مع كل موجة تصعيد تعلو يطرح سؤال فوري: لماذا في هذه الفترة بالذّات. فالانتخابات الإسرائيلية تدق أبواب مرشحيها، وأهم دعاية انتخابية لدى الشارع الإسرائيلي هو حجة الأمن والأمان. لذلك نجد تصعيدًا من وقتٍ لآخر كمحاولة زرع ثبات لدى الإسرائيليين بأن الحكومة الحالية تملك قوة ردع على كل جبهاتها.

ولكن ألم يحن الوقت لكي نبدأ بإيجاد حل آخر غير التصعيد؟ فلماذا لا يتم تجريب الحل الاقتصادي؟ فمن الواضح أن حركة حماس لن يتم إسكاتها إلا بفك الحصار كاملًا عن غزة، ويمكن للمجتمع الدولي اتخاذ قرار كهذا مع مراقبين دوليين مختارين من مجلس الأمن على كل تبعات فك الحصار.

وهذا الشيء يجب قبل البدء فيه إقناع الأذهن الإسرائيلية أن الهدوء مع غزة خصيصا لن يتم إلا بفك الحصار، وهذه أقوى قوة ردع في الوقت الحالي قبل دق طبول معركة يحاول الجانبين تجنبها في الوقت الراهن، وذلك لأن الأذهان الإسرائيلية، وأعني بها الشعب، هي أهم وسيلة قوة داخل «إسرائيل».

وعلى الجانب الآخر ومع الحياة السيئة التي تعيشها الأذهن الفلسطينية في غزة، فإنهم مستعدون لقبول أي قرار يفك الحصار المفروض عليهم منذ أكثر من 11 سنة، فنمط الحياة بشكل عام سيئ ومعدلات البطالة هي الأعلى ومعدلات الهجرة متزايدة بشكل خطير، خصوصًا مع بعض العقوبات المتزايدة من قبل السلطة الفلسطينية التي تريد بسط سيطرتها الكاملة على القطاع وتزمّت حركة حماس وتمسّكها بحقها الوجودي تحت كنف أي حكومة تتولى مسؤولية حكم قطاع غزة.

وهنا يتجلى للجميع أهمية وجود السلطة في أي اتفاقية تهدئة يتم الاتفاق عليها فهي أثبتت للجميع أن باستطاعتها تحسين الحياة الاقتصادية في غزة أو تدميرها.

كل هذا لن يتم إلا بوعودات ومجهودات إضافية تبذل عن طريق كافة الوساطات المشاركة في إيجاد صيغة تفاهمات تخدم أطراف الصراع الثلاثة (إسرائيل، وحماس، وفتح)، والأمر ليس محجوبًا عن الجميع أن مصر وميلادينوف وقطر يتصدرون المشهد أكثر من أي طرف آخر. خصوصًا مصر فهي ساهمت في الأشهر الأخيرة في منع تدهور الأوضاع الأمنية في غزة وإسرائيل بفضل جهوداتها التي بذلتها في كل مرة تدق فيها طبول المعركة، وبفضل محاولة التخفيف عن الشعب الغزّي بفتح المعبر بشكل دائم وإدخال شحنات بضائع عبر معبرها واستقبال وفود صناع القرار في حركة حماس ومشاوراتها الأمنية مع الجانب الإسرائيلي.

أهمية مصر تكمن في أنها بالأساس تبحث جاهدة عن حماية الدّاخل المصري من أي تهديد حدودي، فهناك قاعدة راسخة أن أمن غزة هو من أمن سيناء، وأيضًا فتعتبر مصر حاضنة عربية قديمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأخيرًا فإن الحكومة المصرية تريد تعزيز وجودها على الصعيد العالمي بإيجاد اتفاق تحت رعايتها؛ مما يعزز من أهمية الدولة المصرية عالميًّا.

الاتفاق الذي قد يحدث سيحقق مكاسب عدة للفلسطينين منها ضمانات عالمية بتسهيل حركة المسافرين والبدء بمشاريع اقتصادية توفر الكثير من فرص العمل، بالإضافة إلى توسيع مساحة الصيّد إلى أبعد حد متفق عليه، وربّما بناء ميناء بحري وهذا بحد ذاته يعد حلّا عظيمًا لجل مشاكل القطاع.

أما على الطرف الآخر الإسرائيلي فإن هذا الاتفاق سيعزز الهدوء على مستوطنات غلاف غزة، ويعزز الأمن إلى أبعد من ذلك، ويحجّم من استعمال السّلاح الموجه ضد إسرائيل، وسيوجد ضمان بخروج الأسرى المعتقلين في الحرب الأخيرة على قطاع غزة.

ننتهي من هذا كلّه بأن الحل الأمثل لكل هذا الصراع في هذه الفترة هو الهدوء، فعلى الحكومة الحاليّة بإسرائيل التفكير مليًّا في حل الهدوء وفك الحصار، بدلًا عن التورط بتصعيد عسكري يكلّف خسارة اقتصادية وسياسية وأمنية أكثر من حل الهدوء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد