التفكيك له ذات التأثير على مفاصل الدولة في كلتا الحالتين

تعد الدولة العميقة طبعة حديثة وتطورًا تاريخيًّا لمسيرة الانقلابات في العالم؛ وهي النمط السائد لتدخل القوة المسلحة للوصول إلى الحكم، وتتسم هذه الدولة بأنها أكثر مرونة ودهاء، فهي لا تعتمد على القوة المسلحة وأدوات العنف فقط، بل تعتمد في مسعاها للوصول إلى الحكم أو التخلص منه على بعض مؤسسات الدولة نفسها، بالإضافة إلى شرائح من الفاعلين النافذين غير الرسميين، ومن ثم فإن الدولة العميقة تقود في الأخير إلى حدوث انقلاب في الحكم سواء بصيغته البطيئة، أو بصيغته الذاتية أو كلتيهما.

وتتكون الدولة العميقة من كبار المسئولين المدنيين، وربما العسكريين السابقين ممن يتناوبون على السلطة، ويتقاسمون الثروة والامتيازات، بما لا يخلو من تنافس بينهم على هذا التقاسم، بالإضافة الى النخبة الرأسمالية وطبقة رجال الأعمال، بما في ذلك الأثرياء الجدد، وعناصر منتقاة من الأوساط الأكاديمية والنخب الثقافية والإعلامية، لا سيما أولئك المختصون في كيفية السيطرة على الدولة من خلال عملية القانون، مثل الأكاديميين الذين يتميزون بالمعرفة والمهارة في إعادة صياغة القوانين، يضاف إلى ذلك شبكة واسعة من العلاقات العابرة للحدود مع القوى الكبرى، الإقليمية والدولية، لتحصيل المنافع المتبادلة والأهداف المشتركة.

وعلى صعيد الأهداف، تقوم الدولة العميقة بتحقيق جملة من الأهداف والاستراتيجيات، أهمها؛ خلق صورة مشوهة للنظام السياسي الجديد، وجعل الناخبين يشعرون بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على هذا النظام، ومن ثم عدم جدوى الخيار الديمقراطي، وجعل الحكومة الديمقراطية عاجزة عن الإنجاز، ومن ثم تبدو أمام الجماهير لا قيمة لها، ولا تستحق الحكم، والتغطية على أي إنجاز للحكومة وتشويهه، ووأده في مهده، واتهامها بالفساد والديكتاتورية لهز ثقة الشعب فيها، واستغلال الجهاز البيروقراطي لتعقيد مصالح المواطنين وعرقلتها، وخلق الأزمات المعيشية، وإجهاض أي سياسات جديدة تريد الحكومة إقرارها لصالح المواطنين والمستثمرين، واستخدام الأدوات الإعلامية للترويج للنظام القديم، والتقليل من شأن النظام الجديد، بشكل تدريجي ومكثف؛ لتزييف وعي الناس بجدوى التغيير خاصة في ظل انتشار الكتائب الإلكترونية.

وأخيرًا، إقناع القوى الدولية والإقليمية بأن مصالحها ليست مع النظام الجديد، وإظهاره في صورة المعرقل والمعيق لمصالح تلك القوى، والتأكيد في الوقت ذاته على أن النظام القديم هو الضمانة الوحيدة لتحقيق مصالح القوى الدولية والإقليمية بشكل كامل، وهو ما تحاول فعله قوى الدولة العميقة المعادية للنظام السياسي الجديد بالخارج.

ومن خلال ما سبق وفي ظل الصراعات متعددة الأنماط التي تشهدها مصر منذ الحراك الثوري، والتي يعد أصعبها وأكثرها تعقيدًا وأعصاها على الحل، ذلك النمط المتعلق بصراع قوى التغيير مع قوى الدولة العميقة، ثمة اسئلة ملحة أريد الوصول إلى إجابة وافية عليها وهي: هل مصر تعيش الآن في ظل الانفصال عن الدولة العميقة؟ وهل ثمة ملامح لانحلال مصر من براثن الدولة العميقة؟

ثمة مسارات متعددة للتعاطي «التفكيكي» مع منظومة الدولة العميقة في الخبرات الدولية، تنطلق جميعها من سياقين رئيسين، ووفقًا لتموضع الدولة العميقة من منظومة الحكم، يتمثلان في مدى الاتساق بين كل من الدولة العميقة والنظام الحاكم من عدمه، وينتج عن ذلك إحدى صورتين لتموضع الدولة العميقة، إحداهما: التوافق بين الدولة العميقة والنظام الحاكم «سياق التماهي/ التقمص»، وفي هذه الصورة فإن الدولة العميقة ونظيرتها الظاهرة وجهان لعملة واحدة، يعملان باتجاه واحد لترسيخ وتقوية شبكة المصالح والفساد في الدولة ضد قوى التغيير في المجتمع.

وثانيتهما: التضاد بين الدولة العميقة والنظام الحاكم «سياق الافتراق»، وفي هذه الصورة، ثمة قطيعة بين الدولة العميقة ونظيرتها الظاهرة، إذ تعمل كل منهما في اتجاه مضاد للأخرى، يهدف إلى إزاحة الآخر والتخلص منه للانفراد بالسلطة والحكم في الدولة.

وعليه فإن تفكيك الدولة العميقة المصرية حال كونها في الحكم «قبل 30 يونيو (حزيران)»، يختلف عنه حال كونها خارج منظومة الحكم «بعد 30 يونيو» ،وإنما هذا التفكيك له التأثير ذاته على مفاصل الدولة في كلتا الحالتين، وفي النهاية الشعب من يدفع الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد