أعلنت دول الخليج التطبيع مع العدو الصهيوني (القائم على تقوية علاقات اقتصادية شاملة بين الطرفين)، ثم لم تلبث أن أعلنت عن حملة مقاطعة للمنتجات التركية.

تتابع هذان الحدثان الاقتصاديان ضمن السياق ذاته لم يكن وليد الصُّدفة، فالأمر مرتبط بمشروع اقتصادي عالمي تسعى أمريكا لترسيخه بالمشرق، مما يحتم علينا قراءة أبعاد هذه المقاطعة برؤية فكرية لإدراك لُب الصراع والوهم الملتف حول إعلان المقاطعة لبلد مسلم.

فما الأسباب الكامنة وراء المقاطعة الاقتصادية السعودية للدولة التركية؟

جاء التطبيع تفعيلًا لصفقة القرن التي أعلنت قيام مشروع الشرق الأوسط الكبير (الجديد)؛ بزعامة وقيادة إسرائيل كقوة اقتصادية كبرى ونظام إقليمي بالمشرق كله، [1] بمقابل إلغاء الدور العربي الإقليمي على كافة الأصعدة، بل إدراج إسرائيل حليفًا استراتيجيًا للعرب في مواجهة أخطار كبرى للمنطقة الشرقية[2] كإيران وتركيا، حسب زعمهم، وبصريح العبارة تحويل بوصلة الأمة الإسلامية من الصراع العقدي مع الكيان الصهيوني، إلى الصراع العرقي بين العرب، والفرس، والأتراك (ضرب المسلمين بعضهم ببعض).

ويقوم مشروع الشرق الأوسط الكبير على الأركان التالية:

الاتفاقيات السياسة.

الاتفاقيات الأمنية.

الاتقافيات الاقتصادية. [3]

السيطرة على مصادر المياه بالمنطقة. [4]

والتطبيع الثقافي [5] بين الكيان الصهيوني ودول المنطقة العربية.

وفصل شمعون بيريز في عملية بناء المشروع بقوله: «كنتيجة لذلك فقد بدأت الشركات الأوروبية الرئيسة في تطوير خطط لتوسيع النشاط التجاري في الشرق الأوسط كما وبدأ النبك الدولي نشاطه حيث تم وضع الأسس اللازمة لأنشطة مختلفة، وفي حين عرض اليابانيون تولي أمر القطاع السياحي اختار الفرنسيون والألمان قطاعي النقل والمواصلات، والإيطاليون المشروع المحتمل لقناة البحرين الميت والأحمر، والنمساويون قطاع الكهرباء والمياه، أما البريطانيون فوقع اختيارهم على قطاع التجارة الحرة، والدنماركيون قطاع الزراعة، والأمريكيون المصادر البشرية، والكنديون قطاع اللاجئين».[6]

يتراءى لنا من كلام بيريز أن الخطوة الأولى في المشروع هو إخلاء المنطقة من أي قوة إسلامية، والثانية: تقاسم الدول الغربية فيما بينها الشرق الأدنى كما تُقسم المواشي والأغنام برعاية الشركات الأمريكية، ثالثًا: تحسين اندماج بلدان – الشرق – في النظام المالي العالمي الذي تترأسه الولايات المتحدة الأمريكية[7]، ويقوم على أربعة أركان: الاستقرار السياسي، الأمن القومي والاقتصادي الإقليمي (السوق الاقتصادية المشتركة)، وهذه الأركان لن تقوم إلا بتحقيق السلام بين الدول العربية والكيان الصهيوني[8] ( أي إعلان التطبيع).

ولتحقيق المشروع استخدمت أمريكا أدواتها الوظيفية (الأنظمة الحاكمة)، فأعلن الخليج التطبيع مع إسرائيل (بداية بالإمارات ثم البحرين.. واللائحة مستمرة)، الذي ألزم الأطراف المُطبِّعة بفتح الأسواق الاقتصادية مع الكيان؛ مما يعني تصريف فائض إنتاجها داخل الأسواق العربية.

إذن: إعلان المقاطعة لمنتجات قوة شرقية صاعدة (تركيا) كان بالأساس تعارض المشروع التركي مع مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى إلغاء التقييد الاقتصادي لإسرائيل ومقاطعة منتجاته، والقضاء على أي منافسة صاعدة؛ الشيء الذي سيتيح للكيان الصهيوني تمركزه كنواة للاقتصاد العالمي ومعبر الاتصال الأسيوي الأوروبي الأمريكي وفك الخناق على منتجاته؛ إذ باستلامها زمام اقتصاد المنطقة سيتم لها التطبيع مع شعوب الأمة الإسلامية، وليس الأنظمة الحاكمة فقط.

لماذا تركيا؟

إن تركيا حققت ازدهارًا اقتصاديًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة بحيث باتت تصنف منذ سنوات كأكبر قوة اقتصادية صاعدة في أوروبا بعد أن نجحت في الاقتراب من تحقيق معدلات نمو ورفاهية متسارعة ومماثلة للمعدلات الغربية[9] ويمكن إجمال مميزاتها في:

-تشكل 2023 قيام النهضة التركية الجديدة.

-لعِب تركيا دورًا بارزًا في آسيا الوسطى ( أوزبكستان، تركمانستان، كازاخستان، طاجكستان وقيرغيزستان).

– صعود وسطع نجمها بالعالم العربي.

– دورها في بعض المناطق بالشرق الأوسط شمال أفريقيا، والقرن الأفريقي.

– حدوث الفراغ بالمنطقة من المنافسة الأوربية الأوسطية[10].

– دولة قوية اقتصاديًا وعسكريًا، وتملك علاقات متوازنة سياسيا مع الكثير من الدول.[11]

– التأييد الشعبي العربي والإسلامي لتركيا.

– تخطّي تركيا لمشكلتي النفظ والغاز.

فتركيا تملك اليوم تملك العوامل التي تُؤهلها لإقامة نظام إقليمي بالعالم الإسلامي، وهذا الذي دفع بأمريكا باستخدام بعض الدول العربية لعرقلة هذه المسيرة، فقد ضغطت ولا تزال تضغط بقوة وبشكل مستمر بضربات متعاقبة على الاقتصاد التركي في محاولات منها تحطيمه عبر أدواتها في المنطقة (آخرها إعلان مقاطعة المنتجات التركية).

فنجاح تركيا واستقلالها اقتصاديًا يعني تمكين باق الدول الإسلامية؛ مما سيحقق صعود نظام مستقل عن النظام العالمي الذي تسعى أمريكا لتوطيد أركانه وتثبيتها في بقاع العالم وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص.

ودعم الأمة الإسلامية لتركيا هو دعم لنفسها؛ فاستقلال الاقتصاد التركي هو استقلالها، وانهيار تركيا سيعني انهيارها هي الأخرى.. طريقان لا ثالث لهما؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد