«عزيزي اللورد «روتشيلد»! إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومى في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح». المخلص «آرثر جيمس بلفور».

كان هذا جزءًا من رسالة وزير خارجية بريطانيا، عام 1917، التي أُطلق عليها «وعد بلفور»، إلى أحد برلمانيي بريطانيا، بعد تهاوى الدولة العثمانية، إبان الحرب العالمية الأولى، وبعد اتفاقية «سايكس ـ بيكو»، التي قضت بتقسيم مناطق غرب آسيا بين انجلترا وفرنسا، بمصادقة الإمبراطورية الروسية.

هذه الرسالة، التي لم تجد ردة فعل من العرب، إلا بعد مرور 31 عامًا؛ إذ اكتشفوا «فجأة» أن وجود هذا الكيان يمثل خطرًا على المنطقة، وأنه يمثل إجحافًا لحقوق الفلسطينيين، وكأنهم لم يكونوا على علم بأن عقيدة اليهود تنص على اعتبارهم فلسطين أرضًا للميعاد، وأن الدول الأوروبية تبحث لهم عن سلة مهملات لتتخلص منهم، وأن اليهود كانوا قد بدأوا بالفعل عمليات التهجير، منذ القرن الثالث عشر، فكونوا جيشا أسموه «جيش الإنقاذ»، وكان من طرائفه، على سبيل المثال: أن مصر لم تبدأ عملية التسليح، إلا قبل قرارها دخول حرب 1948 بأسبوعين!

كانت نتيجة حرب 1948، التي شاركت فيها خمس دول عربية ضد مسخ وليد، هي ضياع كل أرض فلسطين، ما عدا قطاع غزة والضفة الغربية والقدس العربية.

في مصر، استثمر الضباط الأحرار بقيادة «محمد نجيب» هذه الهزيمة للانقلاب على ملك مصر، ثم ما لبث أن أضاع «جمال عبد الناصر»، الذي انقلب على نجيب، شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية والجولان؛ إثر هزيمته فى حرب 1967.

بعدها قررت مصر وسوريا، عام 1973، شن حرب على الكيان الصهيوني، وصفها الفريق «سعد الدين الشاذلي»، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، في كتابه «مذكرات حرب أكتوبر»، أنها كانت انتصارًا عسكريًا وهزيمة سياسية؛ فقد اتخذ «محمد أنور السادات» قرارًا غير محسوب بالتوغل داخل سيناء، وتطوير الهجوم نحو «المضائق»، دون غطاء جوي، مما أدى إلى استعادة العدو السيطرة على المعركة، ومحاصرة الجيش الثالث في «الدفرسوار»؛ وبالتالي اضطرت مصر لوقف إطلاق النار، ومن ثم الخضوع لتوقيع اتفاقية السلام «كامب ديفيد» 1978.

حذا السادات حذو عبد الناصر؛ حين غطى على خيبته في «اليمن» بحرب شريفة؛ علها ترفع من أسهمه لدى الجماهير؛ فما زادته غير تخسير. فدخل هو الآخر حربًا شريفة حالمًا بتخطى عراقيل اجتماعية وسياسية واقتصادية بائسة؛ ليوقظنا نحن على أسوأ كابوس عرفته المنطقة.

استطاع السادات تمثيل الأمر، وكأنه انتصار مؤزر، وعفو عند مقدرة، حينما قال إنه يرغب في السلام، وإنه قد يذهب بنفسه إلى «الكنسيت الإسرائيلي»؛ ليفاوضهم عليه، وما كان ذلك، إلا أول فصل من فصول «مسرحية العار»، الذي مازلنا ملطخين به إلى اليوم.

نصت هذه الاتفاقية الكارثية على بنود معلنة؛ تقضي بسلام دائم مع العدو، وخلق علاقات ودية طبيعية معه، بضمان «الولايات المتحدة الأمريكية»، التي ثبتت فوهة مدفعها بين عيني مصر، فهى من تحمي الكيان حتى اليوم، وتمده بالمال والعتاد، وبنود أخرى سرية، بدأت تتضح كالشمس في كبد السماء شيئا فشيئا، رأيناها أثناء حكم مبارك الذي نصحه مستشاروه، منذ البداية، أن يجعل بنودها دستوره الذي يحكم به؛ ليتمتع بالاستقرار، إلى أن وصلنا اليوم لمن أصبح هو الحجر الأخير الذي تم به بناء المعبد، والقطعة المكملة لأحجية هذه الاتفاقية.

كان ظهور «مرسي» أثناء لعبة الخزى هذه مؤقتًا، كان رمية لنقلة واحدة، فهو لم يكن محور اللعبة، كان ذلك السلم الطويل الذي ارتفع بنا إلى قرب مربع الفوز، وانزلقنا من بعده على ظهر ثعبان طويل؛ إلى حيث الخسارة التى لا تعوض، مهما رمينا حجر النرد.

لم يذكر مرسي اسم الكيان في خطاباته طوال عام حكمه، بل دعم غزة، وندد بالعدوان ضدها، أراد أن يضع «مصر» في وضع ندي؛ عندما تحدث في خطابه أمام «الأمم المتحدة»، تحدث عن ملكية بلاده عناصر الاستغناء عن غيرها من «غذاء ودواء وسلاح»، كان يبحث عن حق بلاده فى كل شبر فيها، فلم يبد أن لديه أية رغبة فى بيع أو تنازل، كان أول من قال «لبيك يا سوريا»، اجتهد قدر ما استطاع أن يعيد لمصر مكانتها في القارة الإفريقية، والمنطقة العربية، والعالم.

إن بحثنا بشكل حيادي، دون الانسياق وراء حب مبالغ فيه، أو كره غير مبرر، لوجدنا أن الرجل كان يمثل بالفعل عقبة أمام مخططات الغرب فينا؛ لو أنا كشعب انتبهنا وساندناه.

وشاء الله أن يكون خليفته نقيضه على طول الخط؛ أن تلاقي تصريحاتك وقراراتك استحسان عدوك، وأن يعلن أنه يعتبرك بطلًا له، وأن تبتسم أنت لذلك، ولا تحاول أن تنفيه، فهذه مصيبة، لا يحتملها وطن. ويبدو أنه أراد أن يحذو حذو السادات؛ حين طلب من الإذاعة الإسرائيلية إذاعة خطابه مرة أو اثنتين، حين كان يفتتح أحد المشروعات التنموية، وتخلل حديثه الكلام عن القضية الفلسطينية، ولن يكون مثارًا للعجب؛ إن منحوه «جائزة نوبل للسلام» هو الآخر، ولكن هذه المرة تكون كاملة من نصيبه وحده؛ فهو يستحقها عن جدارة.

إن ما يحدث اليوم من إخلاء للمنطقة الحدودية وإقامة منطقة عازلة على حدودنا مع فلسطين، وتعميق التحالف والتنسيق الأمني الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، وإعادة السفير، وفتح مقر السفارة، والمطالبة بتوسيع دائرة السلام معه، بل مطالبته لنا بتخفيف حدة المقاطعة الثقافية والاقتصادية والفنية، وإغلاق المعبر، وهدم الأنفاق بين مصر وغزة، وإغراقها، وتوسط الكيان للضغط على الأمريكان؛ لاستئناف المساعدات العسكرية، والانحياز له في عدوانه على غزة، وشيطنة كل ما هو فلسطيني، وتفهم مخاوف إسرائيل من الاتفاق النووي الإيراني، والحديث عن أن «نتنياهو»، كشخص، لديه قدرات جبارة؛ تؤهله لتطوير المنطقة والعالم، والاعتراف بإسرائيل كدولة عاصمتها «القدس الشرقية»، والحديث عن مشروع لمنح الفلسطينيين جزءًا من سيناء؛ لاعادة توطينهم، وإيجاد حل للأزمة الفلسطسينية بعيدًا عن انسحاب الكيان من الأراضى المحتلة!

كل ما سبق لا يخرج عن كونه الفصل الأخير من البنود السرية لاتفاقية «كامب ديفيد» المشئومة، التي ما عرفنا انكسارًا، ولا ذلًا إلى هذا الحد، إلا بعد أن خطت يد «ثعلبنا المؤمن!» أول حروف اسم مصر عليها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد