كثيرون يسولون لأنفسهم آراءً وأفعالًا تحت ذرائع وأسس شتى، مع علمهم وعلم من حولهم بأنها أعذار واهية لا ترقى لمستوى أن يتحجج بها الأطفال! لكن ما يحصل اليوم يؤكد بأن ما نعانيه هو الانعكاس الطبيعي لتسيد ثقافة الجهل، حين تسيد الجهلاء على كل ما هو مهم وحيوي من مفاصل في بلادنا.

مع شيوع ثقافة الانتهاك والتهجم، وتأطيرها بشكل محترف طوال السنوات الماضية، كان الإعلام بوسائله المتعددة واحدًا من أبرز دلائل ذلك الشيوع ليس عن طريق الطارئين عليه، ممن وجدوا أنفسهم (صناع المحتوى الإعلامي) على غير استحقاق منهم فحسب، بل وحتى عن طريق من تستهدفهم وسائل الإعلام تلك، والمعنيون بهذا هنا هم الجمهور.

ولأن الجمهور يتأثر بما يقدم له عن طريق وسائل وصناع الإعلام؛ فقد لزم التركيز على ماهية تلك الوسائل، والقائمين عليها، والأسباب، والدوافع التي أدت بهم إلى الانزلاق في مستنقع البذاءة والانحطاط الأخلاقي والمهني.

اُبتُلِي الإعلام في العراق بعد 2003 بأن جرى عليه ما جرى تقريبًا على كل مقومات الدولة، وسلطاتها، ومؤسساتها الحيوية، يسير إلى حيث يصبح سلعة تخضع للعرض والطلب بأثمان باهظة، من قِبل أصحاب رؤوس الأموال من سياسيين، ومتنفذين، باعتباره جزءًا من مشروعهم المتنامي لإثبات الوجود، وتقوية نفوذهم السياسي، والاجتماعي، والثقافي. وبالطبع لم يكن لهم نيل ذلك، لولا وجود من جندوا أنفسهم خدمًا لمن يدفع أكثر.

ولأن العملية غير الأخلاقية هذه تحتاج إلى المبرر، ولأن نتاج من لم يكن همه سوى السيطرة وفرض النفوذ عن طريق التلاعب بالوعي الجمعي، وتزييفه، وتلاقى ذلك مع مصلحة من يلهث وراء الموائد، والمبالغ الضخمة، لن يكون سوى الابتذال، فقد روج هؤلاء لأنفسهم أن خطابهم ما هو إلا انعكاس وتلبية طبيعية لما يريده الجمهور!

ولتقوية هذه الحجة فارغة المضمون؛ تم العمل على نشر ثقافة الابتذال، وترسيخها عبر مشروع طويل ومكثف، يقوم على سلسلة من المنتجات الإعلامية في شكل برامج وأعمال فنية وإعلامية، تدس سم الابتذال والإسفاف ببطء؛ لإماتة الذائقة السمعية والبصرية للمتلقي، بالإضافة إلى تصدير مشاهد الغوغائية والصراخ، المملوء باللفظ السوقي المتدني.

ولأن الحقيقة لا بد لها من الظهور، ولو بفلتة، فإن تصنّع الوقار، والمهنية، والانضباط اللفظي والحركي، والمظهر الخارجي الرصين لدى مروجي ثقافة الابتذال ممن سطوا على لقب (الإعلامي) واضح؛ لأنه ليس جزءًا من تركيبتهم النفسية أو الفكرية، كي يكون تجسيدًا طبيعيًّا له صداه على أقوالهم وأفعالهم، فتراهم في تلك الفلتة يظهرون على حقيقتهم السوقية المبتذلة، تارة باستخدام إيحاءات حركية ولفظية في شكل مشاهد ساخرة، أو التحول لقطاع طرق يهددون خصومهم على الهواء، وأخرى تتكشف معها حقيقة استئجارهم من قبل أسيادهم لغرض المدح والتطبيل فقط!

لا حاجة لبيان بطلان حججهم في أن على الإعلامي الوصول إلى البسطاء بأيسر اللغات والسبل، وتجنب استخدام لغة تجعله معزولًا عن همومهم وتطلعاتهم، ذلك لأن البذاءة لم تكن يومًا انعكاسًا لثقافة الشارع، بل لأن الشارع وجد المحتوى الذي يحيط بمراكز استقباله السمعية والبصرية قائم على الشاكلة التي وصفنا، والأكثر سوءًا منها؛ لذا كانت النتيجة المنطقية أن يتمثل المتلقي بأقوال وأفعال من يتسيدون المشهد ويقدمون نتاجًا كهذا.

لم يكن الإعلام بقواعده المعروفة ليطلب من العاملين فيه الانحدار والتدحرج نحو الهاوية السحيقة، ليجرّوا معهم وعي المتلقي وذوقه، بل إن أبسط أدبيات العمل الإعلامي تحتم على العاملين فيه بذل الجهد لرفع مستوى الوعي لدى المتلقي، وتنشيط مراكز البحث والتحليل الخاصة له، وتحسين ذائقته اللفظية والفكرية، ولكن هل كان لمبادئ كهذه أن تجد صداها لدى أصحاب رؤوس الأموال المشبوهة وبائعي الذمم المهنية والأخلاقية في سوق النخاسة؟

من المؤكد أن مواجهة هؤلاء بحجج منطقية حول خطورة منهجهم الفوضوي المبتذل هذا لا تجدي نفعًا؛ لأنهم غالبًا لم يدخلوا معترك الفساد والإفساد عن جهل، وحتى أولئك الذين قد يطلق عليهم (المغرر بهم) لم يبذلوا جهدًا للعودة عن ممارساتهم، بعد أن تكشف لهم واقع الحال الذي أصبح يحتم مواجهة المشروع الفوضوي بآخر مضاد، تتكاتف فيه الجهود لتشكيل إعلام قائم على الرصانة والمهنية والموضوعية، يكون همه الأساسي تحسين ورفع كفاءة وعي المتلقي، ونوعية المحتوى الذي يقدم له، تمهيدًا لعزل مشروع الفساد والبذاءة.

ومع التسليم بصعوبة هذا الطرح، وحتمية التفكير في كونه يفتح باب المواجهة المباشرة مع خصم لا علاقة له بالنزاهة، وشرف الخصومة المهنية في شيء، إلا أن سمو الهدف وبعده الإنساني والجماهيري يجعله أمرًا قابًلا للتحقق، ولو بعد حين، وإلى ذلك نتطلع جميعًا بالأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد