كل يوم تستيقظ لتجد أنك ما زلت تنظر من هاتين النافذتين اللتين تعرفهما باسم عينيك، تنظر نحو العالم والمادة من حولك. أشياء تعرفها وتحفظ لها مسميات بلغتك، وأشخاص مثلك يقبعون في دوائر بالقرب منك حتى تتسع الدوائر وتصير هناك ملايين الوجوه من الغرباء الذين لا تفسير لهم في ذاكرتك.

أتساءل بعد هذه الأفكار المجردة؛ هل أعيش الحقيقة حقًّا؟ أيًا كانت الإجابة، إيجاب أو نفي، فمن الذي بيده أن يؤكدها لي؟ ما أراه وأما أمسه يوميًا، هل تعريفه بداخلي يحمل الصفات ذاتها لدى غيري؟ التعريف أي الحقيقة كما أظن، وليس المسمى. كلنا نطلق مسمى موحدًا على كينونة ما، بلغات عدة نعم، ولكن تعريف موحد، بينما يراها كل منا بعينيه دون دليل ملموس على وحدتها.

ولمزيدٍ من الإيضاح لفكرتي؛ فإنك في تفاعلك مع الموجودات تحفظ دورك جيدًا، تعلم ما عليك فعله وما لا يجب القيام به، للحفاظ على مادتك. بينما تندمج مع مجموعة من البشر وتعيش متفاعلًا مع أحداثهم وبالرغم من ذلك تظل أنت محور كونك.

ماذا لو فقدت الاتصال والتواصل والفهم والاندماج؟ صرت غريبًا فجأة لا تدري ما هذا؟ أين ولماذا؟ ما أنت، وجودك، الناس من حولك، الماديات، المشاعر، التكنولوجيا، الطبيعة، اللغات. ماذا لو اختفى التفاعل من حولك في لحظة وتوقف الإرسال، تصبح مجذوبًا؟ يُطلق عليك غيرك ممن يمتهنون مهنة وضع تعريفات للحالات النفسية أو العقلية أنك مصاب بالذهان. لأنك اختلفت عن الموجودين، المعتادين، ذهنيًا.

هذا التواصل مكتسب ومتوارث، وليس متطابقًا من منطقة جغرافية إلى أخرى، قد يتشابه ولكنه لا يتماثل مطلقًا. ويبتعد أحيانًا في مسافات الاختلاف تبعًا لمكان المولد. بداية من اللغة، وحتى طريقة التعبير والعادات والملابس وكل الملموسات التي هي في الحقيقة أمر بيئي مكتسب.

3.2% من سكان العالم هم من المهاجرين، و2% فقط يغيرون أديانهم، أي أن الإنسان في معظمه خاضع للموروثات راضٍ عنها، وهي تمثل له الأمان والحق والحقيقة والهدوء النفسي؛ أي أن ما ترثه من أجدادك بحكم الجغرافيا، هو ما تعيش به دون تغيير تقريبًا، وهو ما تؤمن به، وما تنادي به، وتحث غيرك على التمسك به. وأنت لا تنفصل عن ماضيك الذي ترسخ فيك في طفولتك الأولى إلا بصعوبة شديدة، وكأمرٍ نادر يحدث مع نسبة ضئيلة من البشر.

من هذا المنطلق فإن التحرر أمر صعب للغاية، ويُمثل عبئًا وثقلًا على الإنسان. التحرر لا يعني الحياة الحرة، بل يعني التفكير في كل أمر قبل القيام به، هل هو نابع من داخل الإرادة الحرة لك أم هو فعل متوارث تعودت عليه وارتحت له. هذا التحرر يتطلب مجهودًا، ومقاومة شديدة، حتى لو أرجعك في النهاية لأن تسلك سلوكًا مشابهًا لما توارثته في سنوات عمرك الأولى.

وبالرغم من ذلك فقد مر تاريخ البشرية بعدة ثورات تدعو للتغيير كان لها أثر محوري في تحويل مسار البشرية وتغيير مراكز القوى، على سبيل المثال حين بزغت أديان جديدة وانتشرت وتم محاربتها ثم انتصرت ثم حاربت من يقف في طريقها أو ينتهج نهجًا مخالفًا لها. أو الثورات السياسية التي أعقبتها الحروب، والاحتلال الذي قامت ضده الثورات فأعقبها جلاء ثم خراب في تلك البلاد أكثر من الذي كان موجودًا أثناء الاستعمار، أو الهجرة الجماعية لمجموعات عرقية بالكامل إلى مناطق مغايرة. إذن فشرارة التغيير الجذري قد تبدأ من شخصٍ واحد فيتبعه الملايين، مغيرين من موروثات الأجداد ومُحدثين تحولًا في النفوس يجعل الحقيقة أمرًا مختلفًا لفترة من الزمن حتى يتوارث أبناؤهم ما غيروه ويتحول إلى موروثٍ جديد.

ربما كان ذلك في الماضي أكثر وضوحًا وأكثر تأثيرًا وقوة. فهل استقر العالم الآن على عدم التغيير وعلى الرضا بالاستقرار النسبي الآمن؟ الفقير يزداد فقرًا والغني يزداد غناءً وافتراءً وظلمًا؟ وهنا أقصد الدول وليس الأفراد. فأصبح الوعي الجمعي للمجتمعات خاملًا ساكنًا ضعيفًا مستسلمًا، يصعب تغييره ولا قائد له إلا الماضي القريب البعيد.

ماذا عن المستوى الفردي، أين أنت من موروثات طفولتك وأجدادك؟ ما النسبة التي تغيرت فيك حين أصبح وعيك كاملًا وقدرتك على التغيير في يدك؟ هل هي حقًّا في يدك؟ أم أن ما زُرع فيك أقوى منك؟ لو كانت إجابتك أنك لم تتغير كثيرًا؛ فهذا يعني أنك واحدٌ من الأكثرية المطمئنة لكونها تعلم الحقيقة جيدًا، وتؤمن أن ما توارثته أيًّا كان؛ هو الحق المطلق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد