«لقد فشلنا»، كلمات كان أي وزير في البلدان التي تحترم نفسها وشعبها ليقولها، على الأقل قبل أن يرمي المنشفة تاركًا المكان لمن بعده، لكن الأمر مختلف في بلدي الجزائر، فليس لمسؤول حكومي أو وزير أن يخطأ، وهيهات هيهات أن يرمي المنشفة على قول فرعون «ما أريكم إلا ما أرى ما أهديكم إلا سبيل الرشاد» وليس للشعب المغلوب على أمره في بلدي إلا أن يصبر على الفشل بدل المرة مرتين، فصبر على الفشل وصبر على الاستمرار فيه بحلول هي أقرب ما يكون إلى تعميق المشكلة لا إلى حلها.

فسياسات الحكومات المتعاقبة (مع حضور نفس الوجوه تقريبًا) في الجزائر منذ الألفية الثانية تميزت دائمًا بحضور لغة الخشب كحل مفضل ووحيد للتعامل مع الآخر، بالإضافة إلى سياسة الهروب للأمام بدل سياسة الحوار البناء والانفتاح على كل أطياف المجتمع. والمشكل الاقتصادي المطروح في الجزائر اليوم لم يكن ليتفاقم إلى هذه الدرجة لو تم الاستماع إلى تحذيرات المختصين مع بداية ظهور بوادر الأزمة، ولم يكن ليأخذ هذا المجرى لو وجدت إرادة حقيقة، وتقبل للفشل في التسيير من طرف الحكومة، لكن هذا لم يحدث لأنه وببساطة في عرف أصحاب القرار، أي اعتراف بوجود للأزمة، هو بالضرورة اعتراف بالفشل في التسيير.

ولأن الوهم الذي صنعته الحكومة وأقنعت به نفسها وشعبها بأننا في أمان، ولن تطالنا التغيرات الاقتصادية العالمية، بدأ في الزوال مع السقوط الحر لأسعار البترول في الأسواق الخارجية، باتت الحكومة كالغريق المتمسك بالقشة، فكل الحلول مقبولة ما دامت لا تصورهم بمظهر المخطئين والفاشلين، وما دامت لا تذكر شيئًا عن أموال البحبوحة الاقتصادية، أيام كان البترول يسوق بـ120 دولارًا للبرميل. هذا التعنت هو أقرب ما يكون إلى مقولة ألبرت أينشتاين «من الغباء تكرار نفس العملية بنفس المعطيات وانتظار نتائج مختلفة»، فمن المفارقات الغبية أنه من كان في الحكم أيام البحبوحة المالية ولم يصنع بها شيئًا، هو نفسه من يقود الدفة اليوم والبلاد في أزمة اقتصادية خانقة. ومن السفاهة بمكان أن الذي يغلق اللعبة السياسية اليوم ويدعي الخبرة الاقتصادية في تسيير الأزمات، هو نفسه من تجاهل الأصوات المحذرة من الأزمة عام 2014، ولا زال يمارس الإقصاء بحق الكفاءات الوطنية من أجل حسابات ولائية ضيقة.

نستطيع أن نقول اليوم إن البلاد تمضي في طريق مجهول، فالحلول المطروحة من طرف الحكومة اليوم لا تعدو أن تكون آنية، وغير مدروسة على المدى المتوسط والبعيد، وفي أغلب الأوقات تكون حلولًا لسد أفواه المعارضين لا غير. بيد أن الوقت لم يتأخر على صناعة إجماع وطني للنهوض بالبلاد من مشاكلها، وهذا لا يتأتى إلا بالانفتاح على الآخر، والحوار اللامشروط مع الجميع، وأيضًا باستنفار كل الكفاءات الوطنية على تنوع خلفياتها. يكون أيضًا بوجود الإرادة السياسية الحقيقية لصناعة اقتصاد قوي خارج ريع المحروقات، يقوم على ما تتمتع به الجزائر من طاقات متجددة ومناجم وأراضٍ خصبة للزراعة ومناطق سياحية.

التجارب الإنسانية إلى زمن قريب، بينت أن الأزمات على ما فيها من سلبيات، هي في الغالب ما يصنع الرجال بل والحضارات، وتحمل معها إلى السطح جيلًا من القادة، يوقد ويوحد جهود الجميع، في صف واحد عنوانه العمل من أجل وطن أفضل، حيث لا انتماء فوق الانتماء إلى الوطن، ولا عصبية تعلو على التعصب لمصلحته. حيث الشعب واحد، والهدف واحد، والوطن واحد، فهل نرى هذا في الجزائر يا ترى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد