هل يمكن أن نعيش بلا دولة؟

دفعني إلى كتابة هذا المقال ما رأيت فى الآونة الأخيرة أن بعض الصوماليين يعتقدون أنه يمكن العيش بلا دولة، وأن عدم وجود الدولة أفضل من وجودها، وأن الحياة لا تتوقف لعدم الدولة، وهذا غريب بالنسبة لي ولكل من له عقل وحكمة، لأن الله سبحانه وتعالى فضل الإنسان على الحيوانات فى ميزة العقل ليفكروا به، لأن العقل مناط التكليف، وكلف الله الإنسان بعمارة واستخلاف الأرض، لا لتخريبها وتدميرها، نحن لسنا كالحيوانات فى الغابة الذين يحكمهم منطق القوة.

والمؤسف جدًا أن بعض المفكرين وصفوا الصومال ببلد المعضلات تمامًا مثل حيوانات الغابة، بيد أن الذئب لا يأكل لحم ذئب آخر، ونحن نأكل بعضنا بعضًا عيانًا، وحتى هناك بعض الحيوانات التي من الله عليها الحكمة مثل النحل التي تمتاز بالإنتاج وروح القيادة، ووهبها الله التنظيم وفريق العمل، وكذلك الغراب الذى علم الإنسان كيف يواري سوءة أخيه!

إن الاعتقاد بأن العيش بلا دولة ونظام مفهوم خاطئ وغير صحيح، وهناك عاملان رئيسيان لهذا المفهوم وهما:

العامل الأول: هو الجهل وعدم استيعاب كثير من أبنائنا المعنى الحقيقي للدولة بشكل صحيح.

العامل الثاني: هو وجود من لا يرغب في قيام دولة أبدًا، لأنه إذا قامت دولة قوية يفقد مصالحه الخاصة، وعلينا أن نتساءل إذًا:

هل يمكن العيش بلا دولة؟

وكيف تكون الحياة بلا دولة؟

وما هو موقف الإسلام من العيش بلا دولة؟

أسست عام 1960م أول دولة مدنية موحدة بعد استقلال جمهورية الصومال من المستعمرين الإيطالي والبريطاني، وانتخب أول رئيس مدني، وبعد تسع سنوات من الحكومات المدنية حدث انقلاب عسكري حيث ألغى العسكر الدستور والقوانين والأحزاب السياسية، وبدأوا يصدرون مراسم جمهورية لإدارة البلاد، وأصبح كل شيء تحت سيطرتهم، وبعد 21 عامًا انهارت الحكومة المركزية العسكرية فى الصومال عام 1991م على يد ثوار من الفصائل المعارضة الصومالية المسلحة.

وبعد سقوط الحكومة العسكرية، دخلت الصومال فوضى عارمة، ودُمّر كل شيء تقريبًا، المراكز الحكومية، والأماكن العامة، والبنية التحتية في البلد، وسيطرت الميليشيات العشائرية المسلحة جميع أنحاء البلاد، وكل جبهة قبلية سيطرت إقليمها، وعمت الفوضى في كل بقعة من الأراضي الصومالية.

الحروب تجري في شوارع المدن الصومالية تقريبًا، وليست هناك مستشفيات للجرحى والمصابين أثناء تلك الحروب التي عمت البلاد، وأهلكت الحرث والنسل، الجرحى والجثث في الطرق؛ ولم يكن أحد يهتم بها، الكل يحاول الخروج لنفسه من هذا المأزق المؤلم، والأمهات يضعن أولادهن في البيوت وتحت الأشجار؛ وذلك لعدم قدرتهن على الوصول إلى المستشفيات والعيادات الطبية لرعاية أطفالهن بسبب الظروف الأمنية الصعبة، وليس هناك طبيب متخصص، وأيضًا قلة أو عدم الأدوية والرعاية اللازمة، وكل هذه الأمور ساعدت على زيادة نسبة وفيات الأمهات والأطفال.

وأيضًا لم تكن هناك مدارس وجامعات يذهب إليها الطلاب لتلقي العلم؛ لأن المدارس والجامعات دمرت جزئيًا أو كليًا ونهبت أدوات المدارس والجامعات، وحُولت أماكن التعليم إلى ثكنات لمليشيات العشائر التي تقتل وتنهب وتشرد الناس مما أدى إلى زيادة نسبة الأمية في الصومال.

هذا هو الواقع الأليم الذي تربينا عليها وترعرعنا فيه ونحن صغار؛ لا نعرف ولا ندري أي شيء، بل كنا نرى ونسمع ما حولنا من أحداث، دون علم السبب الحقيقي وراء هذه الأحداث المؤلمة، ولم نتذوق بطعم دولة تلبي حاجتنا، وتشبع رغباتنا، وتسعى لاستقرار البلاد، وتدشن المصالحة الوطنية الشاملة، كل هذه الأمور أصبحت هباء منثورًا.

وعلماء الإسلام قديمًا وحديثًا اتفقوا على وجوب تنصيب الإمام للمسلمين وطاعته وتأييده، حتى نستطيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك لا يمكن بلا دولة إسلامية ذات شوكة، وزاد بعص العلماء أكثر من ذلك وقالوا إذا أصبحت بلاد المسلمين بلا إمام أو دولة خلال يوم واحد يأثم جميع من فيهم من المسلمين، وهذا دليل على وجوب إقامة الدولة، حتى تعيش الأمة الإسلامية بأمن وأمان، وحتى الصلاة تحتاج إلى إمام يؤم المسلمين فكيف بالأمور العامة؟ لذلك أول ما فعله المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليؤم المسلمين، ثم أصبح أول خليفة للمسلمين.

لذلك لا يكمن أن تعيش أمة بلا دولة ونظام، وكنا دائمًا نتمنى حكومة قوية ومنتخبة من الشعب تطبق القانون الإسلامي، وتحترم الدستور، وتحترم أيضًا حرية الرأي والتعبير، وتمنح الخدمة الأساسية للمواطن العادي البسيط مثل الصحة، والتعليم، والأمن، وتوفير الوظائف للمواطنين، والمياه الصالحة للشرب، والشؤون الاجتماعية مثل الرياضة والفن، وتطوير البنية التحتية للوطن، وتعمل على إعادة المؤسسات الحكومية والأماكن العامة التي دمرتها الحروب الأهلية، وتقوم بجمع الزكوات والضرائب، وتنفقها في الخدمات اللازمة، وتحارب الفساد والمحاباة، والقبلية الجاهلية، وتحرص أيضًا على إعادة اللاجئين والمغتربين الصوماليين من شتى أنحاء العالم؛ ممن فروا من ويلات الحروب الأهلية، وتعمل كذلك على إعادة العلاقات الدولية، وحسن الجوار، والاستثمارات الأجنبية، وجذب السياح، واستكشاف المعادن والبترول وتوريدها إلى كل أنحاء العالم.

ببساطة نحن بحاجة ماسة إلى كل هذه الأمور وغيرها؛ لكي نكون أمة ذات شرف وسيادة، تنافس دول العالم فى كل المجالات، حتى نطمئن ونستريح ما تبقى من عمرنا، وأن لا يقع أحفادنا فى الفخ الذي وقعنا فيه قبل عقدين من الزمن بسبب الفساد وسوء تدبير حكوماتنا السابقة، والتدخلات الخارجية السافرة اللتين وضعتنا بالمكان الذي نحن فيه الآن.

وأخيرًا نقول: ألا ليت الدولة تعود يومًا.. فنخبرها بما فعلت الفوضى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد