تزخر منطقة ورقلة بالصحراء الجزائرية إلى جانب الثروات المعدنية الباطنية بجملة من الثروات الطبيعية ومن بينها ثروة تربية الأنعام والمواشي. وتتأتي تربية الإبل في مقدمتها نظرًا لما لاقته هذه الثروة الطبيعية من اهتمام كبير من أهالي الصحراء الذين يمارسون هذا النشاط الفلاحي بالوراثة أب عن جد منذ آلاف السنين، فيفوق مربي الإبل بصحراء ورقلة 300 مرب يتواجد أغلبهم بمنطقة حاسي مسعود ويكرسون حياتهم حفاظًا على هذه الثروة خوفًا عليها من الزوال.

    وقد جاء ذكر الأنعام في عدة مواضع في القرآن الكريم، ويطلق مصطلح الأنعام على الإبل، وتشمل أيضًا الأبقار والغنم إن شئنا استعمال هذا المصطلح موضع الإطلاق. وذكرت الإبل في القرآن الكريم مرتين في سورة الغاشية الآية رقم 17 بقوله تعالى: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ»، وفي سورة الأنعام الآية 114 بقوله تعالى: «وَمِنَ الإبل اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْن». كما ذكر البعير أربع مرات مرتين منها في سورة يوسف، ومرة في سورة الأعراف، ومرة في سورة المرسلات. وذكرت الناقة سبع مرات في القرآن الكريم. إن ذكر الإبل في القرآن الكريم بتسمياتها اللغوية المختلفة إنما جاء للتدّبر في فحوى الآية وإدراك قيمة هذه النعمة الربانية وقد جاء في سورة النحل آية: 66 إشارة لبعض فوائد الإبل «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ». وإلى زمن بعيد كان المربون وحدهم يدركون قيمة هذه الثروة الحيوانية، وقد جاءت الأبحاث الحديثة في مجال التغذية لتؤكد الفائدة الصحية والقيمة الغذائية لمنتجات الإبل، والتي يجهلها الكثير. وإن جئنا على تعدادها يمكن أن نتحدث عن لحمها وحلبيها وروثها وبولها.

لحــــــــم الإبــــــــل: يحتوي لحم الإبل على البروتين، والحديد، وفيتامين C، أكثر ممّا تحتوي لحوم البقر، والضأن على حدٍ سواء، كما يحتوي لحم الإبل على فيتامين E، والقليل من الدهون والكوليسترول، ويحتوي أيضًا على فيتامين D، وأملاح، ومعادن. ومن الجدير بالذكر أنّ لحم الإبل يكافح حموضة المعدة وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الجهاز التنفّسي كافّةً، ويقوي العضلات.

حليــــــب الإبــــــــــــل: لحليب الإبل الطازج الدور البالغ في تنظيف الجهاز الهضمي كما أنه غني بالبروتينات، ويحتوي على مواد قاتلة للجراثيم، وعلى تركيزات مرتفعة من بعض المركبات للبكتيريا، وبالتالي يعتبر عنصرًا أساسيًا في تحسين غذاء الإنسان كمًا ونوعًا؛ إذ يحتوي على الماء بنسبة 80-90%، والدهون، وسكر اللاكتوز، والمعادن، مثل الكالسيوم، والفسفور، والحديد، ونسبة أقل من الكوليسترول، مقارنة بحليب البقر بحولي 40%. كما يحتوي حليب الإبل على فيتامين G، فهو لا يقل جودة عن حليب الأبقار، إن لم يكن أفضل منه في بعض النواحي، وقد كان الغذاء الرئيس للإنسان العربي على مر الأزمان.

روث الإبـــــــل: لروث الإبل فوائد أخرى غير السماد، فان الإبل تساعد على انتعاش الكثير من البذور من خلال أكل الأعشاب الصحراوية المحملة بالبذور وداخل معدتها تجد هذه البذور المناخ الخصب للانتعاش، وتخرج عبر روثها مهيأة للنمو من جديد، وبذلك تساعد على توازن الغطاء النباتي في الصحراء، وتساهم في الحفاظ على النظام الإيكولوجي الصحراوي.

بـــــول الإبــــــــل: يختلف بول الإبل عن بول بقية الثدييات في محتوياته لذا كان العرب في السابق، وما يزالون حتى اليوم يستخدمون بول الإبل لعدة أمراض، وكان العرب في الماضي قبل وجود المطهرات الطبية يغسلون الجروح والقروح وينظفونها بأبوال الإبل. إضافة إلى ذلك فإنهم إذا أحسوا بخمول الجسم، أو بآلام في الأمعاء فإنهم يشربون من أبوال، وألبان الإبل، فيشفون من أمراضهم.

تؤكد لنا كل هذه الفوائد الغذائية أننا أمام ثروة حيوانية لا يستهان بها، لكن الذي يحدث أن هذه الثروة مهددة بالزوال بسبب تراجع مردود إنتاجها ويرجع ذلك لعدة عوامل نذكر منها:

ارتفاع تكلفة التربية الحديثة: وهذا راجع لسوء ظروف العناية بها وعدم توفر الدعم الكافي للمربين لاستمرار مشاريعهم؛ مما دفع البعض منهم إلى العزوف عن هذا النشاط الفلاحي في السنوات الأخيرة، خاصة صغار المربين الذين لا يملكون الخبرة الكافية في الميدان.

تعرض عدد من الإبل إلى الموت: بسبب حوادث الطرقات، سيما الطريق الوطني رقم 03 الذي يحصد سنويًا العشرات من الضحايا من الإبل بسبب ضعف الإنارة في الفترة الليلية خاصة، إضافة إلى وقوع بعض الإبل ضعيفة البنية ضحية بتعرضها للتهديد من طرف الذئاب والكلاب المشردة.

مخلفات الشركات البترولية: يعتبر المربون أن أكبر خطر يهدد ممتلكاتهم من الإبل والأنعام هو مخلفات الشركات البترولية من مواد كيميائية سامة، خاصة أن صحراء حاسي مسعود تعتبر أكبر مفرغة عشوائية لمخلفات المصانع والشركات البترولية؛ مما يجعل الإبل مهددة في مشربها، وفي محيطها المناخي بسبب الملوثات التي تخلفها شركات التنقيب وغيرها.

سرقات وتهديدات قطاع الطرق: ولأن صحراء حاسي مسعود بورقلة شاسعة فهي لا تخلو من قطاع الطرق الذين يسطون على ممتلكات المربين، ويسرقون إبلهم لأهداف تجارية، ولاستعمالها في عمليات التهريب إلى دول أفريقية الجنوبية.

إن واقع الحال يؤكد حاجة المربون للدعم في مجال تطوير مهاراتهم باستعمال آليات ووسائل حديثة تسهل عليهم تتبع أنعامهم والعناية بها كاستعمال الشريط المضيء على رقاب إبلهم، أو أساور الأرجل حفاظًا عليها من الضياع من جهة، وحماية لها من الحوادث من جهة أخرى حين خروجها للطرق المعبدة أثناء الترحال والبحث عن الكلاء.

ويتطلع المربون إلى التفات الجهات المعنية لهذه الثروة وتقديم الدعم اللازم لهم للحفاظ على هذا الموروث الحيواني كثروة طبيعية وطنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد