حين ظهر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أول مرة في العراق، واجتاح فيما بعد أجزاءً كبيرة من سوريا، ظن الجميع أن منطقة الشرق الأوسط كلها ستسقط أمام المد الهائل لقوات البغدادي، حتى أن الجميع ذهلوا تمامًا وهم يرون الخليفة يصعد أدراج منبر المسجد في الموصل ليلقي خطبة قوية كانت تحديًا للعالم كله، ولحكام المنطقة جميعًا، معتبرًا أنه جاء خليفة دون إرادة شخصية، وأن خلافته ستنطلق حتى تصل إلى مدرجات روما وقلب الفاتيكان فيما كان اقتباسًا للحديث الذي وعد بتحقق ذلك في أواخر الزمان، وهو ما عززه بانتصارات كبيرة ومتوالية على القوات العراقية التي سلمت مواقعها دون قتال، كما أن جموع المنضمين إلى التنظيم وصلوا إلى الآلاف قادمين من دول مختلفة غربية وإسلامية شكلوا قاعدة قتالية ونواة اجتماعية صلبة للتنظيم، خاصة أن أغلبهم كان مقتنعًا بأن الانتصار النهائي على قوات الكفر العالمية قريب بعدما تكون التحالف الدولي، وهو ما فسروه بالرايات التي أوردها الحديث الشريف.

لجأ التنظيم إلى التوحش لإرعاب خصومه كي تدب فيهم نيران الرعب والخوف مما هو قادم، فأحرقوا وجزوا الرؤوس أمام الكاميرات، ما اعتبروه حربًا نفسية ضمن حرب عسكرية أوسع مع العدو، ولم تستوقفهم كل دعاوى الشيوخ الإسلاميين المختلفين معهم في النهج إلى إيقاف سلسلة المذابح، والعودة إلى جادة الصواب لأنهم كانوا في نظرهم جزءًا من حلف الكفر العالمي (مقابل مثير للمؤامرة الكونية التي يروجها الأسد) الذي يريد السيطرة على دار الإسلام، ولكنهم بدل ذلك أثخنوا القتل في الإخوة قبل الأعداء؛ فحاربوا من لا يدين لهم بالولاء بين الناس، وقاتلوا المعارضة السورية وقوات النظام كما نكلوا بالطوائف الأخرى، لأن نظريتهم السياسية كانت تقوم على القتال حتى الموت، أو هزيمة العدو دون حوار أو مساومات؛ لأن الغرض الذي يقاتلون لأجله أخروي قبل أن يكون دنيويًّا، وبالتالي فكل دعوة للحوار ما هي إلا دعوة للردة والكفر وهذه النظرية للدولة ما هي إلا إسقاط للماضي على الحاضر، خصوصًا عصر الدول بمفهومها القديم كما تمثلت في دولة العباسيين مع تطعيمها بما جاءت به الحركات الإسلامية في مجال الحكم واستغلال المظالم المعاصرة كفلسطين والحرب على العراق.

حين نتأمل الوقائع نجد أن التنظيم تمكن من خلق بيئة فاعلة للدولة، أي إرهاصاتها الأولى، فقد تمكن من إدارة موارده من طاقة ومياه وغذاء، كما تمكن من توفير الأمن لمجتمعه، وأبرز أن له قدرة كبيرة في إدارة التكنولوجيا لصالحه وصناعة آلة دعائية جبارة تمكنت من إرباك جميع الأجهزة الأمنية في العالم، مع ما أبان عنه في ميادين القتال من صلابة ومهارة ضد الجيوش المحترفة والميليشيات المنافسة والمناهضة له، غير أن أهم ما قوى التنظيم هي أيديولوجيته الدينية/ السياسية التي توضح حين نتأملها أن التنظيم لم يكن مجرد مرحلة عابرة أو نقطة صغيرة في تاريخ المنطقة وجغرافيتها السياسية والاجتماعية، وإنما هو جرح غائر في الوجدان لا يمكن أن يندمل بسهولة؛ لأنه بذر بذور الشقاق بين مكونات الطائفة السنية أنفسهم وإخوانهم الشيعة، كما وضع المعتقد الإسلامي تحت طاولة المجهر العالمي، لأن المسلمين الذين يؤمنون أن دينهم دين سلام قد أنجب فئة ترى العكس وتدعي أن تفسيرها الديني معزز بكثير من الصخب الإعلامي هو الحقيقي، وأن الآخرين خارجون عن جادة الحق.

لا توجد إجابات سهلة عن المعضلات التي أفرزت «داعش»، أو التي أفرزتها هي من بعد ومن يدعي العكس فهو واهم؛ لأن التنظيم ينهل من نفس النبع الذي ينهل منه الآخرون من المسلمين، وتأويله الخاص يستند إلى أن الآخرين متخاذلون عن نصرة الدين، وأن الطواغيت (الحكام والحكومات) مجرد عملاء يستغلون سلطتهم ضد الإسلام، وبالتالي فإن قتالهم واجب شرعًا حتى يحكموا بما هو حق، ولأن الديكتاتورية شيء متفق عليه سواء بين المناضلين التقدميين والإسلاميين وحتى هؤلاء المتطرفين رغم عدم استعمالهم للمصطلحات الواردة من عند الغرب، فإن سبل المعالجة (المنطلق والمنهج) هي مقر الخلاف، فإذا كان الآخرون يرون أن الانفتاح على العالم والتشارك في بناء المنطقة مع الآخرين في سلام هو الحل، يرى هؤلاء أن السيطرة والنهضة لن تتم إلا بمحق الغرب وبتدمير عملائه، رغم أنهم لا يوضحون لنا كيف لهم وهم يحملون أسلحة وعتادًا مصنوعًا من طرف الغرب أن يهزموه؟ أو كيف يمكن لهم وهم الذين يرفضون جميع المعتقدات في العالم أن يواجهوا عالمًا مفتوحًا تتضامن جميع دوله ونظمه مع الأعداء المفترضين كما تنص المواثيق والمعاهدات الموقعة بينها وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة، أي كيف في عالم اليوم أن تواجه العالم كله وأنت بالأساس مجرد مستهلك لما يجود به هذا العالم؟

إنهم لا يهتمون بالواقع لأنه معقد، ولا مجال للمعرفة في مخططاتهم، خصوصًا النقد الذاتي والتحليل المنطقي؛ بل الاندفاع الأهوج ضد مكتسبات العصر برفض تام لكل شيء، أي الراديكالية في مواجهة الانكسار القيمي والاجتماعي كما يتصورنه، فالعالم قد بلغ درجة غير مقبولة من الفساد يتعين إصلاحه عبر العنف والقوة ما دامت التنظيمات الأخرى قد فشلت عبر السلم وعبر الدعوة؛ لأن أغلبهم قد قتل أو أسر، وبالتالي فالسلمية لا تؤدي إلى نتيجة، وما دام التنظيم سياسيًّا بدرجة أولى فالسلطة والسيادة هما الهدف، والدين هو الطريق لذلك. أما إقصاء الأطراف الأخرى، خصوصًا التي تشارك تنظيم الدولة نفس التصور قد اتضح عبر مراحل نموهم وتقدمهم في العراق وسوريا، فقد كفروا الإخوان ومشايخ الصحوة ومشاهير الإعلام وفصائل المعارضة لأنهم تهديد أيديولوجي بالأساس يزاحمهم في مسألة الشرعية.

في الحرب ضد التنظيم تم اللجوء إلى حرب الجو عن طريق الطائرات المقاتلة، وحرب البحر عن طريق الفرقاطات والسفن التي تستهدف مواقعه بدقة، والتي يتم رصدها عبر الأقمار الاصطناعية وطائرات الدرون، هذه التقنيات الجوية والفضائية شكلت أكبر فارق في الحرب، فبينما ظل التنظيم يكافح على الأرض عن طريق الالتحام المباشر والدفاع عن المناطق السكنية المكتظة كانت اليد العليا لأعدائه رغم ما أبداه من شراسة وبراعة؛ لأن الفارق التقني يكشف لب المفارقة في فكر التنظيم؛ إذ إنه لم يدرك أن العدو يحدد مجال المعركة ونوع الأسلحة التي سيقاتل بها الخصوم؛ لأنها نفس الأسلحة التي ترسلها وكالات الاستخبارات الخاصة به، أو تلك التي يسطو عليها في معاركه ضد الجيش الوطني وأغلبها متقادم ومتآكل، أو أنه فقد صلاحيته بفعل تواصل الحرب.

إن اجتماع الجميع على اعتبار «داعش» خطرًا وتنظيمًا مارقًا لا يدفعه إلى تغيير أفكاره، وإنما يعتبره دليلًا قويًّا على صحتها والجهاد في سبيلها، ومع كثرة المظالم السياسية والاجتماعية سواء في الغرب أو الشرق تصبح الراديكالية التي يتبناها التنظيم أكثر جاذبية للشباب التواق للأمجاد، ومع أن فكرة المجد والبطولة لها مبرر لأنها مؤكدة من الناحية التاريخية فإنها في ظل الدول العصرية القائمة حاليًا فكرة محرمة وخروج عن القانون، وبالتالي فالدولة التي تعارض هذه الأفكار دولة كافرة ولا منجاة منها إلا عبر الدولة الحقة التي يريد تنظيم الدولة الإسلامية تحقيقها عبر صراعه مع قوى الكفر، وهذه معضلة في الفكر الإسلامي التقليدي إذ لا يتم أبدًا الفصل بين ما هو إيماني، وما هو تاريخي، وما هو سياسي باعتبار هذه الحقول منفصلة عن بعضها، ولكن مكملة لبعضها البعض في نفس الوقت وتتحقق المفسدة حين تتدخل السياسة المتقلبة وتفسد كلًّا من التاريخ والإيمان في صراعها نحو السيطرة والحكم.

هزيمة التنظيم التي يتغنى بها البعض حاليًا ستكون مجرد فاصل قصير في حرب متواصلة ما لم تتم معالجة أسباب نشوئه في المقام الأول، وخصوصًا الاحتقان السياسي والاجتماعي والتخلف الحضاري والمذلة التي يعيشها المسلمون اليوم بفعل تناحرهم رغم ما يمتلكونه من إمكانات مادية وتاريخية وجغرافية، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي لا يتم استغلالها بما يلائم الحاجات الضرورية والملحة، وإنما في سبيل الأغراض الشخصية والسياسية الضيقة؛ ما يعمق الفقر والجهل والقمع والتخلف في كل الميادين، وبالتالي بيئة ملائمة وعناصر فكرية طازجة للتنظيمات الإرهابية لاستغلالها في سبيل ما تراه هي حلولًا لأزمات هي نفسها نتيجة لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك