الدعوة الربانية
في ذلك الزمان كانت المرأة المُنتقبة عندما تسير في الشارع، يقف الناس على ساق واحدة ويترجل راكبو السيارات وتخرج النساء من الشرفات ليشاهد الجميع هذه الظاهرة العجيبة.
حدث ذلك في منتصف الثمانينيات في القرن الماضي عندما قررت شقيقتي الكبرى وصويحباتها ذوات السبعة عشرة ربيعًا أن يرتدين النقاب بدون استئذان الأهل، وطبعًا لم يكن دويّ هذا الحدث مقتصرًا على بيوت أولئك المراهقات بل امتد إلى كل بيوت مدينتنا الساحلية الهادئة.
وتفاوتت ردود أفعال أولياء الأمور من مقاطعة وخصام وحبس بالمنزل إلى ضرب بالكرباج وتهديد بالحرمان من الدراسة وكنت رسولهن الذي يتراسلن من خلاله برسائل التثبيت والصمود، لم يتجاوز عمري وقتها العشرة أعوام ولم يكن يتطرق الشك لهذا الطفل الذي حفرت فيه هذه الحادثة معانٍ كثيرة.

 

لم يتراجعن عن قرارهن إلا بعد تفاوض مُضنٍ وحل وسط، وهو أن يخلعن النقاب مؤقتًا الآن وينتظرن حتى دخول الجامعة والوصول إلى مراحلها النهائية أو الزواج أيهما أقرب، وبالفعل ارتدين الخمار فقط واللثام الذي يُخفي نصف الوجه.

 

قبلها بعام ونصف كانت شقيقتي وصويحباتها متبرجات وسافرات الشعر كباقي الفتيات في ذلك الزمن وبدأ حجابهن بارتداء الطرحة ثم الخمار.

 

كانت وسائل الدعوة والتأثير وقتها لا تتجاوز الكُتيب الصغير وشريط الكاسيت الذي يتم نسخه منزليًا.

 

وأتساءل الآن: في ذلك الزمان البعيد كيف وصلت الدعوة لأولئك الفتيات الصغيرات وما الذي ملأ قلوبهن وعقولهن لكي يثبُتن في هذه المحنة الأكبر من أعمارهن بمراحل، ويوفين بعهدهن ويرتدين جميعًا النقاب حتى الآن (بغض النظر عن الخلاف الشرعي بالوجوب أو الاستحباب).

 

كانت الدعوة حينها فردية وقائمة على نشاط الفرد في محيطه، كانت الدعوة تنتقل من قلب إلى قلب وليس من لسان إلى أُذن.

 

وكان تعلم الدين في ذلك الحين بدروس المساجد على قلتها والمحاضن التربوية المختلفة على بدائيتها، كانت الدعوة قائمة على عقيدة الإيمان بالله الخالق القادر الذي يجب أن يُطاع، كان المدخل دائمًا أن المسلم لا يكتمل إسلامه إلا بالتسليم لأمر الله.

 

وكانت الجامعات أوسع الساحات للدعوة إلى الحجاب وإلى التدين حيث أن بها أكبر تكتل للشباب.

 

كانت مساجد الكليات وغرف المدن الجامعية محاضن تبث منها الدعوة وتنتشر من خلالها إلى نفوس الشباب.

 

باللوحة الورقية على الحائط وبخطبة من طالب في المدرج وبمنشور يوزع سرًا خوفًا من بطش الإدارة والحرس الجامعي كانت تتم الدعوة إلى الحجاب وإلى الفضائل من شباب التيار الإسلامي.

 

وبالرغم من أن ممارسة الدعوة كانت مغرمًا إلا أن المقبلين عليها يتزايدون بأعداد قليلة ولكن مطردة، ورويدًا رويدًا أصبح الحجاب هو الأصل وصار النقاب ظاهرة يألفها المجتمع.
نضوج الثمرة

 

في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية انتشرت مقولة أن الشاب يتسكع مع المتبرجة ويتزوج من المتحجبة وصارت كل من ارتدت الحجاب يُقال لها (ألف مبروك ما شاء الله عليكِ) وكانت ظاهرة أن البنت التي تتم خطبتها أو تتزوج ترتدي الحجاب تلقائيًا بناء على طلب زوجها (ربما كان نوعًا من إبداء الغيرة أو إظهار الرجولة).

 

وبالرغم من أن الدولة كانت تحارب الحجاب في أُطرها الرسمية بالتلفاز والصحافة ولم تكن تظهر أية مذيعة أمام الشاشة إلا وهي متبرجة ومن ارتدت الحجاب يتم إبعادها خلف الكاميرات كائنة من كانت ولعلنا نتذكر (ماما عفاف الهلاوي) مقدمة برنامج سينما الأطفال عندما ارتدت الحجاب تم إبعادها فورًا إلى عمل إداري.

 

إلا أن الحجاب أخذ في الانتشار بشكل انتصر فيه على قدرات الدولة وقدرات القوى العلمانية في وسائل الإعلام الذين كانوا يلمزون الحجاب ويتهكمون عليه كلما سنحت الفرصة.
الدعاة الجدد (والشكل البروتستانتي للدعوة)

 

في هذا التوقيت بدأ نجم الدعاة الجدد في البزوغ ولأول مرة نشاهد داعية حليقًا يرتدي البذلة والكرافت، ويتحدث بشكل جديد وبعامية بسيطة وبعيدًا عن الأطر التقليدية لرجال الدين وكان بالفعل يستمع لهم شرائح عديدة من المجتمع والأغلب يتأثر به، وكنت شخصيًا ممن يحشد الشباب لمحاضرات أحدهم ويوزع أشرطته، وتلقفتهم الفضائيات وجعلت منهم مادة جذب ويكثر في برامجهم الدعاية للمنتجات المختلفة، حيث أن برامجهم تحقق أعلى نسبة مشاهدة.

 

لم يتميزوا منفردين فقد كان يقف خلف كل نجم من هؤلاء فريق ضخم من المُعدّين والباحثين يقومون بمجهود مُضن لكي يلخصوا المادة التي يلقيها علينا النجم الداعية بأسلوبه الجذاب.
كانت الدعوة قائمة على المؤثرات (الكاميرا – الديكور – فريق الإعداد الجيد – اختيار الموضوعات الشيقة والعناوين الجذابة) بمعنى آخر الشكل غربي والمحتوى إسلامي، ولم نكن ندرك أن هذا هو الشكل الوعظي في الكنائس البروتستانتية.

 

واعتدنا أن يتخلل المحاضرة الوعظية لأحدهم فقرات إعلانية تظهر فيها النساء ترقص تسويقًا لمنتج ما، وبعدها مباشرة يظهر الوجه الباسم للنجم الداعية ليحدثنا عن الجنة والنار.
لم ننتبه وقتها بأننا نصنع رموزًا لشباب الأمة من لا شيء فلا رصيد من علم شرعي أو تجربة للجهاد والنضال.

 

لم ننتبه حينها إلى خلطهم بين التنمية البشرية وتطوير الذات والتي هدفها تغيير القناعات وتطوير القدرات، وبين الدعوة إلى الله التي يلزمها ويصاحبها دائمًا تزكية ومكابدة وتغيير جذري في حياة المدعو لتتمحور حياته حول إرضاء الخالق سبحانه.

 

وارتدت الفتيات الحجاب (غطاء الرأس) حتى وإن لم يكن حجابًا شرعيًا كنا نفرح بذلك ونقول خطوة على الطريق، فربما رأيت فتاة ترتدي ما يصف أو يشف وتضع المساحيق ولكنها تغطي رأسها ويُطلق عليها مُتحجبة.

 

كنا سعداء بكثرة المقبلين ولكننا لم نكن ندري أننا نجمع الغثاء الذي سينفض ويتلاشى مع أول محك يُختبر فيه.

 

وما نراه الآن من الفتيات اللواتي يخلعن الحجاب أفواجًا كما ارتدينه أفواجًا ما هو إلا قمة جبل الجليد والغاطس منه أساس مُهترئ لم يقم على الإيمان الحقيقي والدعوة الصافية التي ترسخ أن الحجاب طاعة وخلعه معصية للخالق سبحانه.

 

وأتساءل لماذا لا يتصدى أي (داعية لزج) من هؤلاء لتلك الحملات العلمانية الإعلامية التي تشوه العقيدة وتنكر ثوابت الدين، وتؤصل في عقول الفتيات أن الحجاب ليس فرضًا من الأساس، لماذا لا يشتبك أي من هؤلاء بأحاديثهم البراقة وأساليبهم الجذابة مع أولئك في أية مناظرة أو حتى رد مُتلفز، لماذا حديثهم منصب الآن على الموضوعات غير ذات الشوكة، وربما يظهرون على نفس الفضائيات التي تحارب التدين مظهرًا وجوهرًا.

 

إن المواقف الفاصلة في حياة الأمة عندما يؤثر فيها الداعية السلامة فإن حديثه بعد ذلك يكون مجرد قعقعة لا تحرك قلبًا ولا يأبه لها سامع.

 

الداعية الفرفور
(الفرفور) في اللهجة المصرية الدارجة تعني الشاب المائع المُدلل صغير السن رقيع الكلام.
وبعد دعوة الحاكم في مصر لتجديد الخطاب الديني أصبحت الشاشات تُصدّر لنا وجوهًا بعينها لتجدد لنا ديننا وكان أغلبها من الاتجاه المتصوف الذي ينأى بالمسلم عن تيار الحياة الهادر ومواجهة أزمة الأمة إلا أن ما استفزني لكتابة هذا المقال ما صدّرته لنا الشاشات أخيرًا من وجوه ينطبق عليها وصف (الفرفور) شكلًا ومضمونًا.

 

كلامهم قريب من كل شيء لكنه بعيد عن الوحي (القرآن والسنة) عقليات فارغة من العلم، وكلام أقل ما يوصف أنه فارغ المحتوى وكما قال أحد نشطاء الفيسبوك (تحطه على أي دين ينوّر).

 

يتم تصدير هؤلاء كدعاة إلى الدين، أي دين؟ لا أعرف، وبأية مؤهلات؟ لا أدري.
وأتساءل هل هذا الأمر عفوي أم مُخطط؟ هل تحطيم وتشويه الدين نفسه أصبح مطلبًا سياديًا لذلك النظام الحاكم الذي يظن أن الإسلام هو البنية التحتية لما يسمى بجماعات الإسلام السياسي وبناء عليه يعمل على تحطيم بنيتهم التحتية حتى لا تقوم لهم قائمة؟! لا أستطيع القطع بذلك وإن بدت شواهد له.

 

هل استضافة الملحدين في الفضائيات ومناظرتهم بشيوخ أزهريين ضعاف في طريقة تواصلهم وتوصيلهم للمعلومة غرضه إبراز الرأي والرأي الآخر أم أنه تسويق للإلحاد نفسه.
لا تقل لي أين الأزهر؟ فالأزهر – من وجهة نظري – سيظل مشكلة وليس حلًا، وعبئًا على الدعوة طالما أنه تابع للدولة وغير مستقل.

 

طريق الدعوات الصادقة
الداعية أشرف وظيفة على وجه الأرض فهو قائم بعمل الأنبياء – وهل كانت وظيفة الأنبياء إلا الدعوة إلى الله – وعلى مدار التاريخ كانت العواقب وخيمة في الدنيا على أصحاب الدعوات وأتباعهم.

 

“عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُه” رواه الترمذي.

 

وطبيعة دعوات الأنبياء أنه يتم معاداتها من الحكام ومن طبقات المجتمع التي تتمسك بالموروث الجاهلي.

 

فهذا ورقة بن نوفل في مطلع الرسالة يقول للرسول ليتني أكون حيًا عندما يُخرجك قومك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، رواه مسلم.

 

أمّا أن تتحول الدعوة إلى طريق للنجومية والشهرة المجتمعية و(سبوبة) إعلانات ودعاية لمنتجات فتلك ليست الدعوة إلى الله، هي شيء آخر ودعوة زائفة قد تُبهر لبعض الوقت ولكنها ستنطفئ وسينكشف زيفها وتتهاوى مخرجاتها في أول محنة وسينفض عنها الناس وأولهم الشباب كما نرى هذه الأيام.

 

وقريبًا ستخرج من هذه المحنة نخبة شبابية من العلماء والدعاة والقادة السياسيين والاجتماعيين يقودون الأمة في سبيلها للعز والتمكين.

 

قال جل شأنه في سورة الرعد: “كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال” صدق الله العظيم.

الداعية اللزج والداعية الفرفور

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد