يعيش السكان الأصليون في أي منطقة ما، لا سيما المحتلة منها، على مبدأ «من ليس له ماض، ليس له حاضر ولا مستقبل»، وهذا ما يؤمن به الفلسطينيون الذين سلبت أراضيهم، ويحاربون المحاولات لسلب تاريخهم الكنعاني الطويل؛ حتى استطاعت فلسطين الفوز بالعضوية الكاملة في منظمة التربية والتعليم والثقافة «يونسكو» في عام 2011، وذلك يسمح لها بالدفاع عن تاريخها، وثقافتها، ومقدساتها ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى جاهدًا لطمس هويتها الوطنية الكنعانية.

#اسمي_بالكنعاني

في محاولة لتسخير وسائل التواصل الاجتماعي لمحاربة المحاولات لطمس التراث الفلسطيني الكنعاني؛ قام مجموعة من المغردين والمبادرين بإطلاق وسم «اسمي بالكنعاني» ضمن حملة واسعة وأولى من نوعها، ويقوم المغرد بكتابة اسمه بالكنعاني بجانب اسمه، إضافة لذكر معلومة عن التراث الكنعاني.

من هم الكنعانيون؟ وما هي حضارتهم ولغتهم؟ وما هو أصلها؟

يقال إن الكنعانيون هم قبيلة عربية تنتمي إلى الشعوب السامية، هاجرت من الجزيرة العربية منذ أكثر من 4 آلاف سنة ق.م.، واستقرت في جنوب سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين فوق أحد جبال القدس؛ الموقع الذي وفر لهم الأمن والحماية، في العصر الحجري الحديث حوالي 3000- 1200 ق.م.، كما أن آخر وفد كنعاني أتى إلى فلسطين قبل مجيء اليهود إليها بـ50 عامًا.

فيما تؤكد بعض الأبحاث والاكتشافات أن مدينة كنعان أقدم من شبه الجزيرة العربية، أي إنهم ليسوا عربًا، وهناك دراسات وأبحاث تقول إن الكنعانيين هم أول الشعوب السامية التي استقرت في الشرق الأوسط وذلك بعد وصولهم إلى أفريقيا عبر مصر، واستقروا في فلسطين بعد أن سقطت الحضارة الغسولينية بهذه المنطقة في 3300 ق.م.، بينما يرى ابن تيمية أن الكنعانيين هم سكان حران وأن ملوكهم هم النماردة.

أما بالنسبة للتسمية، فقد سمي الكنعانيون بهذه التسمية نسبة إلى أرض فلسطين؛ إذ إن كلمة كنعان تعني الأرض المنخفضة، فسميت فلسطين بأرض كنعان دونًا عن باقي بلاد الشام، وبقيت معروفةً بهذا الاسم حتى عام 1200 ق.م. حين غزتها القبائل الكريتيّة.

قام الكنعانيون ببناء العديد من المدن الفلسطينية كعكا، وحيفا، وغزة، والخليل، وبيت لحم، وأسدود، وعسقلان، وبئر السبع، كما بنى اليبوسيون الكنعانيون مدينة القدس التي سميت «يبوس» نسبة لهم، وفي هذه الفترات خاض الكنعانيون العديد من الحروب مع العموريّين، والهكسوس، والحواريّين، والمصريّين الذين اختلطوا معهم، فتأثر الكنعانيون كثيرًا بحضارات هذه الشعوب.

وبحسب الـ«يونسكو»، فإن مدينة أريحا الفلسطينية بالقرب من نهر الأردن، هي أقدم مدينة عرفها التاريخ، حيث نشأت في القرن العاشر ق.م. وسكنها الكنعانيون، فضلًا عن أن أريحا تحتوي على عدد كبير من الآثار التي تعود للإنسان الحجري.

الديانة الكنعانية

كان الكنعانيون – كغيرهم من الحضارات الأخرى- تدين بالوثنية، وتتعدد عندهم الآلهة، وكبيرهم هو الإله «إيل» الأب، والإلهة «يم» هي الأم لدى الكنعانيين، والسبب في ذلك هو اعتقادهم بأن الماء هي الأم الأولى التي خلقت الكون.

أما «شم» أو «شميم» فهو إله السماء الأول في عقيدتهم، و«أديم» أو «أدمة» هي إلهة الأرض، و«أشمون» هو إله الشفاء، و«رشف» هو إله الحرب والصواعق، أما «عشتار» أو «عشتروت» فهي أشهر الآلهة في فلسطين الكنعانية، كونها إلهة الحب والإخصاب والربيع.

الطقوس الدينية عند الكنعانيين

الصلاة: تتم تلاوتها من خلال الصراخ بالتضرع، وبحسب المؤرخين تبدأ الصلاة بعرض الحالة، ومن ثم ذكر صفات الآلهة.

الاغتسال والتطهير: طقس كنعاني ديني مهم، وينقسم إلى أربعة أنواع:

التطهر بالماء: إذ تفرض عقيدتهم عليهم الاغتسال يوميًّا لإرضاء الآلهة، كما كانوا يعتقدون أنّ الاغتسال بعد الحرب أمر واجب؛ وذلك لأنها جريمة يجب إزالة آثارها.

التطهر بالزيت: وقد كان يستخدمه الملوك في الغالب، إذ كانوا يعتقدون أن الدهان الأرجواني يشفي من بعض الأمراض، كما كان على الملك الاغتسال بالزيت قبل تولّيه الحكم.

التطهر بالنار: كانوا يعدونها أفضل طريقة للتطهير، وتستخدم لتطهير الذبائح.

دق الطبول: والغرض من هذا الطقس تطهير النفس والمكان وطرد الأرواح الشريرة.

صب الخمر على الأرض: إذ اعتقد الكنعانيون أن السماء تتلذذ بالخمر المصبوب، فتقرر إنهاء الجفاف وتنزل الأمطار.

الزواج: هو أحد الطقوس الكنعانية القديمة التي كانت ترى أنه من الأمور التي تساعد على القوة والنماء، وكانوا يقدمون القرابين للإلهة عناة، وهي إلهة الخطوبة والزواج، والإلهة كوثرات هي الإلهة التي ترعى الحمل.

الموت: كانوا يقيمون طقوسًا جنائزية خاصةً، هدفها حماية الميت من قِبل الآلهة عند انتقاله إلى العالم الآخر، وقد كانوا يضعون الميت مع ذبيحة في قبور مزينة بنُصب جنائزي، وكانت هذه الألواح تثبت بالطين أمام القبور، وأحيانًا تمثل الألواح وجه الميت أو تكون اللوحة مزخرفة على شكل مثلث.

اللغة الكنعانية

تتكون اللغة الكنعانية من مجموعة من اللهجات المتقاربة بعضها من بعض في صفاتها اللغوية التي تنتمي إلى اللغات السامية الشمالية الغربية – الفرع الكنعاني، وقد انتشرت في نطاق أراضي كنعان التي تشمل فلسطين، والساحل الغربي للبنان، والجنوب الغربي من سوريا على لسان الكنعانيين بعد هجرتهم إليها.

تصنيف اللغات الكنعانية

تصنف اللغات واللهجات الكنعانية إلى: لغات كنعانية منقرضة ولم تعد مستعملة في الوقت الحالي، لغات كنعانية تستعمل بنطاق ضيق (كالاستعمالات الدينية)، ولغات كنعانية حية ومستعملة بشكل واسع، ويتم تصنيفها كالتالي:

اللغة الفينيقية: كان يتحدث بها الكنعانيون في الساحل الغربي من فلسطين، بالإضافة إلى بعض مدن الساحل السوري واللبناني، وقد انبثق عنها اللغة البونيقية؛ وهي لهجة من اللغة الفينيقية انتشرت في المستوطنات الكنعانية على طول الساحل المتوسط، ويعتقد بعض الباحثين أن اللغة الأمازيغية تعود في الأساس لها، وقد كتبوا بأبجدية «تيفيناغ» في معظم شمال أفريقيا، وهي كتابة صامتة شأنها شأن الفينيقية القديمة، والعبرية، والعربية، حتى إنها تتطابق بمخارجها الصوتية مع اللغات الكنعانية.

اللغة المؤابية: وهي اللغة التي كان يتحدث بها المؤابيون في مملكة مؤاب شرق نهر الأردن.
اللغة العمونية: وهي اللغة التي كانت محكية على لسان العمونيين، الذين كانوا يعيشون في المملكة العمونية التي نشأت شمال نهر الأردن «مدينة عمّان حاليًا».

اللغة الإدومية: وقد كانت محكية على لسان الإدوميين في مملكتهم التي نشأت في جنوب فلسطين وجزء منها في الأردن «محافظة الطفيلة وجزء من محافظة معان في الأردن حاليًا».

اللغة العبرية: هي إحدى اللهجات الكنعانية في الأصل، والتي تطورت وتمايزت عن الكنعانية أثناء فترة سبيهم ببابل، فدخل إليها ألفاظ وعبارات كثيرة من اللغة الآرامية الشرقية العراقية.

وقد انقرضت جميع اللغات واللهجات الفينيقية، باستثناء اللغة العبرية التي بقيت حية كلغة دينية، حتى تم تعميمها على اليهود بعد نشأة «إسرائيل» عام 1948 على أراضي فلسطين المحتلة.

يقول المؤرخون إن لغة اليهود العبرانيين قبل السبي كانت هي الكنعانية، مثل باقي سكان فلسطين وعموم الشام، وقد أطلقوا على لهجتهم اسم العبرية من باب التمايز فقط، وهنالك جدل قائم حول مدى استخدامها في تدوين الكتب اليهودية المقدسة، وخصوصًا حقبة ما بعد السبي نتيجة الأوضاع التي مر بها اليهود.

أصوات اللغة الكنعانية

تحتوي اللغات الكنعانية على الكثير من الأصوات، وهي:

حروف حلقية، وتقابل بالعربية (أ، ه، ح، ع).

الحروف الشفوية، وتقابل بالعربية (ب، پ، و، م، ف، ڤ(.

الحروف الحنكية، وتقابل بالعربية (خ، غ، ك، ق، ي، گ).

الحروف اللسانية، وتقابل بالعربية (ت، ث، د، ذ، ط، ل، ن، ر).

الحروف الصفيرية، وتقابل بالعربية (ز، س، ش، ص).

حروف الإطباق (التفخيم)، وتقابل بالعربية (ص، ط، ق).

وعلى الرغم من احتواء اللغات الكنعانية على جميع تلك الأصوات، إلا أنه ليس جميع اللغات الكنعانية تمتلك هذه الحروف في تركيبها، كاللغة الفينيقية التي احتوت على 22 حرفًا فقط، وهي تقابل بالعربية «لفظا» (أ، ب، گ، د، ه، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، پ، ص، ق، ر، ش، ت).

إسهامات اللغات الكنعانية للبشرية

كان للفلسطينيين الأوائل «الكنعانيين» الفضل في أحد أهم الاختراعات في تاريخ الإنسان، وهو اختراع الحروف الأبجدية، الذي ظهر على يد الفينيقيين لكتابة اللغة الفينيقية بالحروف بدلًا من الرموز، فظهر على يدهم أول أبجدية بالعالم وجدت في مملكة أوغاريت على الساحل السوري، وتتكون من 22 حرفًا ذات أصوات ثابتة صامتة بدون حروف متحركة، وقد انبثقت منها الحروف اللاتينية فيما بعد، وهذه الحروف هي:

الحرف الفينيقي

المقابل بالعربية

أ

ب

ج

د

هـ

و

ز

ح

ط

ي

ك

المقابل بالعبرية

א

ב

ג

ד

ה

ו

ז

ח

ט

י

כ ך

الحرف الفينيقي

المقابل بالعربية

ل

م

ن

س

ع

ف

ص

ق

ر

ش

ت

المقابل بالعبرية

ל

מ ם

נ ן

ס

ע

פ ף

צ ץ

ק

ר

שׁ / שׂ

ת

يُلاحظ أن الحرف الفينيقي ( ) والذي يقابله بالعبرية (ס) لا يوجد له مقابل باللغة العربية، إنما كان يوجد باللغة السامية الأم، لكنه يلفظ كلفظ حرف (س).

الفن الكنعاني

تمكن الكنعانيون من نسج فن متميز خاص بهم، مركب من عناصر مختلفة، ممتزج مع الحضارات المجاورة، كحضارة بلاد الرافدين، وسوريا، والحيثي، والفرعوني، واليوناني، ويمكن تقسيم تاريخ الفن الكنعاني إلى عصرين:

العصر الأول: يبدأ من البدء إلى أول الألف الأول ق.م.، وهذه الفترة كانت فترة محاكاة واحتضان لفنون الفراعنة والبلاد المجاورة الأخرى.

العصر الثاني: من الألف الأول قبل الميلاد إلى آخر العصر اليوناني الروماني، وهو عصر الدمج بين ما ينقله ويراه الفنان الكنعاني بأسلوبه الخاص، وأهم ما يميز فنون الكنعانيين هو علاقة التنافس بين الممالك الكنعانية المتحالفة حينًا والمتخاصمة حينًا آخر؛ الأمر الذي أثر في رموز الفن لديهم؛ سواء في الناحية العمرانية، أم النواحي الفنية الأخرى.

وقد اشتهر الكنعانيون بفنون: التعدين، والخزف، والنسيج، والنحت، ومفاتيح المنازل الضخمة، وفن الموسيقى الذي استخدموه في طقوس عباداتهم.

التراث الكنعاني ومواجهة الاحتلال

من المعروف أن «الشيقل الإسرائيلي» هو عملة «إسرائيل» المتداولة، باعتبار أنها عملة بني إسرائيل في القدم، ولكن المؤرخين الفلسطينيين يقولون إن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، وهي أن هذه العملة هي كنعانية الأصل.

يؤكد ذلك المؤرخ الفلسطيني محمد البوجي في كتابه «نفحات جذور شعبية في التراث الفلسطيني» بقوله: «إن سرقة التراث الفلسطيني ليس جديدًا على بني إسرائيل، بل لقد سرقوا وحدة الوزن الفلسطينية القديمة (الشقلة) قبل 3 آلاف سنة، وأطلقوها على اسم العملة لديهم (الشيقل) سنة 1980، وقد كانت وحدة الوزن المعمول بها لدى بني إسرائيل هي المثقال، ثم استخدموا الشقلة وحدة الوزن الفلسطينية أثناء حروبهم مع الفلسطينيين».

ليس ذلك فحسب، بل حتى الشكل السداسي في العلم «الإسرائيلي» هو كنعاني الأصل، حسبما تابع المؤرخ البوجي بقوله: «كذلك سرقوا شكل الدرع الذي كان يحمله القائد الفلسطيني القديم (جالوت)، وهو على شكل سداسي، ونسبوه إلى الملك داوود الذي تعلم صناعة الحديد عن الفلسطينيين القدماء».

ويتابع: «وقد جاءت السداسية لجالوت من ارتباطه بالمعتقد الفرعوني القائل بعبودية آلهة الشمس رع، فوضع جالوت صورة للشمس عبارة عن دائرة وفيها ستة خيوط هي شعاع الشمس».

وبذلك أصبح الفلكلور الفلسطيني جبهة أساسية،
وسلاحًا من أجل دحض كافة المزاعم والأضاليل التي يروجها الاحتلال حول وجود حقوق
الشعب الفلسطيني، وتطوره، وتراثه الحضاري والثقافي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

شكيل الزنبق الفلسطيني عمره 5000 عام و الشيكل الاسرائيلي مُقلد ..
عرض التعليقات
تحميل المزيد