العالم ليس بالسوء الذي يبدو عليه!

لطف الله الخفي، يحاوطنا، يدرك أي آثار نترك على الطريق، ويدرك أنه لولاه لكنا أخفقنا في حيوات كثيرة مرت من جانبنا دون أن نلتفت للطفها، دعني أحضر لك أكبر مشكلة في الحياة، أكبر تحدٍّ، كومة هائلة من الخيوط المتداخلة، خيوط زرقاء وحمراء وسوداء وبيضاء تزن طنًّا، أهناك أسوأ من ذلك، صدقني لو رأيت تلك الكومة ستكتئب، ولكن لطف الله الخفي يجعلنا لا نفعل ذلك، أيمكنني أن أناديك عزيزي؟ عزيزتي؟ لما لا تأتي معي في جلسة لطيفة على شاطئ بحر لطيف للغاية، أيمكنني دعوتك للغداء، شكرًا لأنك قبلت، سنصطحب معنا لطف الله الذي لا نراه ويحاوطنا ونصطحب معنا كومة الخيوط المتداخلة وسأحكي لك عنها في الطريق.

في صغري كنت دومًا ما أجد أن طاقتي أكبر من جهدي، كان لدي مخاوف كثيرة حول لا شيء، لا أعرفها، كنت أخاف دون داعٍ، وكنت أبحث عمن يقول لي كلمة طيبة أو يشعرني بأنني لطيف، كانت لدي عمة، رحمها الله، بكل اللطف الذي في الكون كله، تلغبط أمتارًا طويلة من الخيوط معًا وتخبرني:«محمد» أيمكنك مساعدتي؟ في فلك تلك اللغبطة، أنظر إلى الكومة وأشعر أنها تتحداني، كل الخيوط معًا كسرب من البجع الأبيض يخرج لي لسانه، يؤمئ لي برأسه أنني سأفشل في فك كمية الخيوط تلك، أنظر بجانب تلك الكومة من الخيوط فأجد مخاوفي، يأسي في صغري، حزني الذي لا أعرف سببًا له، شوقي لأبي، حنيني لمن يظهر لي أن كل المر سيمر، كنت عنيدًا دومًا، عنيدًا بشكل كبير، أنا مواليد برج الثور، والثور عنيدون للغاية، بجانب ذلك العند القابع بجانب كومة الخيوط تلك يقبع لطفان، لطف الله الخفي الذي يريني كيف أفكك تلك الكومة من الخيوط التي تحتوي كل مشاكلي، ولطف عمتي، رحمها الله، الذي يساندني إن أخفقت حتى في فك تلك الكومة.

هل يمكنك أن تساعدني، شكرًا للطفك، لا تهلع من منظر الكومة، كل الخيوط والمشاكل في الأخير تتشابه، أنت تملك من لطف الله الخفي مثلما أملك، تملك عينًا ألطف من عيني، وتملك يدًا ماهرة عني، لم أكن يومًا موفقًا في أي عمل يتطلب استخدام الأيدي، كانت عمتي تعرف ذلك وتمنحني المهام التي يمكن أن أؤديها بعقلي، لم أكن أعلم كيف أستخدم يدي بالشكل الذي يستخدمه الآخرون، ولكنني حاولت، هل يمكنك أن تشد خيط الحيرة ذلك، شكرًا لك، والآن مرر لي طرف الخيط الأزرق، ولنأخذ بفرع خيوط الهم بعيدًا، تبدو الكومة كبيرة أليس كذلك، الحياة كذلك، مرة وصعبة ولكنها لطيفة، ومحبة لنا، لطف الله الخفي يمررها علينا، يجعلنا نشعر بأنها سهلة وهينة مهما بدت أنها عصية على الفهم ومستحيلة على الحل.

أيام طوال كنت أقضيها في حل خيوط تلك الكومة من الخيوط المتشابكة، وأفرز كل فرع بشكل منفصل، كانت تستغرقني الكومة بشكل مريب، أغرق فيها، أتعلم الصبر حرفيًا، أتعلم كيف أشد تلك الخيوط بعيدة عن بعضها البعض، أكوم أطراف الخيوط في أماكن منفصلة عن بعضها البعض، تشد الخيوط البجعات بفمها لتعيد لغبطتها، ولكنني عنيد أكثر منها، فأعيد فصلهم مرات كثيرة، أنجح في مرات كثيرة وأخفق وأعيد عملي في مرات كثيرة ولكن لا أستسلم، لطف الله الخفي يجعلني أتقبل استسلامي، ولطف عمتي يؤكد ذلك، ولكنني أطمح إلى أن أيسر كل الخيوط لها كي تعمل.

تتشابك كثيرًا مرات فصلي للخيوط، تتشابك الألوان، لكنني أنجح في فصل الألوان عن بعضها البعض، أنجح في معرفة مداخل الخيوط ومخارجها، لأعرف أن العالم ليس بالسوء الذي يبدو عليه، أنت لا تعرف مشاعر اللطف الذي يحتويك عندما تنجح في فك كومة من الخيوط التي كنت أنجح في فكها في صغري، كانت عمتي، رحمها الله، تطلق علي حلال المشاكل، كنت أضع خطة لطيفة كأنني ألاعب سرب البجع بكامله في شطرنج على سطح ماء متحرك لا يتوقف عن الاهتزاز، صدقني المتعة الخالصة التي تنتابك مع لف آخر خيط وآخر لون في تلك الكومة ستمنحك شعورًا لن يمنحك إياه طنًّا كاملًا من الهيروين، ولا أي مخدر معروف، نشوة خالصة في أنك أتيت على سرب البجع هذا بنفسك، بأيديك نجحت في فك خيوط كومة مكونة من أكثر من 10 ألوان، وتحتوى على خيوط عديدة، الحياة ليست بهذا السوء أليس كذلك؟

مشاعر المودة تدوم أطول!

كم كيلومترًا بيننا الآن؟ لا أعرف ولن تعرف، قد أكون أقرب ما أكون لك، وقد نكون أبعد شخصين عن بعضنا البعض في المسافة، لا أحد يدرك، اللطف الخفي يجمعنا، المودة التي تجعلني أدعوك على غداء افتراضي وأصطحبك إلى مكان خلوتي، دومًا ما كان من يعرفني يخبرني بأنني عملي أكثر من اللازم وأنني لا أتقن الكلام المعسول ولا اللطيف، كنت دومًا ما أرى في الكلام المعسول واللطيف أنه لا طائل منه ولا عائد من ورائه، كنت أخبر عمتي بأنني أحبها وأقدر صنائعها عن طريق فك كومات الخيوط، إطعام الطيور، تنفيذ نصائحها، تلك هي محبة خالصة.

دعني أخبرك بأن مساحات المودة المزروعة بيننا الآن، تطول في كل لحظة، رسائل اللطف التي لا نعرف أصحابها تنمو في كل دقيقة لتخبر أصحابها بأننا نود لهم الراحة واليسر في الحياة، قد أطلب منك أنا عزيزي في لحظات الغزل أن تساعدني وتمد لي يدك كي تساندني في فك لغبطة حياتي ومشاكلي، وقلقي، قد أطلب منك أن تمسك بطرف خيط الحقد كي أستطيع أن أتنفس ولو قليلًا، تنمو شباك المودة خارج قلبي وخارج روحي، تخبرك بأن هناك من يرسل لك لطائف وخبايا سروره ليخبرك بأن الحياة أجمل معًا وأن اللطف عندما نتشاركه يصبح عالمًا لا يتوقف عن النمو أليس كذلك؟

طيور القلق تأكل من الروح أجمل القطع، طيور القلق تباشر الهبوط فوق مراوح الروح فلا نستطيع التنفس، لا داعي لكي تطعمها من يدك، تعال معي شاركني الغناء في ذلك المكان المهجور من الشاطئ الذي لا يصله بشر، شاركني الابتسامة، مشاركتنا لابتسامة الآخرين شيء جميل، رسم الابتسامة شيء جميل، مشاعر الغضب تخلف الندم، وتنتهي في وقت مثل رمشة عينك التي رمشتها الآن، مشاعر المودة تطول كثيرًا، لا تنتهي، كلطف الله الخفي، ابتسم، فكل لطف العالم في ابتسامة مثل تلك.

عليك أن تحرص على أن تروي في كل يوم مساحاتك الخضراء المرزوعة مودة، ولطف، وأن تقص مشاعر الكراهية والغضب، أن تمارس الرياضة لروحك، تساعدها على أن تنتفس، تبتهج، تساعدها على أن تنمو أحبال وأغصان روحك، سلام الله عليك وعلى روحك وعلى كل هذا اللطف الذي في داخلك.

لنفترض أننا التقينا عزيزي أو عزيزتي في يوم ما وفي مكان ما، صدفة، سألقي عليك وعلى روحك السلام وسأحضر معي كومة من خيوط متشابكة، تحوي كل مخاوف الآخرين ومشاكلهم، وبغضهم وغضبهم وحقدهم، يحوي شرورهم المتداخلة، ونياتهم المتداخلة، وسأحرص على أن أعمل يدي بيدك على فك تلك الخيوط المتشابكة خيطًا خيطًا، سأساعدك على أن تفصل الخيوط والهموم، الشكاوي والمشاكل، الآهات والزفرات الحارة، الدعوات القلبية، والأرواح المثقلة، أنا تمرست على فك تلك الخيوط وأعشق تلك اللعبة، أسراب البجع لم تعد تخشاني ولم أعد أخشاها، بتنا نعيش في سلام، بت أنا سرب البجع، وباتت الخيوط مثل تعريشة تساعد اللطف الخفي في النمو والانتشار، لطف الله الخفي يا عزيزي يحاوطنا ويحمينا، أتمنى أن تكون رسالتي لطيفة بما يكفي لفك كل خيوط كومتك، وإن لم تكن فالسطر القادم كفيل بذلك.

«اللهم امنحني السكينة لأتقبَّل ما لا أستطيع تغييره، والشجاعة لأغيَّر ما أستطيع تغييره، والحكمة لأعرف الفرق بينهما».

صلاة السكينة أو الصفاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد