قبل انطلاق بطولة الأمم الأفريقية لكرة القدم الأخيرة في القاهرة، بدت وظهرت الحياة في مصر أكثر من قاسية، وبالفعل قاطع بعض المصريين البطولة، بخاصة بعد خروج المنتخب المصري من دور السادس عشر؛ وعلق بعضهم بأن ذلك أفضل من شغل المصريين عن واقعهم المُتردي سياسيًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا.

لكن المفاجأة هي أن الجماهير المصرية أبدتْ وعيًا سياسيًّا، بالإضافة للكروي، عبر الانحياز للمنتخبات العربية المشاركة في البطولة، بخاصة تونس والجزائر، ومع انحسار البطولة عن جميع الفرق العربية وبقاء الجزائر، صار همّ المصريين الأول التعبير عن فرحتهم بصعود الفريق الجزائري وقرب حصوله على كأس البطولة، ما تعجب منه كثيرون، بخاصة مع الخلاف المصري الجزائري في نوفمبر (تشرين الثاني) في مباراة الفريقين في أم درمان بالسودان.

شهدت المباراة آنذاك ضجيجًا وصخبًا إعلاميًّا هائلًا، بخاصة بعدما قيل من مشاجرات ضرب خلالها الجزائريون المصريين أو العكس؛ بخاصة مع إعادة المباراة في أم درمان السودانية؛ وعندها خرج بعض أهل الفن والسياسية منددين ومنتقدين، بل أحيانًا سابين الجزائريين بعد فوز منتخبهم على المنتخب المصري، في ظل أحداث شغب أثارت امتعاض عقلاء السودان والجزائر ومصر معًا.

ثم دارتْ الأيام دورتها العجيبة، وتلاشى بعض من أعمدة نظام المخلوع محمد حسني مبارك، الذي حرص على إزكاء نيران تلك المعركة التافهة، وكان سقوطه في فبراير (شباط) 2011، بعد نحو أربعة أشهر فقط من مأساة أم درمان، ثم دارت الأيام دورة أخرى فأسقط الجزائريون منذ أشهر قليلة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقية، ورغم قبضة النظام العسكري الانقلابي على أعناق المصريين، وأن نظامًا عسكريًّا مؤقتًا أحاط برقاب الجزائريين، فإن سقوط رأسي النظام أسقط العداوة الواهية المصطنعة بين الشعبين.

وفي مباراة ختام البطولة بين الجزائر والسنغال الجمعة الماضية فوجئ جميع المتابعين بصحوة الفريقين وتمسكهما بالمظاهر الإيمانية والوطنية، من صلاة للجمعة قبل المباراة لأعضاء المنتخبين، وحِرص مشجعي الجزائر على الاحتفال بالنهائي في ميدان التحرير، وهو الأيقونة المكانية الرائعة لمحاولة الثورة المصرية، ثم حرص الجمهور المصري على تشجيع المنتخب الجزائري، وحرص معلق المباراة فيصل دراجي بالتالي على شكر مصر والمصريين؛ وتأكيده في أكثر من مناسبة على أن فريقه إن حاز الكأس فإنما يحوزه بفضل ذكرى الاستقلال الجزائرية من المحتل الفرنسي في يوليو (تموز)، وأن البطولة على الأرض المصرية المباركة.

وفور انتهاء المباراة ظهرت صورة أخرى من صور الوعي السياسي، ومن قبل الديني، بسجود المنتخب الجزائري شكرًا لله على أرض استاد القاهرة، وبقاء المنتخب السنغالي لفترة داعيًا الله على توفيقه له بوصوله للدور النهائي، وإن خسر البطولة.

أجواء رائعة زاد منها إهداء الفريق الجزائري الفوز للشعب الفلسطيني ونضاله ضد المحتل الصهيوني، مع رفض أبرز لاعبي الفريق مصافحة رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الرياضة، أو مجرد الابتسام في وجيهيهما اعتراضًا على الانقلاب العسكري الذي جاء بهما.

هذه الملابسات وإن حوت خطأ من هنا أو هناك، أو محاولة لإزكاء العداوة المنسية منذ 10 سنوات تثبت أن شعوبنا التي تصطلي بنيران الطغيان في وعي بالمخاطر التي تحيط بها؛ وأن تمسكها بدينها أكبر حائط صد لإثبات الوجود ومحاولة النهوض.

إن المباراة الأخيرة من كأس الأمم الأفريقية خففت من كثير من الآلام، بخاصة التي تعيشها مصر، ولكنها في المقابل أجبرت قائد الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي على عدم الوجود في أرض الملعب لتسليم كأس البطولة؛ خوفًا من عدم مصافحة لاعبين له، كما حدث مع رئيس وزرائه ووزير الرياضة.

إن هؤلاء اللاعبين يمثلون عينة من شعوبنا العربية الإسلامية الصابرة في الجزائر والسنغال، وهي الشعوب التي تعرف في غالبيتها أن التمسك بدينها هو مفتاح تفوقها، وتغلبها على المحن والمواقف الصعبة والتحديات التي تمر بها، وإن وجود العسكريين في مجالات الحياة المدنية أمر غير مرحب به، ومن هنا جاء استقبال لاعبي الجزائر لممثل المجلس الأعلى العسكري باردًا فاترًا، بعد تجاهل ممثلي الحكم المصري.

إن سجود اللاعبين على أرض الملعب بقيادة المدرب؛ ودعاء الفريق المهزوم لله لبيان أن الآمال برغم الآلام التي تلف الأمة ما تزال معقودة على هذه الشعوب في نهضة الأمة وتحررها من الظلم والطغيان؛ وإن ظهر المسير طويلًا يلزمه بعض الوقت، فإن الخطى على الطريق تحاول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد