الإسلام ضد الاستبداد!

يرفض الإسلام وبشكل قاطع في كل نصوصه وتعاليمه الاستبداد والظلم، ويرسي قواعد العدالة؛ فقد حرر الإسلام الإنسان من كافة صور العبودية لغير الله تعالى، وربعيُّ بن عامر رضي الله عنه يعبر عن هذه الحالة لرستم قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ فقال له: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»، بل قرر عدد من العلماء المجددين إثبات «مقصد الحرية» كمرجع كلي تعود إليه الأحكام والأنظمة في الشريعة باعتباره من المقاصد الكلية التي يتشوق الإسلام لتحقيقها في دنيا الناس ليبلغوا آخرتهم غير مبدلين ولا مغيرين؛ ولهذا منعت الشريعة كل اعتداء وجور على حرية الآخرين؛ وجعلت الظلم من أعظم الكبائر التي تؤذن بخراب العمران، وزوال النوع الإنساني كما يقول ابن خلدون في مقدمته:

«واعْلَمْ أنَّ هذهِ الحِكمةَ المَقصودةَ للشَّارعِ في تحريمِ الظُّلْمِ، هُوَ ما يَنْشَأُ عنه من فَسَادِ العُمْرَانِ وخَرَابِهِ، وذلكَ مُؤْذِنٌ بانقطاعِ النَّوعِ البّشَرِيِّ، وهيَ الحِكمةُ العامَّةُ المراعِيَةُ للشَّرْعِ في جَميعِ مَقاصِدِهِ الضَّرُورِيَّةِ الخَمْسَةِ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ والنَّفْسِ والعَقْلِ والنَّسْلِ والمَالِ. فلمّا كانَ الظُّلْمُ -كما رأيتَ- مُؤْذِنًا بانْقِطاعِ النَّوعِ لِمَا أَدَّى إليهِ مِن تَخريبِ العُمْرَانِ، كانَتَ حِكْمَةُ الخَطَرِ فيه موجودةً. فكانَ تحريمُهُ مُهِمًّا، وأدلَّتُهُ من القرآنِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، أكثرُ مِن أَنْ يَأْخُذَها قانونُ الضَّبْطِ والحَصْرِ».

وفي واقعة معاوية بن أبي سفيان بأمره تولية الخلافة لابنه يزيد من بعده، وقف علماء الصحابة من هذه الظاهرة الغريبة المفضية إلى الطغيان موقفًا قويًّا، وأنكروا على معاوية رضي الله عنه؛ ومن ذلك أن عبد الرحمن بن أبي بكر قطع خطبة معاوية، وقال له: «إنك والله لوددت أنا وكّلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردنّ هذا الأمر شورى بين المسلمين أو لنعيدنها عليك جذعة ثم خرج».

ولما قال مروان ابن الحكم في بيعة يزيد: «سنة (أبي بكر) الراشدة المهدية»، رد عليه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: «ليس بسنة (أبي بكر)، وقد ترك أبو بكر الأهل والعشيرة، وعدل إلى رجل من بني عدي؛ أن رأى أنه إلى ذلك أهل ولكنها هرقلية»،

ولما كلم معاوية رضي الله عنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه في أمر استخلاف ابنه يزيد، قال له ابن عمر رضي الله عنه: «إنه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء، ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وأنت تحذرني أن أشق عصا المسلمين، وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل، إنما أنا رجل من المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم».

يقول ابن كثير: «لما أخذت البيعة ليزيد في حياة أبيه كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عمر وابن عباس».

وقد كان امتناع هؤلاء الصحابة، وهم أعلم الناس في زمانهم لعلمهم الأكيد بآثار الاستبداد على الأمة، وخطره عليهم، بل وصل الأمر إلى الخروج المسلح بعد وفاة معاوية رضي الله عنه، ولم تستقر الدولة ليزيد، وقد استمر الخروج المسلح على الاستبداد زمنًا طويلًا؛ إن هذه المواقف القوية ضد الاستبداد تدل على بطلان نسبة إقرار الاستبداد إلى الدين، فإن الدين لم يأمر بالتغلب والظلم، بل أمر بالشورى «وشاورهم في الأمر» [آل عمران/159]، «وأمرهم شورى بينهم» [الشورى/38]. وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن الولاية العامة لا تكون إلا بشورى ورضى من الأمة، وهذا ما كانت به الولاية لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

والإمامة لا تتم إلا بالبيعة، وهي عقد من العقود، وقاعدة الشريعة الإسلامية في العقود هي ضرورة رضى المتعاقدين، وهي من جنس الوكالة؛ فالحاكم وكيل عن الأمة في تطبيق أحكام الإسلام، ولهم خلعه إذا خالف مقتضى العقد بالكفر أو الظلم؛

وقد يظن البعض أن النهي عن الخروج على الحاكم حتى لو كان متغلبًا ومستبدًا يدل على تبرير الاستبداد، وهذا الظن غير صحيح، لأن النهي عن القتال معلل بأنه فتنة تسبب الفرقة وشق عصا المسلمين، والمعادلة بين الاستبداد مع خطره وطغيانه، وبين القتال الذي يراق فيه دماء المسلمين ويفرق كلمتهم تجعل الصبر على الاستبداد مع مقاومته بالاحتساب خيرًا من القتال لأنه أقل ضررًا، فمعصية القتال أكبر من معصية الاستبداد، ولهذا جاء في الحديث: «وإن تأمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا وأطيعوا» رواه البخاري، وقوله: «تأمر» يعني أمر نفسه دون رأى منكم.

وهذا لا يعني تبرير الاستبداد والظلم، فمقاومته بغير القتال ما تزال قائمة في الدين، وهو باب عظيم ويعد من أركان الإسلام وهو باب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

فترك القتال لمصلحة الأمة لا يعني إقرار الاستبداد إذا اقتصر على تفرده بالسلطة مع إقامة شعائر الدين، وتطبيق أحكامه، ولهذا لو أمكن خلع الحاكم المستبد دون قتال وفتنة لكان ذلك واجبًا، لأنه رد الأمر إلى أهله؛ وقد استمر الاستبداد في الأمة من زمن الدولة الأموية وإلى الدولة العثمانية، وقد جاءت آثاره تدريجيًّا في الأمة إلى أن استحكم ووصل لذروته اليوم.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاستبداد
عرض التعليقات
تحميل المزيد