى أفكاره وعمله؟

ماذا لو نعيد المدرس إلى مرتبة المربي التي كان عليها بدلًا عن اعتباره موظفًا؟

ماذا لو نخضع الكتاب والصحافيين إلى امتحان في القواعد والإملاء، والانتماء؟

ماذا لو نعرض عن الشراء ممن يبيعنا الكلام المغشوش، كما نفعل مع من يبيعنا الطعام الفاسد؟

سنكون قد فتحنا عمل الشيطان، أليس كذلك؟ لا، لأن (لو ) هنا لا تعارض القدر، بل يتعلق بها فائدة في المستقبل للبشر. هذا ليس اجتهادًا فقهيًا مني، بل هو قول فقهاء أكابر.

بعد كل هذا، ألا يقلقكم حال أمة فكرها مؤجر، ووجدانها مرتهن، وأخلاقها تمثال من تمر؟

فلنبدأ بالقلق علنا نعدل المشاعر المختلة والسلوكيات المدمرة والأفكار المبتسرة، ولربما نتجاوز صدمة عصر الاستهتار والاستهزاء والاستخفاف. لنركز على إيجاد الحلول، كي نعيد ترميم الوعي الذي لازلنا نسمع به و لم نعرف كيفية العمل به بفضل أشكال ذلك المعلم ورجل الدين و الصحافي و الروائي و السياسي. شرط وحيد يتطلبه كل هذا: تنظيم الإرادات.

لذلك، علينا أن نقرر الآن:

هل نريد أن نصل إلى الوجه المضيء للقلق، كي نعيش الوجه المشرق للحياة؟

الدعوة مفتوحة دائمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد