حينما انطلقت شرارة الثورة السورية في منتصف مارس (آذار) 2011 في دمشق، ثم بعد ثلاثة أيام، انطلقت على يد طلاب مدرسة صغار في درعا، حينما قاموا بكتابة شعارات معادية لنظام بشار، على جدران المدرسة.

ومن ثم قامت المخابرات العتيدة باعتقالهم وسجنهم، دون تقدير، ولا تفكير؛ إلا أن هؤلاء أطفال صغار بريئون لا يجوز في أي قانون – لا سماوي ولا أرضي – أن يسجنوا.

ولكن المخابرات الفاجرة، والمترصدة لأي حركة صغيرة، أو نأمة تصدر من أي مكان، تشي بانتقاد النظام ولو كانت بريئة، فإنها حالًا ترتعب، ويتزلزل كيانها، وتستنفر بخيلها ورَجلِها، وجيوشها وأسلحتها، حتى ولو كانت الحركة صادرة من أي مخلوق، حتى ولو كان كلبًا نبح ضد النظام.

ومن ثَمَ انتقلت هذه الشرارة إلى بقية المدن السورية، واحدةً تلو الأخرى، وكلها كانت بداياتها وانطلاقتها بشكل عفوي، وبريء دون تخطيط مسبق، من أي جهة كانت. وبإلهام من الله تعالى أراد لهم الخير، وأراد لهم أن يصحوا، وأن يستيقظوا، وينهضوا من سباتهم العميق، ويتحرروا من العبودية لعائلة الأسد.

وبالرغم من أن انطلاقة الثورة كانت سلمية خالصة، تعتمد على المظاهرات فقط، وأن ميليشيات الجيش والشرطة والشبيحة الاستبدادية،ج هي التي بدأت منذ اليوم الأول بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، الذين أخذوا يتساقطون في الشوارع بالعشرات والمئات.

واستمرت المظاهرات هكذا سلمية خالصة عدة أشهر، وتحمل الناس القتل، وصبروا عليه. إلا أنهم بعد ذلك نفذ صبرهم، وأثار ذلك حفيظة بعض العسكريين الشرفاء الأحرار، المتواجدين في الجيش الأسدي، وألهب حماسهم، وأشعل في قلوبهم الغيرة، والحمية لنصرة أهلهم، مما دفعهم إلى الانشقاق عن الجيش؛ وتشكيل ما يُسمى (الجيش الحر) لمناصرة الثورة، وحماية المتظاهرين من القتل.

وفي الوقت نفسه، بدأت تتشكل مجموعات مدنية عديدة، تشتري السلاح من مالها الخاص، للمشاركة في مناصرة الثورة، ومؤازرة الثائرين، والدفاع عنهم.

وهنا دبت الفوضى، وحمي الوطيس، واختلط الحابل بالنابل، وركب موجة الثورة كل من هب ودب، وأخذ الأشرار، والفجار، ومرضى القلوب، وتجار الدماء، يستغلون طيبة الثائرين، والمتظاهرين، وبساطة بعضهم، وغفلة بعضهم الآخر، ويزعمون أنهم مع الثورة، فيأخذون أموالهم بذريعة الدفاع عنهم.

وفي الوقت نفسه، كان ثمة شباب شجعان، مخلصون صادقون، أخذوا يدافعون عن أهليهم، دفاع الأبطال، ويضحون بأرواحهم، وبكل ما يمتلكون في سبيل ذلك. وقد أرسل لي أحدهم هذه الرسالة المعبرة أصدق تعبير عما كان يجري على الجبهات وفي ساحات الوغى:

«دكتور موفق أنا كنت سابقًا أحد قادات الفصائل في الثورة السورية، وكنت مستقلًا لا أتبع أي جهة دعم، ولهذا الأمر، لم نعد قادرين على العمل على الجبهات؛ لأن الفصائل المسيسة، والمسيرة من جهات الدعم، كانت لنا خصمًا مبينًا، وتمنعنا من أي محاولات تقدم باتجاه النظام.

ومثلي الكثير الكثير من القادة، التي أُجبرت على الاعتزال، والخروج من سوريا؛ لأننا لو لم نقتل على الجبهات برصاصهم؛ لقتلنا على أطراف الطرقات برصاص الغدر منهم.

دكتور موفق بعد مرور أكثر من عام ونصف على الثورة، كنا ننام في الجبال الوعرة، وننام بين الغابات، وبين الوحوش، ولا نخشاها. وكنا مجموعات قليلة، بعضنا ينام على الشريط الحدودي، والبعض في الغابات، كما ذكرت لك.

وكنا على تنسيق مباشر بيننا، ولا نختلف أبدًا، ولم يكن لدينا أي دعم مطلقًا، وبعد ذلك أتى إلينا بعض الضباط المنشقين، وبعض من عامة الناس، الذين توصلوا إلى أشخاص تدعمهم، وعرضوا علينا مبالغ مادية، قدرها أحد عشر ألف ليرة سورية، مقابل الانضمام إليهم نحن وأسلحتنا، والعمل تحت رايتهم وبشروطهم.

الكثير منا عمل معهم، وقلة قليلة من رفض، ومنهم أنا وأخي وبعض الأصدقاء. ولم يمضِ وقت طويل، حتى أتانا من يسمون أنفسهم الدولة الإسلامية (داعش) عملنا عملًا عسكريًّا مشتركًا، وكان يشمل أحرار الشام، وأنصار الشام، وجبهة النصرة، والكتائب المستقلة.

قمنا بمعركة ضخمة استمرت لمدة ٤٨ ساعة، وكان هناك تخاذل من أحد الفصائل المذكورة أعلاه، وخلال مدة ٢٤ساعة، استرد النظام كل ما قد حررناه بلمحة البصر، ودون مقاومة وحدثت البلبلة بين الفصائل، ولم يمض وقت كثير حتى بدأ (داعش) باغتيال القادات؛ كي يفرض سيطرته. ولكنه لم ينجح؛ لأننا علمنا بما يخططون، وقمنا بطردهم من تلك الأماكن، ثم أصبح الناس لا يعلمون أين هم، ولا مع مَن.

في كل يوم يظهر فصيل، أو لواء، أو منظومة جديدة، وكل منهم يقول: أنا وأنا، وكل منهم يصنع حدودًا لنفسه ومعسكرات.

الكثير من الإخوة محدودي الدخل، والذين شردهم النظام من بيوتهم، مضطرون للحاق بجهات الدعم؛ لإطعام عائلاتهم، والداعمون يمنحون رواتب لمدة شهر، أو اثنين ويوقفون الرواتب عنهم أربعة أو خمسة أشهر، وعندما تحدث خلافات بسبب هذا الأمر، تعود الرواتب لشهر او اثنين كي يسكتوا المقاتلين، ويبقوهم تحت السيطرة بقية الأمور».

هذه صورة مصغرة لما كان يحدث على أرض سوريا المغتصبة. ومثلها قصص كثيرة، طوال العشر سنوات الفائتة.

والآن إلام آل الوضع في سوريا؟!

الثورة لا تزال متأججة، وملتهبة في قلوب جميع الثوار تقريبًا، ولا يزالون يتوقون إلى تحرير بلدهم من الغاصبين، ويتطلعون إلى الرجوع إلى بلدهم؛ أعزاءً كرماءً أحرارًا.

ولكن العقبات الكؤود التي تحول دون تحقيق ذلك كثيرة، وهي كما يلي:

1- إن الثورة يتيمة الأب، والقائد الذي يحنو عليها، ويرعاها، ويقودها إلى النصر، وتفتقد إلى القائد العظيم المحنك، الذي يتمتع بشخصية (كاريزما) ذي القدرة الجاذبية، والقوة السحرية المسيطرة، والمهيمنة على الجميع، بحيث تدفع الناس من تلقاء أنفسهم، للسير وراءه، وهم مطمئنون إلى سلامة الطريق.

2- إن السوريين جميعًا لا يملكون من أمرهم شيئًا، ولا يستطيعون أن يتحدثوا باسمهم في المحافل الدولية، ولا أن يعبروا عن آرائهم، وإنما الذي يتحدث نيابة عنهم، دول الاحتلال؛ فهي التي تتصدر المشهد السياسي، والإداري. وتتكلم في المحافل الدولية عن الحل في سوريا، وهي التي توجههم، وتأمرهم أن يفعلوا هذا، أو لا يفعلوا ذاك.

3- ولقد تمكنت قوى الاحتلال من السيطرة والهيمنة على فصائل الثوار جميعًا تقريباً، وأجبرتهم على التوقف عن القيام بأي عمل عسكري، لتحرير ولو شبر واحد من سورية.

4- لذلك تعتبر الثورة من الناحية العملية قد توقفت إلى أجل غير مسمى. وأصبحت سوريا مقسمة إلى دويلات عديدة، والمحتلون هم الذين ينهبون خيراتها، ويديرون شؤونها. وأصبح السوريون أجراءً، أو خدمًا، أو عبيدًا عندهم، ليس لهم من الأمر شيء.

أمام هذه الصورة المأساوية الحزينة الأليمة لحال الثورة السورية العظيمة، ماذا يمكن أن نفعل لتصحيح مسارها، وإعادة ألقها، وبث الحياة في أوصالها، ودفعها إلى الانطلاق من جديد، لتحقيق أهدافها التي لأجلها قامت، ولأجلها سقط مئات الآلاف من الضحايا، وتشرد الملايين.

وبما أن جميع الهيئات والمجالس المحلية التي تنطق باسم الثورة، والتي بعضها يحظى باعتراف دولي – مثل ما يُسمى الائتلاف – لا تقدم للثورة أي خدمة، سوى البروباغندا الخداعية، التضليلية، والتخديرية بقصد الاستهلاك الإعلامي المحلي.

لذا يتوجب علينا أن نفكر جديًا بتشكيل هيئة أو تجمع – لا مشاحة في الأسماء – غايته الأولى والوحيدة، هي تصحيح مسار الثورة، وبعث الحياة في أوصالها من جديد. وبحيث يتشكل من المفكرين، والسياسيين، والعلماء، والإعلاميين، والناشطين، والعسكريين المنشقين، والمجاهدين الذين خاضوا غمار الحرب في السنوات السابقة، ولهم تجربة جيدة على جبهات القتال المختلفة.

شروط الانضمام للتجمع

1- الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن الحاكمية لله وحده – وليس للبشر – وأن دستور الدولة هو القرآن والسنة.

2- الإخلاص، والصدق، والتفاني في العمل لله وحده، والتجرد من مطامع الحياة الدنيا، ومن الحرص على الجاه والسلطان، واستلام المناصب.

3- الإيمان الجازم بوجوب تحرير سوريا من عائلة بشار، ومن جميع أركان نظامه، الجيش، والمخابرات، والشرطة، والشبيحة (البلطجية) وأخواتها.

4- وتحرير سوريا من جميع قوى الاحتلال التي دخلتها من بعد 15 مارس (أذار) 2011.

5- الإيمان اليقيني بوحدة التراب السوري كله، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وكل شبر حرره الصحابة بدمائهم، بقيادة خالد بن الوليد، وإعادته موحدًا كما كان قبل مؤامرة سايكس بيكو.

6- الإيمان اليقيني الجازم بأن التحرير لن يكون إلا عن طريق الجهاد في سبيل الله، وباستخدام السلاح، مع اعتماد حرب العصابات، وليس عن طريق المفاوضات، ولا قرارات ما يُسمى الأمم المتحدة.

7- السمع والطاعة الكاملة للمسؤول في العسر واليسر، والمنشط والمكره، مع إمكانية مناقشة أي قرار يصدر من الجهة المسؤولة، والاعتراض عليه، بروح الأخوة والحب والمودة، دون التجريح أو الإساءة لأي فرد، وحينما يتم اعتماده بالأغلبية، فيجب الخضوع له بشكل كامل.

8- خضوع أي مسؤول للمحاسبة الدقيقة، عن كل شاردة وواردة – سواءً أكانت مالية، أو إدارية، أم سياسية – أمام الجميع، وبدون أي تحفظ، وتبيان الحق للجميع، بدون أي تستر، أو تحيز، أو مداهنة، أو مجاملة.. فالحق أحق أن يُتبع.

9- الانضباط الكامل مع رفضٍ قاطعٍ وبات، للقيام بأي تصرف فردي – سواءً أكان تصريحًا إعلاميًّا، أو سياسيًّا، أو القيام بعمل عسكري منفرد.

10- الالتزام الكامل بالنظام الداخلي والخارجي لهذا التجمع، ولكل ما يصدر عنه من قرارات، وأوامر، وتعليمات دون تردد ولا تلكؤ.

تلك عشرة شروط كاملة، ذلك لمن أراد أن يُثبت أنه مع الثورة، وأنه حر طليق حقًّا، وأنه يريد أن يعيش عزيزًا كريمًا، وأن يكون له نصيب في دخول الجنة، فعليه أن يبادر للانضمام إلى هذا التجمع.

وأما الذين يريدون أن يبقوا مشغولين في التغريد على الشبكة، ويحسبون أنهم مهتدون، وأن تغريداتهم ستحرر سورية، فليعلموا أن الشيطان سول لهم، وأملى لهم، وهم في الآخرة من الخاسرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد