تعرف تونس أواخر هذه السنة انتخابات تشريعية ورئاسية، من المفترض أن يكون الفيصل بين المتنافسين فيها، كما هو الحال في البلدان الديمقراطية، للصندوق، وأن تكون أرضية التنافس بينهم هي البرامج المتعلقة بالتنمية وحقوق المواطنين ومصالح الوطن.

المؤتمر الوطني للحوار

تمكن التونسيون، بفضل ثورة الحرية والكرامة، من تحقيق عدة مكاسب سياسية، على أهمها حرية التعبير و التمتع بحقوق المواطنة في الترشح والانتخاب، حيث عرفت البلاد أربع محطات انتخابية تم فيها التداول على السلطة بين أحزاب وشخصيات مختلفة بشكل سلمي.

أهلت هذه المكاسب تونس لتحتل المرتبة الأولى في مؤشر الديمقراطية وحرية التعبير.

هذا الترتيب وهذا التحول الديمقراطي جعل من التجربة التونسية محل إعجاب من قبل عديد المتابعين الدوليين وعنوان فخر واعتزاز عند أغلبية التونسيين، إلا أن استفادة النهضة، ذات المرجعية الإسلامية، من التحول الديمقراطي أقلق بعض أعداء هذا التوجه إقليميًا ومحليًا، وحاكوا المؤامرات ضدها وضد التجربة التونسية بالتبعية، ليعرف مسار الانتقال الديمقراطي منعرجات عديدة كادت تعصف به.

نخبة رافضة لقواعد الديمقراطية

فرز أصوات انتخابات 2011

اعتمد خصوم النهضة، للحيلولة دون فوزها بانتخابات 2011، كل الأساليب المتاحة، فشنت الحملات الإعلامية، وبثت الإشاعات المتعلقة بخطورة مشروعها المجتمعي واعتمدوا روايات نظام بن علي لتشويهها، كما ضخت أموال كثيرة لكسب أصوات الناخبين، إلا أن ذلك لم يحقق مبتغاهم وفازت النهضة بالانتخابات حينها.

فوز النهضة في انتخابات 2011، أصاب معارضيها بخيبة كبيرة فانطلقوا باحثين في سبل أخرى للإطاحة بها في الانتخابات القادمة أو حتى قبلها.

عملت الآلة الإعلامية المناوئة للثورة طوال فترة حكم ائتلاف الترويكا بقيادة النهضة على إبراز أخطائها، وخصصت مؤسسات الإعلام الخاصة والعمومية عملها لمعارضة الحكومة بصفة أساسية ووظف الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية الأكبر ، حيث عرفت البلاد ارتفاعًا مهولًا لعدد الإضرابات الذي بلغ 35 ألف إضراب خلال سنتين، كما تعتبر قلة خبرة الحكام الجدد لتونس وعدم انسجام الفريق الحكومي إضافة إلى تحفظ بعض القوى الإقليمية عن دعم التجربة، عوامل مساعدة للمعارضة في مواجهة الحكومة.

دامت فترة حكم ائتلاف الترويكا عمليًا من يناير (كانون الثاني) 2012 إلى يناير 2014، ورغم كل هذه الصعوبات، تشكل حول الحكومة حزامًا سياسيًا وشعبيًا ساهم في صمودها.

الإرهاب في خدمة أجندة المعارضة

جنازة شهيد من المؤسسة العسكرية

جنازة شهيد من المؤسسة العسكرية

كثف الإرهاب تحركاته خاصة في سنتي 2012 و2013 ، ليحصد أرواح شهداء من الأمنيين والعسكريين، إضافة إلى اغتيال شخصيتين سياسيتين من قيادة المعارضة، اغتيال الشهيدين شكري بلعيد في 6 فبراير (شباط) 2013، ومحمد البراهمي في 25 يوليو ( تموز) 2013، والذي مثل اللحظة الفارقة في تاريخ التجربة التونسية، حيث أصدرت المعارضة حكمها بتحميل النهضة المسؤولية السياسية على الاغتيالات.

لم تعترف قيادة النهضة بالمسؤولية السياسية تجاه انتشار الإرهاب في البلاد والاغتيالات السياسية نظرًا للجهد المبذول حينها لمواجهة العناصر الإرهابية ومحاربة الفكر المتطرف، حيث تم تصنيف أنصار الشريعة تنظيمًا إرهابيًا من قبل حكومة الترويكا بقيادة رئيس الحكومة الأسبق علي العريض القيادي البارز في حركة النهضة كما سبق التصنيف تأهيل للمؤسسة الأمنية والعسكرية ونجاحات في التصدي لمحاولات إرهابية.

تعللت النهضة في مواجهة خصومها أيضًا بمعطيات تاريخية متعلقة بالظاهرة الإرهابية في البلاد، حيث ردت تاريخ ظهور الإرهاب في البلاد إلى فترة حكم بن علي وإقصائه للنهضة وفكرها الوسطي، وأرجعت انتشار السلاح في البلاد إلى الفترة التي لحقت الثورة مباشرة، أي إلى حكومة محمد الغنوشي وحكومة الباجي قائد السبسي، حيث تم في حكومة الغنوشي تمتيع المشاركين في أكبر عملية إرهابية زمن حكم بن علي المعروفة بأحداث سليمان بالعفو التشريعي العام، وسمح الباجي قائد السبسي خلال الثورة الليبية بمرور السلاح بين البلدين.

ارتكاب النهضة لبعض الأخطاء في بداية توليها للحكم في التعامل مع الظاهرة السلفية وتركيز المعارضة وروافدها السياسية والإعلامية والنقابية والثقافية على هذه المسألة، جعل تبريرها لا يؤخذ بعين الاعتبار من قبل الناخبين وجعلها تسلم الحكم في مرحلة أولى، تطبيقًا لخارطة الطريق التي أقرها الحوار الوطني الذي نظمته منظمات المجتمع المدني للخروج من الأزمة التي عرفتها البلاد إثر الاغتيالات السياسية، إلى حكومة تصريف أعمال في يناير 2014، ثم تخسر المرتبة الأولى في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2014.

بالعودة إلى السلوك الانتخابي للتونسيين خلال انتخابات 2014 نلاحظ أن تحقيق الأمن والخوف من تواصل انتشار الإرهاب هو الهاجس الذي سيطر عليهم وهو المحدد في عدم تجديد عدد من الناخبين ثقتهم في النهضة ولجوئهم لحزب نداء تونس الذي فاز بالانتخابات التشريعية والرئاسية.

ركز نداء تونس خلال الحملة الانتخابية على الضدية مع النهضة وعلى اتهامها بالتساهل مع الإرهاب، وبنى برنامجه الانتخابي على تحقيق الأمن والتصدي للإرهاب، كما مثل تزامن بعض العمليات الإرهابية مع موعد إجراء الانتخابات عاملًا محوريًا في إرتفاع منسوب قابلية الناخبين لخطاب النداء وميلهم له في التصويت كما ساهم في نجاح خطة التصويت المفيد التي اعتمدها النداء، والتي دعا فيها معارضو النهضة إلى عدم تشتيت أصواتهم والتصويت له دون سواه من أحزاب المعارضة.

التوافق في مواجهة الإرهاب

نجح نداء تونس، بتحالف غير مباشر مع الإرهاب في الفوز بالمرتبة الأولى وبإيصال مرشحه إلى قصر قرطاج، إلا أنه فشل في الحكم دون النهضة التي حلت في المرتبة الثانية، قرر نداء تونس اتباع سياسة التوافق مع حركة النهضة للنجاح في الحكم وتخلى خلال فترة تحالفه معها عن مقولاته القديمة وتسابق أنصاره وقياداته لالتقاط الصور مع زعيمها، كما شهد لها مؤسس نداء تونس الباجي قائد السبسي بالديمقراطية و حضر مؤتمرها العاشر وأثنى عليها وعلى زعيمها الشيخ راشد الغنوشي.

تقلصت خلال فترة التوافق العمليات الإرهابية بشكل كبير كما عرفت المؤسسة الأمنية نجاحات عديدة في التصدي للإرهابيين.

الاستثمار في دماء الشهداء.

النهضة الحزب الأكثر استعدادًا لانتخابات 2019

في الوقت الذي يعيش نداء تونس ومعه بقية الأحزاب المعارضة للنهضة منذ مدة  صعوبات كبيرة تنظم حركة النهضة مؤتمرات التجديد الهيكلي لقرابة 300 مكتب محلي، حيث استطاعت استرجاع مكانتها باعتبارها الحزب الأقوى والأكثر تنظيمًا في البلاد ونجحت بالفوز في أول انتخابات بلدية بعد الثورة، عودة مكنتها من أن تحتل المرتبة الأولى في نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في أواخر 2019.

تحميل النهضة المسؤولية الجزائية عن الاغتيالات.. الخطوة الجديدة للمعارضة

هذا التقدم الذي حققته النهضة بالغ بعض مراكز سبر الآراء والمؤسسات الإعلامية في إبرازه كما لحقه حملة تخويف جديدة من النهضة وانتصبت محاكمات إعلامية المدعي فيها والقاضي هو مجموعة من المحامين أطلقت على نفسها اسم هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وقد وجهت هذه الهيئة للنهضة تهمة امتلاك جهاز سري متورط في الاغتيالات السياسية، مستهدفة جملة من قيادات الحركة زاعمة ارتباطها بالإرهاب وباغتيال الشهيدين.

لم تكتف الجبهة الشعبية باتهامات هيئة الدفاع عن الشهيدين بل تعدتها لتصريحات مباشرة من قبل الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وجملة من القيادات الأخرى يتهمون فيها النهضة بالتورط في اغتيال بلعيد والبراهمي.

أجابت حركة النهضة على هذه الاتهامات بأنها محاولة جديدة من خصومها للاستثمار في دماء الشهداء للحيلولة دون فوزها بالانتخابات ووعدت بكشف مغالطاتهم ومحاكمة كل من تورط في تشويهها.

عودة العمليات الإرهابية تزامنا مع الانتخابات

تتالت في الأشهر الأخيرة العمليات الإرهابية في البلاد، حيث تصدت قوات الأمن في عملية استباقية الى مخطط إرهابي في مدينة جلمة غرب تونس وتبنت المجموعات الإرهابية عملية ذبح راع في جبال مغيلة قرب مدينة سبيطلة وسط البلاد كما كشفت وزارة الداخلية مؤخرًا عن إفشالها لمخطط اغتيال 19 شخصية سياسية وإعلامية عن طريق رسائل مسمومة.

توقيت تواتر الأحداث الإرهابية وتقاطعها مع ارتفاع أصوات المعارضة المستهدفة لحركة النهضة تخوفًا من فوزها في الانتخابات يحيلنا إلى أحداث مشابهة قبل انتخابات 2014 ويجعلنا، وإن كان السياق غير السياق وموقع النهضة الآن غير موقعها في 2014، نتساءل هل يسعف الإرهاب المعارضة التونسية مرة؟

في رد غير مباشر على هذا السؤال أجاب رئيس مؤسسة سيغما كونساي  لسبر الآراء في رده على سؤال في إذاعة خاصة في تونس بأن إيقاف تقدم النهضة في نوايا التصويت لا يكون إلا بعد حصول عملية إرهابية كبيرة، على غرار ما حصل في 2014 بعد عمليات الاغتيال السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد