إن «كامب ديفيد» هي إحدى ركائز المأساة، التي تتسم بالفساد، كعنصر أساسي في مصر، بل حجر الأساس للحرب العصرية على وطننا الحبيب، إلى جانب الانفتاح، من إضرار بالاقتصاد، وتخريبه بتجارة العملة، وتخفيض قيمة العملة الوطنية أمام عملات القوى الغربية، وتهريب وتجارة المخدرات بأنواعها، وتغييب عقول الأجيال بتعليم غير كفء أولًا «تعليم التلقين».

ثم بإعلام موجه ومسيس من رجال أعمال قد اكتنزوا ثرواتهم من مصالح خارجية، أو من استغلال مناصب، أو صفقات مشبوهة، وغير ذلك من أشكال الفساد، أو استغلال مناصب سيادية بأجهزة الدولة، ومؤسساتها؛ للتربح والفساد، أو لمصالح شخصية.

وكل ذلك، وغيره يصب في بوتقة التطبيع الاقتصادي والسياسي؛ فكما هو معلوم تاريخيًا، منذ قامت «ثورة يوليو»، والتي كان «السادات» أحد «الضباط الأحرار»،  المشاركين في أولى خطوات مسارها، واستمر تدرجه في المناصب، إلى أن أصبح نائب الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر»، وبهذا الوقت كانت سياسة مصر الخارجية تتسم بالموضوعية، حتى مع أمريكا، الحليف الاستراتيجي والعسكري لإسرائيل، حتى هزيمة 67؛ لأن الهدف الأساسي كان مصلحة الدولة المصرية،  والتي اكتسبت سيادة واحترام العالم كله، ومن إسرائيل، قبل غيرها، كعدو لها!

حين بدأ عهد السادات كان مضطرًا لاستكمال ما بدأه الرئيس «جمال عبد الناصر»، وهو خيار الحرب، فلم يكن السلام مطروحًا، ولم يأت دور السياسة بعد؛ فالحرب كانت ضرورة لمصر، وورقة ضغط  للسادات، لا أكثر، والدليل على هذا: أنه، وعلى الرغم من النتائج المحققة بمعركة  73، ورغم الدعم العربي والروسي، إلا أنه مع أول انتصار، والذي تمثل في العبور، أرسل مخاطبًا أمريكا؛ لبدء المفاوضات، وما هو ـ في رأيه ـ سلام، وظنًا منه أنه قادر على تحقيق نتائج أفضل بالمفاوضات السياسية، وبوجود الانتصار الجزئي هذا، إلا أن الواقع كان تعادلًا بين «السادات» و«بيجن»؛ عند ذهابهما لواشنطن، كان الاثنان لديهما نفس ورقة الضغط  بانتصار بالمعركة، بل إن بيجن كانت فرصته لكسب تلك المفاوضات أفضل؛ إذ خرج  السادات بسيناء وحدها، وخرج بيجن بكل أراضي  67، بل حتي سيناء ـ ظاهريًا ـ هي أرض مصرية، وواقعيًا لا تمتلك مصر السلطة إلى اليوم، بل حتى بعد رحيل نظام «مبارك»، وثورة «25 يناير» المجيدة، وموجتها في «30/6» لا يمكن أن  نستفيد منها، وعمرانها، وتكثيف التواجد العسكري المصري بها، ويرجع هذا إلي معاهدة «كامب ديفيد»، وإذا نظرنا نظرة موضوعية لجوهر المعاهدة؛ لنبحث عن ما حققته لوطننا الحبيب، بعد أربع حروب،  نجد أنها جعلت مصر أولًا تخسر التضامن العربي؛ لتصبح القومية العربيه عنوانًا لا مضمون له، قولًا لا فعلًا؛ فهي ترغمنا على الاعتراف بالكيان الصهيوني، كدولة لها كامل الحقوق  في التعامل مع دولتنا، «جمهورية مصر العربية»، التي اكتسبت احترامًا وسيادةً على الوطن العربي، قبل المعاهدة، ومن هنا اكتسبت الريادة، فكان لنا الفضل في استقلال أوطان عربية، كـ«الجزائر»، وكانت الوحدة العربية ـ حقيقة ـ لم تكتمل كمشروع، اتخذت المعاهدة ميثاق الأمم المتحدة وسيلة وذريعة؛ لتصبح المعاهدة مقنعة للجميع بأنها معاهدة سلام، حريصة على تحقيق السلام بالمنطقة، ولكن الحقيقة أنها معاهدة مقنعة بقناع السلام والإنسانية، وأنها حريصة على الإنسان العربي والمصري، كحرصها على الإنسان الإسرائيلي، ولست أقول اليهودي؛ فالأديان جميعا دعت للسلام، قبل المعاهدة، وقبل قيام ما تسمى دولة إسرائيل، وحرصت على احترام الإنسان، وحقوقه، وحرياته، ونبذت العنف  بكل أشكاله، ولكن  المصريين والعرب، منذ وقعت تلك المعاهدة المشئومة، يتساءلون:  أي سلام تتحدث عنه المعاهدة؟ سلام الحق، أم السلام الذي ارتضاه الساسة بمصر وإسرائيل، تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية، التي هى حليف، بل أكثر من حليف، لإسرائيل، وعلى مرأي ومسمع من العالم أجمع، وللمفارقة، أمريكا أصبحت ولايات متحدة، دولة موحدة قوية، بعد عصور ومراحل مختلفة من الصراعات، بكل أشكالها، منذ نشأتها، والعرب لم يتحدوا، إلا لوقت قصير، ثم افترقوا!

إن العالم الغربي، ممثلًا في «بريطانيا» و«فرنسا»، ثم «الولايات المتحدة» تحديدًا، راعي الصهيونية، ومؤسس دولة إسرائيل، يدعي أنه راعي السلام، والحرية، والديمقراطية، ومن تحت تلك المظلة يحقق أطماعه الاحتكارية، الانتهازية، ففي الماضي البعيد،  كان الصراع دفاعًا عن الصليب، واضطهاد المسيحيين، بفلسطين «أورشليم»، والأمر ليس إلا طمعًا في خيرات الشرق، ومستعمراته.

وفي الماضي القريب، أغارت أمريكا على العراق؛ بحجة الإرهاب، وهؤلاء أحفاد هؤلاء، وللمفارقة دمرت الكنائس والجوامع، في كلا الصراعين، مع تطور الحضارات والتفكير؛ فإنسان «القرن الحادي والعشرين» ليس ـ ذاته ـ إنسان تلك الفترة التي أتت بها الحملات الاستعمارية الصليبية؛ فالله لا يرضى بسفك الدماء، والقتل، والنهب، باسمه.

كما لايرضى باتخاذ الدين مطيةً لأي غرض، ليس فقط الديانات السماوية، بل غير السماوية أيضًا، نبذت القتل والعنف، ودعت إلى الحريه والسلام، دمر أجداد هذا المعسكر الغربي الانتهازى الاستعماري كل  تراث وقيمة للوطن العراقي، ولكل مدينة أو دولة عربية «شرق أوسطية، وكذلك فعل الأحفاد، وخاصة بفلسطين؛ إذ كانت الأكثر تعرضًا لاستعماريين، مرارًا وتكرارًا، حتى أتى الصهاينة غير اليهود؛ ليقيموا كيانهم، عندما نتأمل هؤلاء الانتهازيين في الحرب أو السلام لا نجد فيهم خيرًا لبلادنا وأوطاننا العربية الشرق أوسطية؛ فهم ليسوا أمة واحدة أو ديانة واحدة، أو لغة واحدة، بل فقط توحدوا على «الصهينة» العسكرية والسياسية والاقتصاديه، ليس غير ذلك، والتاريخ يشهد على شهداء الإنسانية ضحايا أطماعهم.

كانت أمريكا، الحليف أو الراعي لإسرائيل، حريصة على تهميش القضية الفلسطينية شيئًا فشيئًا، وقد جنت ثماره اليوم، كما نري، أصبحت فلسطين فعليًا دولة على الورق، حتى في مساحتها الفعلية اليوم، نري عدوانًا مستمرًا، وأصبح العرب يتصارعون؛ لأسباب مختلقة، كما نرى بـ«اليمن وسوريا وليبيا»، ولم تعد القضية الفلسطينية الهدف الأساسي، ليس ـ فقط ـ للأنظمه العربية.

بل أصبحت الشعوب هي أيضا بعيدة كل البعد عن القضية؛ فآخر ما قد يفعله أي عربي هو متابعة القضية من أخبار التلفاز، لا أكثر، كما رأينا في العدوان على غزة 2008/2014 و2006، وغير ذلك، من جرائم حرب، وانتهاك لحقوق الإنسان من بني صهيون، فهم أسوأ من أجدادهم من بني إسرائيل.

وبما أن المعاهدة قد بنيت بنودها على المادة 133/ 2 من ميثاق الأمم المتحدة، وقراري مجلس الأمن 242/338، وبالتالي كان لابد من حيادية المعاهدة ببنودها لكل أطراف النزاع لأراضي 67، ولكن المعاهدة جعلت قضية فلسطين، ونزاع أراضي 67 مفاوضات مقسمة على ثلاث مراحل.

وبالطبع كان معلومًا، لكافة الأطراف، طبيعة ومسار تلك المفاوضات، وخاصة بيجن والسادات؛ كممثلين عن مصر وإسرائيل، بل الأسوأ من ذلك، أن الدول التي رفضت أن تستبدل السياسة والمفاوضات بالحرب، كما فعل السادات، وأبرزها «سوريا»، وقد أخذت منها «الجولان وفلسطين والأردن»، فقد أصبح السادات يفاوض بدلًا عنه، فخسر المعركة السياسية والتفاوض على أراضي 67، وزاد تعنت بيجن، وتمسكه بالمكاسب.

و نلاحظ أن المعاهدة ركزت على تقسيم فلسطين، ولم تعاملها كدولة واحدة، على العكس من إسرائيل؛ فقد ألزمت مصر، قبل غيرها، بالاعتراف بإسرائيل، كدولة واحدة، وتلك من أولى خطوات تهميش القضية، بل أساسها، وترسيخ فكرة أن إسرائيل دولة فعلية، وعلى الجميع التعامل معها كواقع فعلي.

أجبرت المعاهدة مصر على ما يسمى بـ«التطبيع»، أي التعامل مع الدولة المعادية، كأي دولة صديقة، في كافة المجالات، دبلوماسيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وفي كافة الاتجاهات التجارية والزراعية والصناعية، وغير ذلك مما ينهض باقتصاد أي دوله، بل جعلت الولايات المتحدة شريكًا أساسيًا في المفاوضات، على الرغم من عدم حياديتها، وموضوعيتها، ولم تجعل الأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون بدلًا منها، من ضمن المفاوضات، بل شريكًا أساسيًا ييسر لإسرائيل سرعة إتمامها بالشكل الذي تريده.

وضعت المعاهدة قيودًا على سيادة الدولة المصرية في المنطقة العربية؛ فمنعتها من التدخل العسكري؛ لإغاثة أية دوله عربية، وبأي شكل، ولو بالدعم الاقتصادي، فجاء اجتياح «لبنان» بعد المعاهدة بفارق زمني بسيط، وحجمت سيادتها العسكرية والسياسية مما افقدها دورها الريادي، وجعل دولًا، كالمملكة العربية السعودية، وحكامها، يتوهمون أنهم قادرون على سلب مصر ريادتها وأخذ مكانتها، فعملوا على هذا الأساس منذ 2011، ومع بداية وتتابع ثورات الربيع العربي.

العلاقات المصرية الإفريقية المهمشة والمهملة، جاءت على أثر الوضع المصري، بعد المعاهدة، منذ بدأ عهد السادات، وما تبعه من أنظمة، كان له فيها أثر ورد فعل من دول، كأثيوبيا، ومشكلة «سد النهضة» التي ظهرت مؤخرًا من جهة، واستغلال إسرائيل للأمر، بل على مدار أكثر من ثلاثين عامًا نجحت إسرائيل في تحقيق انتصار سياسي واقتصادي؛ بمحاصرة وتخريب الاقتصاد المصري والعملة، كما ذكرت بادىء الأمر.

هذا إضافة إلى قيام إسرائيل بإقامة مشاريع اقتصادية واستثمارية في مصر، وبالطبع عن طريق رجال أعمال مصريين، منعدمي الوطنية والهوية المصرية العربية؛ فالمعاهدة ليست مجرد بنود، وقِّعت من رؤساء دول أو أنظمة، بل هي واقع فرض على مصر والعرب بالقوة السياسية المدعمة بالقوة العسكرية «الصهيو ـ أمريكية»، كما فرضت بريطانيا العظمى، كما يعلم الجميع، الوجود الصهيوني الإسرائيلي.

لم تؤثر كامب ديفيد سلبًا على مصر والدول العربية فقط، خاصة تلك التي لها نزاعات على أراضي 67، بل أثرت ـ أيضًا ـ سلبًا على قوى عظمى، كقوة دول عدم الانحياز؛ فالرئيس «اليوغوسلافي» الأسبق «تيتو» رفض تكرار التجربة المصرية الفاشلة بـ«كامب ديفيد»، بل أوضح  لـ«بطرس غالي» أن المعاهدة ستضعف قوة عدم الانحياز، وأنها لا تفيد مصر؛ إذ انعدم تساوي، وتكافؤ القوتين، المصرية والإسرائيلية، وبالتالي زادت القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية لمعسكر الغرب، المتمثل في «الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وألمانيا»، ولم يعد في العالم قوى اتحادية عظمية غيرهم.

هناك جانب يجب أن نلمسه، وكان له أثر أساسي في انتهاء المعاهدة على هذا النحو، وهو المفارقة بين موقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والرئيس الراحل محمد أنور السادات؛ حين قدم لهم العرض ذاته، مع اختلاف الشكل، والأسلوب، فبعد هزيمة 67 عرضت إسرائيل سيناء مقابل نفس مطالبها إبان مفاوضات كامب ديفيد، وهي التخلي عن التضامن العربي، والقضية الفلسطينية بالطبع، وحرية الملاحة بقناة السويس، ولكن الفارق أن جمال عبد الناصر، لم يكن ليوقع على تقييد حريته، واختياره لدعم أي من جيرانه، أو يعيد علاقات مع حليف عدوه، بشكل كامل، وطبيعي، أو يقبل صلحًا مقنعًا بالسلام مع عدوه على هذا الشكل.

ولست أدافع عن شخص ما؛ ولكن، وكما ذكرت، هي محاولة؛ للوصول إلى جوهر الموضوعية العميق لكامب ديفيد، والتي هي والانفتاح أساس تراكم الفساد الامتناهي، وما وطننا الحبيب عليه الآن من أوضاع رخوة، وتراجع في كافة المجالات، من يوم لآخر، ومن سيئ لأسوأ، بداية من سيادة مصر وريادتها في المنطقة، وعلاقاتها الخارجية، ومن ثم الشأن الداخلي المعروف خارجيًا، ويعيشه المصريون، والسؤال المطروح: ماذا كان في عقل السادات، حين كان يفكر في المفاوضات من وجهة نظره كرئيس؟

ورغم كل ما قيل من آراء مختلفة، بداية من أعضاء وفده، واتفق الجميع على تعنته وتجاهله، لكل من حوله، إلا «كارتر»، بل إن «بيجن» كان يراه من مؤيدى «النازية»، وأنه من السهل التفاوض معه؛ لما بينهم من آراء وأفكار مشتركة، الآن، وبعد كل تلك السنوات، وبعد شهداء على مر التاريخ، لأربع حروب، وثورة أتت لتحاول إيقاف تتابع، وظلم، وإفساد ناتج عن تلك المعاهدة وسياساتها، اتفاقية تراكمت عليها أنقاض الفساد، وأصبحنا في بناء هش. أرجو من الله أن يحفظ وطننا، وأن تتواجد العقليات الواعية لتوقف هذا العبث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كامب ديفيد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد