من أصعب الأشياء التي نواجهها بحياتنا أن نصطدم بالواقع، فكلنا له حياته في بداياته حيث النشأة والتربية والبناء الفكري للشخصية، بكل مقوماتها التي يقوم بإعدادها وفقًا لما حوله من بيئة نشأ بداخلها رغمًا عنه قطعًا، فلا أحد يختار مستوى معيشته ولا مستوى البيئة التي ينشأ بها، وإلا لاختار الجميع مستوى وبيئة واحدة وتفرغت باقي البيئات والمستويات المجتمعية المختلفة.

ولكن شيئًا فشيئًا نكبر ونخرج للحياة، لنتعرف على مناحيها المختلفة ونندمج ببيئاتها المختلفة وبثقافاتها ومفرداتها بكل ما فيها من مبادئ وتعاليم ومفاهيم، ربما تختلف تمامًا مع طبيعة المفاهيم والمبادئ التي تربينا عليها ونشأنا منها وتعد البناء التكويني لشخصياتنا المختلفة.

وهنا يحدث الصدام الفكري.

وحتى لا أتجول كثيرًا بين مختلف الطبقات والبيئات بتنوعها أحدد لحضراتكم ما أستهدفه هنا، وهو وجود طبقات يطلق عليها «شعبية» أو «عشوائية»، لما تقوم به من ممارساتها الخاصة التي تشكلت بها بحكم النشأة والبيئة التي فرضت عليها ولم تخترها بالطبع.

لكن للأسف نجد أنفسنا نعاقب هؤلاء على تصرفاتهم وأفكارهم وعاداتهم وثفافاتهم التي لم يجدوا بديلًا لها خلال فترة الإعداد الفكري والتكويني للشخصية، ولكنها فرضت عليهم مجبرين دون خيار منهم وأحيانًا دون رضاء أيضًا، مفردات وثقافة الواقع ما آلوا إليه.

فهل يجوز لنا أن نتهم هؤلاء بما لم يكن خيارهم بالأساس؟ بل قد يكون بدون رضائهم ولكنهم لا يجدون حلولًا أو بدائل يغيرون بها من أنفسهم؟ بالقطع لا، فقد تختلف الظروف ونكون نحن مكانهم وبنفس البيئة، وهنا أسمع شخصًا يرد من بعيد بعين المراقب لا طبعًا، لا يمكن أن أكون مكانهم، فإن كنت في مكانهم لغيرت الواقع وقمت بالبناء الفكري لشخصيتي كما أريدها فلن أسمح للواقع بأن يفرض عليّ ثقافة ومفردات أرفضها.

وهذا بالطبع كلام جيد، ولكنه يبقى كلامًا بلا تجربة حقيقية، فالتجربة والممارسة تختلف كثيرًا حال التطبيق بالواقع، وحتى نكون عمليين فدعونا نواجه الأمر الواقع.

ها نحن بصدد كمّ هائل من ذلك النموذج الذي أشير إليه، والذي تكمن كل علاقته بالدولة ومن بها من مواطنين وما بها من مؤسسات علاقة نفعية بحتة، فهم لا يريدون منها إلا الحصول على مطالبهم، ولا يعرفون فيها إلا الحكومة التي يجب عليها أن تحقق مطالبهم.

وللأسف لا يجدون على مر العصور من ينظر إليهم على أنهم مواطنون حقيقيون لهم حق كأي مواطن، وكل ما هم به بسبب سوء تخطيط وسلوك تراكمي لأنظمة كل علاقتها بهم ترسيخ مفهوم الانتفاعية لديهم، ويلقون اللوم كل اللوم على الأنظمة والحكومات وأصحاب الياقات البيضاء من «الباشوات والبكوات» المعروفين بالنخب، والذين يستقر بداخلهم أنهم يعيشون في كوكب آخر، ولا يعرفون أن هناك فئة شعبية تعيش بين الحشرات والقوارض وأكوام القمامة، وربما يكنون لهم شيئًا من الحقد والحسد أحيانًا، ولكنهم لا يعترضون، فقط لا يريدون أن يجور عليهم أحد أو يعتدي أو يتعدى عليهم أحد هذا كل حلمهم ومطالبهم.

فتارة يذهبون إليهم للدعم بالانتخابات لكسب تأييد بقاعدة شعبية مدفوعة الأجر، وتارة يستخدمونهم تحت مسمى ما يطلق عليه «المواطنون الشرفاء» لإظهار تأييد شعبي نظامي وهمي وهش، ولكنه يتفق ورؤاه الخاصة وأيضًا مدفوع الأجر، بدليل عدم وجودهم في مشاهد غير مدفوعة الأجر، فتترسخ بداخلهم العلاقة الانتفاعية المتبادلة بينهم وبين النظام القمعي الفاقد للشعبية الحقيقية، فهم كل وسائله لإظهار شعبية وهمية وهشة لا تنطلي على أحد قط.

بالإضافة لعلاقتهم بهؤلاء المحتاجين إليهم في بعض المشاهد لإظهار تأييد ودعم علني بقاعدة مؤقتة تنتهي بانتهاء أجر اليومية المدفوعة مسبقًا، وفي كل الحالات تنتهي العلاقة النفعية بتحقيق الغرض من المشهد وحصول الطرف الآخر على أجره المتفق عليه.

ولكن ألم نسأل أنفسنا يومًا لماذا تفعل هذه النماذج ما يفعلونه؟ ولماذا لا يترددون في الانغماس في تلك المشاهد المتكررة؟ ولماذا يتبادلون الأدوار من داخل نفس الأوساط بمرور الزمن وبتغيير الأنظمة والوجوه دون أن يحاولوا إعلان الرفض لما يقومون به؟ وهل هم من داخلهم يشعرون بالرضاء عما يفعلون وهم يسمعون نقد أفعالهم في كل مكان من حولهم ويعرفون جيدًا نظرة الناس لهم سواء من يتعاملون معهم أو يشاهدونهم ولديهم قناعة بتلك العلاقة الانتفاعية المجردة؟ وهل هم أصلًا بينهم من يرفض كل ذلك ويحلم بتغيير الواقع من حوله ليتغير هو بالتبعية؟

أسئلة نجيب عليها مع حضراتكم في الجزء الثاني للمقال إن كان بالعمر بقية.

*مع ملاحظة أن ردود حضراتكم ومشاركاتكم ستكون بناء المقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تغيير
عرض التعليقات
تحميل المزيد