يُعَدُّ فنُّ الخط العربي أحد أبرز الفنون المنبثقة من مشكاة الفنون الإسلامية، كالعمارة والخزف والفَخَّار والأرابيسك والزجاج المُعشَّق بالجصِّ والنقش والتطعيم على النحاس، وغيرها من الفنون الجميلة التي أثرى بها الفنَّانُ المسلم تراث الحضارة الإنسانية في مناحي الحياة كافَّةً منذ ظهور الإسلام في القرن السادس الميلادي وحتى اليوم.

وقد دأب فنَّانو الخطِّ العربي – عبر هذه الفترة المُمتدَّة لأكثر من ألفٍ وأربعمائة عامٍ – على بذل مجهوداتٍ عظيمةٍ من أجل الارتقاء والنهوض بهذا الفنِّ والوصول به إلى مكانةٍ عاليةٍ جعلته مُتميِّزًا ومُتفرِّدًا ويحتلُّ موقع الصدارة بين غيره من فنون الخطوط العالمية.

في هذا المقال نستعرض ستَّة عواملَ رئيسةٍ جعلت من فنِّ الخطِّ العربي فنًّا مُتميِّزًا وصنعت له تفوُّقًا وتفرُّدًا ومكانةً لا يُضاهيه فيها فنٌّ خطِّيٌّ آخر في حضارات الأمم السابقة والمُعاصِرة.

تدوين القرآن الكريم

قبل نزول القرآن الكريم لم يكن العرب يهتمُّون بالكتابة، بالرغم من تفوُّقهم في اللغة العربية نطقًا وإلقاءً وفصاحةً ونبوغهم في آدابها من شعرٍ ونحوٍ وبلاغةٍ، ولم يبدأ اهتمام العرب بالخطِّ العربي إلاَّ بعد نزول القرآن الكريم وتدوين آياته عن طريق كَتَبَة الوحي الذين دوَّنوا القرآن مُتفرِّقًا في عهد الرسول مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان عددهم ثلاثةً وأربعين كاتبًا على رأسهم الخلفاء الأربعة الراشدون، ثم ظهر أوَّل تجويدٍ للخطِّ العربي في أوَّل مصحفٍ مُجمَّعٍ «المصحف الإمام» والذي أمر الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان بجمعه على أكمل صيغةٍ في ستِّ نسخٍ وُزِّعَت على الأمصار كافَّة، وكُتِبَ بالرسم العثماني، والذي يُكتب به المصحف حتى يومنا هذا.

وقد حظي الخطُّ العربي بعد نزول القرآن بعنايةٍ خاصَّةٍ جعلت فنَّاني الخطِّ العربي يتعاملون مع هذا الفنِّ معاملة الاحترام والتقديس، بل واعتبروا تدوين القرآن الكريم «ترتيلًا صامتًا» له، ممَّا ساهم في حرصهم على ظهور الخطِّ في أبهى صورةٍ وأجمل شكلٍ، وساهم في إخلاصهم للتطوير والابتكار والإبداع في شكل الحرف العربي.

نموذج لآياتٍ من القرآن كُتِبت في القرون الهجرية الأولى

نموذج لآياتٍ من القرآن كُتِبت في القرون الهجرية الأولى

الفتوحات الإسلامية

ساهم توسُّع المسلمين في فتح البلدان خارج شبه الجزيرة العربية في انتشار الإسلام وبالتالي اللغة العربية بشِقَّيْها المنطوق والمكتوب، وكان لتمدُّد الحضارة الإسلامية من أقصى الشرق (الصين) مرورًا بالهند وبلاد جنوب شرق آسيا والعراق والشام وتركيا ومصر وشمال أفريقيا وبعض الدول الأفريقية والأوروبِّية وصولاً إلى أقصى الغرب (الأندلس) أثرٌ بالغٌ في تطوُّر فنِّ الخطِّ العربي وازدهاره، كما ساعد وجود حضاراتٍ قديمةٍ في تلك البقاع المفتوحة كحضارة بابل وآشور وسومر في العراق، والحضارة المصرية القديمة في مصر، وحضارة الهند القديمة؛ في وجود ذخيرةٍ ثقافيةٍ وبشريةٍ هائلةٍ ومُتنوِّعةٍ، ممَّا ساعد على ابتكار أشكالٍ جديدةٍ ومُتنوِّعةٍ للحرف العربي أدَّت إلى ظهور أنواعٍ جديدةٍ، منها ما هو بأسماء المدن والبلاد التي نشأت بها، كالخطِّ الفارسي (نسبةً إلى بلاد فارس)، والخطِّ الأندلسي (نسبةً إلى الأندلس)، أو سُمِّيت بأسماء البلاد التي انتشرت بها، كالخطِّ الكوفي (نسبةً إلى مدينة الكوفة بالعراق).

كما ساهمت الفتوحات الإسلامية في تحوُّل كثيرٍ من البلاد غير العربية التي دخلها الإسلام إلى كتابة لغتها بالحروف العربية، مثل اللغات التركية (حتى استبدل مصطفى كمال أتاتورك عام 1928 الأحرف اللاتينية بها) والأوردية والكشميرية والفارسية والأفغانية والكردية والنوبية والسواحيلية والأمهرية، ممَّا أدَّى إلى إضفاء ثقافة كل بلدٍ من هذه البلاد وشخصيتها على فنِّ الخطِّ العربي.

 

الخط العربي

لوحة باللغة الفارسية بأحرف عربية (الخط الفارسي) للخطَّاط الإيراني مير عماد الحسني (١٥٥٤ – ١٦١٥)

لوحة باللغة التركية بأحرف عربية (خط الثُلُث) للخطَّاط العثماني مصطفى عزَّت أفندي (1801 – 1876)

لوحة باللغة التركية بأحرف عربية (خط الثُلُث) للخطَّاط العثماني مصطفى عزَّت أفندي (1801 – 1876)

البسملة للخطاط الصيني الحاج نور الدين مي قوانج ميانج، ويظهر فيها تأثره بالكتابة الصينية

البسملة للخطاط الصيني الحاج نور الدين مي قوانج ميانج، ويظهر فيها تأثره بالكتابة الصينية

تحريم الإسلام رسم الأشخاص والحيوانات

قد يتعجَّب القارئ من أنَّ ذلك كان سببًا في ازدهار فنِّ الخطِّ العربي. لكن تحريم الإسلام رسم تماثيل الأشخاص والحيوانات وكل ما فيه رُوحٌ، حدا بالفنَّان المسلم إلى تفريغ طاقته الإبداعية في فنونٍ وميادين أخرى كان من أهمِّها فنُّ الخطِّ العربي الذي اتَّخذه الفنَّان المسلم مادَّةً للتصوير والتشكيل مُستغِلاًّ إمكانات الحروف العربية من رشاقةٍ ومرونةٍ وانسيابيةٍ لعمل لوحاتٍ وأعمالٍ غاية في الجمال والكمال، ممَّا خلَّف لنا كنوزًا هائلةً نراها في كتابة المصحف وعلى أستار الكعبة المُشرَّفة وعلى جدران المساجد وواجهاتها ومنابرها ومحاريبها وفي مداخل القصور وشواهد القبور وفي الأسبلة وفي الأواني والسجَّاد والسيوف والدروع وغيرها.

وقد طوَّع بعض فنَّاني الخطِّ العربي الجُمَل والآيات القرآنية في تصوير أشكالٍ كثيرةٍ كالنبات والحيوان والإنسان، فقام مَثَلاً بكتابة البسملة تارةً على هيئة طائرٍ، وتارةً أخرى على هيئة ثمرة كُمَّثْرَى، وقام بكتابة الشهادة تارةً على هيئة رجلٍ يُؤدِّي الصلاة في وضع التشهُّد، وتارةً أخرى على هيئة مسجدٍ ذي قبابٍ ومآذنَ، وسُمِّي هذا النوع بالكفتكاري أو «فنّ الرسم بالكلمات».

 

نموذج كتابة زخرفية بخط الثُلُث لبسملةٍ على هيئة طائر – كتبها الخطَّاط التركي مصطفى راقم عام 1223هـ

نموذج كتابة زخرفية بخط الثُلُث لبسملةٍ على هيئة طائر – كتبها الخطَّاط التركي مصطفى راقم عام 1223هـ

نموذج كتابة زخرفية بخط الثُلُث لبسملةٍ على هيئة ثمرة كمثرى – كتبها الخطَّاط التركي الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي عام 1343هـ

نموذج كتابة زخرفية بخط الثُلُث لبسملةٍ على هيئة ثمرة كمثرى – كتبها الخطَّاط التركي الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي عام 1343هـ

نموذج كتابة زخرفية بخط الثُلُث للشهادة على هيئة رجلٍ يصلي في وضع التشهد – كتبها الخطَّاط العراقي وليد مهدي عام 1390هـ

نموذج كتابة زخرفية بخط الثُلُث للشهادة على هيئة رجلٍ يصلي في وضع التشهد – كتبها الخطَّاط العراقي وليد مهدي عام 1390هـ

نموذج كتابة زخرفية بخط الكوفي الهندسي للشهادة على هيئة مسجدٍ ذي قبابٍ ومآذن  كتبها الخطَّاط العراقي ناجي زين الدين (1901 - 1986م)

نموذج كتابة زخرفية بخط الكوفي الهندسي للشهادة على هيئة مسجدٍ ذي قبابٍ ومآذن
كتبها الخطَّاط العراقي ناجي زين الدين (1901 – 1986م)

الخطَّاط الوزير مُحمَّد بن مُقلة

يُعتبر الخطَّاط – الوزير في العصر العبَّاسي ببغداد – مُحمَّد بن مُقلة (885 – 939م) أحد كبار الخطَّاطين الذين كان لهم عظيم الأثر في تطوير فنِّ الخطِّ العربي عبر العصور، وكانت له بصماتٌ واضحةٌ شكَّلت ثورةً في مسيرة تطوُّر هذا الفنِّ، حيث يعود الفضل إليه في هندسة الحروف العربية ووَضْع نِسبها الفاضلة وتقدير مقاييسها وأبعادها بمعيار النقاط (النقطة: هي سُمك القلم الذي يُكتب به)، واتَّخذ من الدائرة وحرف الألف أساسًا يُنسَب إليه رسم باقي الحروف، كما قام بتصفية المتشابه وتنقيحه من أنواع الخطوط التي كثُرت في القرن الثالث الهجري وقصر الأمر على أجملها وأوضحها، كما بلغ بخطَّي النسخ والثُّلُث مبلغ الكمال والإتقان.

صفحة من كتاب (رسالة ابن مقلة في صناعة الخط والقلم)

صفحة من كتاب (رسالة ابن مقلة في صناعة الخط والقلم)

العمارة الإسلامية

كان لازدهار العمارة الإسلامية أكبر الأثر في تطوُّر فنِّ الخطِّ العربي خاصَّةً خلال عهود الدولة الفاطمية، والدولة المملوكية، ثم الدولة العثمانية التي وصل فيها فنُّ الخطِّ العربي إلى قمَّة رونقه وكماله، فقد استغلَّ الفنَّان المسلم الكتابات العربية على شكل أشرطة كتابية لآياتٍ قرآنيةٍ في زخرفة الواجهات الداخلية والخارجية والأسقف والقباب والمحاريب للمساجد والعمارات والأسبلة والكتاتيب والخانقاوات، وكانت الكتابات العربية هي العنصر الأساس المُكوِّن لزخرفة العمائر الإسلامية إلى جانب الزخارف النباتية والزخارف الهندسية.

جزء من الأشرطة الكتابية بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة بخط الثُلُث للخطاط الفلسطيني عبد الله زهدي (1836 – 1879م)

جزء من الأشرطة الكتابية بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة بخط الثُلُث للخطاط الفلسطيني عبد الله زهدي (1836 – 1879م)

الأتراك العثمانيون

أسهم الأتراك العثمانيون بشكلٍ كبيرٍ في تطوير فنِّ الخطِّ العربي، ووصلوا به إلى درجةٍ من الإتقان والوضوح وخضوع الحرف لقواعد ومقاييس ثابتةٍ لكل نوعٍ من أنواع الخطوط العربية، وارتقوا بالخطِّ العربي إلى مكانةٍ مُتفرِّدةٍ بالقياس إلى غيرهم من الأمم الإسلامية حتى شاعت عنهم مقولة: «تنزَّل القرآن الكريم في مكَّة والمدينة، وقُرِئ في مصر، وكُتِبَ في إستانبول»، وكذلك مقولة: «لولا التُّرْك ما كان فنُّ الخطِّ الجميل».

وقد جعلوا من كل حرفٍ من الحروف العربية عملاً فنِّيًّا مُكتمِل الأركان، وقاموا بابتكار أنواعٍ جديدةٍ لم يكن للعرب عهدٌ بها، مثل الخطِّ الديواني وخطِّ التعليق (الفارسي) وخطِّ الرُّقعة.

لوحة بالخط الدَّيواني نَصُّها (ودانيةً عليهم ظلالها وذُلِّلَت قطوفها تذليلًا) للخطاط المصري مصطفى خضير البورسعيدي كتبها عام 1426هـ

لوحة بالخط الدَّيواني نَصُّها (ودانيةً عليهم ظلالها وذُلِّلَت قطوفها تذليلًا) للخطاط المصري مصطفى خضير البورسعيدي كتبها عام 1426هـ

051316_1629_12.jpg

حروف الهجاء العربية بخط الرُقعة من كتاب (أثر محمد عزت) للخطاط التركي محمد عزت (1842 – 1903م)

وقد حظي الخطُّ الجميل بتشجيع السلاطين والأمراء العثمانيين ورعايتهم، إلى درجة أنَّ عددًا غير قليلٍ منهم تعلَّم فنَّ الخطِّ العربي ووصلوا فيه إلى مرحلة الإتقان التامِّ، ولهم أعمالٌ فنِّيةٌ خطِّيةٌ تحمل توقيعاتهم، مثل السلطان بايزيد الثاني (1447 – 1512م) والسلطان مصطفى خان الثاني (1664 – 1704م) والسلطان محمود خان الثاني (1785 – 1839م) والسلطان عبد الحميد خان الثاني (1843 – 1910م) وغيرهم من السلاطين.

لوحة للبسملة بخطِّ الثُلُث كتبها السلطان العثماني محمود خان الثاني تحمل توقيعه

لوحة للبسملة بخطِّ الثُلُث كتبها السلطان العثماني محمود خان الثاني تحمل توقيعه

وقد قام السلاطين على مدار عهود الدولة العثمانية بتوقير القائمين على مجال الخطِّ العربي، وقاموا بتوفير الإمكانات اللازمة لرُقِيِّه، وإنشاء مدارس لتعليم وتحسين الخطِّ العربي لضمان انتقاله من جيلٍ إلى آخرَ، وللحفاظ على هذا الفنِّ من الاندثار، وكان للملك فؤاد الأول (1868 – 1936م) ملك مصر الفضل في إنشاء أوَّل مدرسةٍ للخطِّ العربي في مصر عام 1922م، عندما استدعى الشيخ مُحمَّد عبد العزيز الرفاعي لإنشائها وسُمِّيَت باسم «مدرسة تحسين الخطوط المَلَكِيَّة»، وتخرَّجت أوَّل دفعةٍ فيها عام 1925م، ليستمرَّ التوسُّع بعدها في إنشاء المدارس حتى وصلت في يومنا هذا إلى ما يقرب من 250 مدرسة في جميع محافظات مصر تقوم بتخريج آلاف الطلاب سنويًّا.

———————————————-

إسلام أحمد البكري

مهندس معماري، وباحث في الخط العربي

تخرج في كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 2002

حصل على دبلوم الخط العربي عام 1998

حصل على دبلوم التخصص والتذهيب عام 2000

مدرس بمدارس الخطوط العربية بالقاهرة منذ عام 2000 حتى عام 2011

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخط العربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد