يقال ليس كل ما يشتهيه المرء يدركه، فإن الله سبحانه قد قَسَّم الأرزاق على عباده.. فقد يحصل العبد على المال أو الأولاد أو الصحة أو راحة البال، أو ربما قليل من هذا وذاك، ولكن لن تجد كل تلك الأرزاق مجتمعة في عبد واحد.. ولأنه سبحانه رحيم رؤوف بعباده، فقد أوجد لنا القناعة والرضا؛ ليكونا ملاكي رحمة، ومخلصين للبشرية من عذاب فقدان إحدى تلك النعم، ولكن ذلك لمن يختار فقط أن يستخدمهما، أما من كان في نفسه قليل من الكِبر، فقد كتب على نفسه الشقاء في الدنيا والآخرة.

هكذا تعلمنا، وعلى هذه الأسس والمبادئ تربينا، فإذا كنت من أصحاب المال والبنين، ولكن الله ابتلاك بمرض ما، فقل الحمد لله، وارض بذلك؛ فهناك من يتمنى نعمة الولد أو الغنى، أو إن كنت صحيح البدن معافى، ولكن لم يرزقك الله بأولاد، أو بمال، فقل الحمد لله؛ فغيرك لا تَقِرُ له عين بسبب مرضه أو ما ابتلاه الله به من ولد ينغص عليه معيشته.
أدت تلك التربية، وتلك المبادئ والمفاهيم التي كبرنا فوجدناها في مجتمعنا إلى تفشي الكثير من الأمراض في نفوسنا وقلوبنا قبل أجسادنا، ففهمنا أن القناعة والرضا تعني التواكل، وفهمنا أن تقسيم الأرزاق يعني أن ترضى بما كُتب لك فقط، وأن تعلم، بل تتيقن أن ما لم يكتب لك، فهو ليس لك، ولم يكن يومًا من حقك! وهذا الكلام في مجمله حقيقي، ولكن نحن من لدينا فهم خاطئ له، فأنت كإنسان أنعم الله عليك بنعم لم ينعم بها على سائر المخلوقات، فسخر لك ما في السموات والأرض، وجعلك مخيرًا في قراراتك وحياتك كلها، فقال: وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه. وقال: وهديناه النجدين. أي: لتختار أتسلك طريق الخير أم الشر؟ وقال: إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا. وقال: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

فكيف يقول لك الله: إنك مخير، تختار ما تشاء، ثم يبتليك أو يمنع عنك شيئًا، ويقول لك: هذا ما كتبته لك، فارض به، وما لم يكتب لك، فاقنع أنه ليس من حقك؟

ببساطة شديدة لأننا أصبحنا نفهم ديننا بالشكل الذي يجعل من حياتنا بائسة، ولا نفهمه بالشكل الذي أنزله الله رحمة للعالمين، الدين هدفه تسهيل وتيسير حياتنا في الدنيا لا الآخرة.. الدين أتى ليعلمنا كيف نحيا حياتنا في الدنيا، لا كي ندخل الجنة في الآخرة.. الدين وسيلة، وليس غاية، وهو وسيلة لنحيا حياة كريمة سهلة يسيرة في الدنيا لا الآخرة، الدين لم يأت ليكون وسيلة تقول لنا إن هدف خلقنا هو عبادة الله فقط، فالله لم يخلقنا، ولم ننزل إلى الأرض للعبادة فقط، بل إن العبادة في حد ذاتها هي وسيلة لشيء آخر، فلو كان هدف خلقنا هو أن نعبد الله فقط، لماذا لم يقض الله أن يظل سيدنا آدم في الجنة، فكنا نكون معه إلى الآن، نعبد الله أيضًا؟ لماذا قضى الله ان ينزل سيدنا آدم إلى الأرض؟ ثم إن الملائكة تعبد الله أيضًا، ولكنها في السماء؟ لماذا نعبده في الأرض؟ ألا يدعو ذلك أن نتفكر أن هناك سببًا آخر لوجودنا في الأرض؟ وإذا كان الدين هدفه العبادة فقط، فلماذا أكثر الآيات في القرآن تتحدث عن تشريعات دنيوية، وعن حسن الأخلاق والتعامل مع الناس في الدنيا؟ ذلك أن الدين لم يأت؛ لأنه وسيلة تدخلنا الجنة، ولكنه وسيلة لنحيا حياة كريمة سهلة يسيرة في الدنيا ونعمرها وننهض بها، كخلفاء لله في الأرض والدين، وسيلتنا لتحقيق هذه الخلافة، فمن طبق ما فيه؛ سينعم بالرخاء في الدنيا، ويكافأ بأنه إن أطاع الله وعبده وعمر الأرض، فسيكون جزاؤه الجنة.

في ضوء هذا المفهوم الجديد للدين، يمكننا الآن أن نفهم ونفسر كيف أن ما يبتلينا الله به، أو يمنعه عنا من نعم، ليس في حقيقة الأمر قضاءً وقدرًا بالمعني القديم المفهوم، وأنه ما دام قد أصابك شيء أو منع عنك شيء، فهذا ليس معناه أنه كتب عليك أو لم يكتب لك، في بداية الأمر لابد وأن نعلم أنه هو الله، مالك الملك، وهو القادر على كل شيء، ولا شيء يقضي أو يشاء فوق قضاء أو مشيئة الله، ومن ضمن مشيئة الله أنه شاء أن يكون الإنسان مخيرًا، إذًا فإرادة الله أنك كإنسان مخير في حياتك، بدليل النصوص القرآنية التي ذكرت من قبل، لذا فإنك أيها الإنسان، إذا أصابتك مصيبة أو منعت عنك نعمة، فبإمكانك درء تلك المصيبة، أو جلب تلك النعمة؛ لأنك مخير تختار ما تشاء، ولو أني أردت أن أحصل على نعمة من نعم الله، ولم أستطع، فكيف أكون مخيرًا إذًا! والآن، فكيف لنا نعلم الطريقة التي تمكننا من تحقيق ذلك؟

والإجابة على هذه السؤال تكمن في نقطتين، لنعلم أن الأولى علينا أن نستذكر آية ذكرت في سورة مريم، عندما كانت السيدة مريم تعاني من آلام الولادة، فقال تعالى: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا.

 لماذا قال لها أن تهز جذع النخلة؟ هل استطاع أحد أن يسقط التمرات قبل عن طريق هز جذع النخلة فقط؟ أهذه قوة كافية لإسقاط التمرات؟ إذًا فإنها معجزة أن تسقط التمرات فقط من هز جذع النخلة.. ولكن بما أن تلك التمرات سقطت بمعجزة، لماذا جعل الله السيدة مريم تبذل الجهد إذًا، وهي في قمة الألم، وتهز جذع نخلة، فلن تسقط منه تمراته ولو هزه رجل في قوته، فما بالك بامرأة في قمة آلام الولادة! وهنا تكمن النقطة الأولى، حين يرغب الإنسان في تحقيق شيء ما، فعليه أن يفعل كل ما يمكنه فعله، حتى وإن بدا ذلك هينًا وصغيرًا أو لن يفيد في شيء.
أما النقطة الثانية، فعلينا أن نرجع إلى قصة أخرى أيضًا، وهي قصة السبعة أشواط التي نقوم بها في الصفا والمروة، والتي نفعلها اقتضاءً بالسيدة هاجر التي كانت تبحث عن الماء في الصحراء، فهبت تبحث عن الماء عند قمة جبل الصفا، فلم تجد هناك ماءً، فنزلت وذهبت إلى قمة جبل المروة، فلم تجد الماء أيضًا.. وهنا نقول إنها قد قامت بكل ما يمكنها فعله، فلماذا إذًا لم ينفجر بئر زمزم وقتها؟

وهنا يكون اختبار الله لمدى يقيننا وثقتنا به، فبعد أن نزلت السيدة هاجر من جبل المروة ذهبت مرة أخرى إلى جبل الصفا، ثم عادت مرة أخرى إلى المروة، ثم مرة أخرى وأخرى.. قامت بالذهاب والإياب من الصفا إلى المروة سبعة مرات، وهي تعلم أنها في الصحراء، والأهم أنها ذهبت إلى كل جبل عدة مرات، ففي المرة الأولى التي ذهبت فيها، ولم تجد ماء آمنًا، فالمنطقي أو الطبيعي أن تعود فتجد الماء قد ظهر فجأة! فهي قد ذهبت لكل جبل عدة مرات، لماذا ظلت إذا تعاود الذهاب، بالرغم من أنها تعلم أنه لا يوجد ماء هناك؟ وهنا تكون النقطة الثانية، وهي أن لديها ثقة عمياء، ويقينًا بالله أنه ما دامت تضرعت إليه بالدعاء، وقد قامت بما عليها، فإنه من المستحيل أو المنطقي أن لا ينفذ الله لها ما طلبته لأنها مخيرة في حياتها، تختار ما يحدث لها.

كلتا المرأتين لما تكونا نبييتن أو رسوليتن، ولكنهما كانتا من عباد الله الذي قضى ووعد أنه إذا دعاه أحد بثقة ويقين، وقد قام بكل ما يمكنه القيام، فإنه – لا محالة – سيستجيب الله له، أو لم يقل سبحانه وتعالى في كتابه: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم. وقال في حديث قدسي: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء. فيقول الله: إنه سيحدث لك ما تظن أن الله سيفعله لك.


ولكن هذا يجعلنا نسأل سؤالًا آخر.. ما هو المفهوم الحقيقي للقناعة أو الرضا؟ هل نحن حقًا مطالبون بالقناعة والرضا في حالة الابتلاء؟ ولماذا يبتلينا الله من الأساس، إذا كنا مخيرين، نختار ما نشاء؟

علينا أن نتدبر آية أخرى؛ لنعلم الإجابة عن هذه الأسئلة، وهي: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. هناك جاءت كلمة ابتلاء، وعبر عنها الله في السراء والضراء، فقال تعال: إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعمه، فكلمة الابتلاء يمكن استخدامها لوصف النعيم والكرم الذي ينعم الله به على أحد، واستخدمها أيضًا في وصف ضيق الرزق، فقال: إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه. إذًا فكلمة ابتلاء لها شقان: شق إيجابي، وشق آخر سلبي، لماذا إذًا عندما نقول: إن الله ابتلى فلان بشيء، فلماذا نأخذ دائمًا الشق السلبي؟

أيمكن أن يكون موت الولد أو ضياع المال أو المرض ابتلاء من نوع إيجابي؟ وهنا نذكر آية أخرى، وهي: وما أصابتكم من مصيبة فمن أنفسكم. إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. يوضح الله في تلك الآيات إنه إذا أصابك شيء ما، فاعلم أنك أنت السبب فيه، وهذا مذكور واضح في الآيات، ولكن لماذا؟ لأنه لو أصابني شيء، والسبب في ذلك شيء، أو شخص آخر، فأنا ليس لي قدرة على التحكم في غير ما يخصني.. فكيف إذًا أكون مخيرًا، وإذا أصابني شيء لا أستطيع أن أمنعه أو أغيره؟ لذلك جعل الله كل الأشياء التي تصيبنا نحن السبب فيها، لأنه في اللحظة التي تعلم أنك السبب في الذي أصابك، عندها ستعلم كيف تغيره؛ لانك تستطيع أن تغير من نفسك وتتحكم بها، أولم نسأل أنفسنا، لماذا عندما ابتلع الحوت سيدنا يونس ظل يدعو قائلًا: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؟ كيف عندما يبتلعه حوت يكون من الظالمين؟ والسر أنه عصى أمر الله بأن رمي نفسه في البحر؛ فابتلعه الحوت؛ ليعلم أنه قد أخطأ في شيء ما، فيرجع عن خطئه.. وهنا نفهم لماذا إذًا يبتلينا الله.. إن الله يبتلينا عندما نخطئ، أو تزداد سيئاتنا عن حسناتنا، عندها، ونحن في وسط الابتلاء، علينا أن نعلم أننا السبب في هذا الابتلاء، ونبحث عن خطأ ارتكبناه أو ذنوب اقترفناها، ونرجع عن ذلك الخطأ، أو نستغفر عن تلك الذنوب، وندعو الله ونفعل ما في استطاعتنا، وأنه إن فعلنا ذلك، فورب السموات السبع والأراضين السبع، سيزول ذلك الابتلاء مهما كان.

وهذا هو المقصود بالقناعة أو الرضا، إن عليك أن ترضى، وتقنع بما ابتلاك الله به؛ لتعلم لماذا ابتلاك به، فتستغفر وتبدأ في تغييره، أما إذا لم تقنع ورفضت الوضع الذي أنت فيه، فمن المستحيل أن تستطيع معرفة لماذا هذا الابتلاء، وطالما لم تعلم سبب الابتلاء وتنهيه فسيظل الابتلاء موجودًا.

فالقناعه أو الرضا ليس المقصود بها البقاء أو الموافقه على هذا الوضع، وليس مقصودًا بها التواكل، فتدعو الله وأنت جالس مكانك، وحين تبتلى وتقول الحمد لله، فأنت تشكر الله على الابتلاء؛ لأنه جاء لينبهك على خطأ، أو معصية ترتكبها، فبعد هذا الابتلاء ستستطيع ان تصحح خطأك أو تمحو من سيئاتك، وهذا يقودنا إلى تفسير حديث من أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – حينما قال: داووا مرضاكم بالصدقة. فما العلاقة بين المرض والتصدق؟ الإنسان حينما يمرض، فهذا ابتلاء لينبهه أنه أخطأ وأن سيئاته كثرت، فإذا قام بالتصدق غلبت حسناته على سيئاته، فرفع الله عنه البلاء.

هنا يطرح سؤال هام.. هل يتعارض ذلك مع القضاء والقدر؟ وهل يتعارض ذلك مع ما كتبه الله لنا؟ كيف عندما يصيبني شئ او يمنع عني شئ ان افرق بين ما هو مكتوب وما يمكنني تغيره؟

والحقيقة أن المكتوب لا يحدث حتى تفعله أنت، بمعنى أنك اليوم مبتلى بشيء ما.. وأنت غير مطلع على القدر، أو ما هو مكتوب، فتعلم أن هناك احتمالين: الأول أن يستمر هذا البلاء، والثاني أن يزول.. فكيف يعرف من يقول لك أن ترضى وتقبل به على هذا الوضع أنه سيبقى معك، ولن يزول؟ الحقيقة أنه لا أحد يعلم، ولكن نحن من نختار، إن اخترت أن أغير هذا الوضع، حينها سيكون المكتوب أنك اخترت أن تغير، وقد غيرت، وإن اخترت أن تبقى على هذا الوضع، فسيكون المكتوب أنك اخترت أن تبقى، ولا تغير، ففي النهاية أنت المخير أيضًا.. بمعنى آخر: إن الله من قدرته يعلم ماذا ستختار سلفًا قبل أن تختار، وقد كتبه، وانتهى الأمر، ثم تأتي انت لتنفذ ما قد علم الله أنك ستفعل.. فهنا لا يجبرك الله على شيء، ولكن أنت من تختار في النهاية، فالقضاء والقدر هما قضاء الله وقدره، وقد قضا الله وقدر من قبل خلق الإنسان أو الدنيا أن يكون الإنسان مخيرًا.

ولكن هناك خط رفيع ما بين الثقة بالله والزهو بالنفس.. وهو أنك عندما تختار أن تفعل شيئًا، فلست أنت من يجعله يحدث، ولكن رغبت به فقط، ودعوت الله، وفعلت ما بوسعك، فسيتجيب الله لك فيحققه، فالإنسان يبقى الإنسان المخلوق لله، وبدون الله ينهار كل شيء، فتذكر دائمًا: إنما النصر من عند الله، وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى، فالإنسان ليس مسئولًا عن النتيجة، ولكنه مسئول عن السعي والبذل فقط، وأما النتيجة فهي على الله، وهي حقيقة ستحدث لا محالة، ومهما كان ما تطلبه من الله، فسيتحقق، طالما كان هناك عمل السيدة مريم ويقين السيدة هاجر، وكلما ضاقت الأمور أو لم تجد ما يمكن فعله وقتها. أعلم أن تحقيق رغبتك أسهل بكثير من أن يكون هناك الكثير لتفعله على عكس ما نظن، وسيظن البعض أنه كيف من المنطقي، إذا كنت في مشكلة، ولم أجد ما أفعله، أن الخلاص منها سيكون أسهل؟! وهذا هو مربط الفرس.. هذا ما يوقع الناس في خطأ اليقين غير الكامل بالله.. فيقول هذا ليس منطقيًا.. وأقول إن الله هو خالق المنطق، وهو قادر على تسخيره لك، وجعله ينفذ أوامره بتحقيق ما تريد؛ لأنك ستقول يا رب لقد فعلت كل ما أستطيع، ليس في غمكاني فعل غيره، يا رب وأنت القادر القوي على كل شيء، فحقق لي رغبتي يا الله.. هنا أنت قمت فعلًا بعمل السيدة مريم حين كانت في قمة ضعفها، ويقين السيدة هاجر التي كان من المنطق أن المكان الذي ذهبت للبحث فيه عن الماء مرة، ولم تجده، لا تعود له مرة أخرى، ولكن وثقت في الله خالق المنطق، وخالق كل شيء، والذي إذا وعد صدق، وإذا أعطى أكرم، واذا دُعِي استجاب.

فادعوه يستجب لكم …

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد