يتهافت الكثيرون من قاطني البلاد العربية للحصول على فرصة الإقامة والهجرة لكندا، المعروفة بحظوظها العالية في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير والمساواة ومستوى المعيشة المرتفع – بالإضافة إلى كفاءة برامج التعليم والتأمين الصحي لمواطينها.

ربما يحمل هذا الكلام قدرًا من الصحة، لكن المدقق في التاريخ الحديث لكندا يلاحظ تاريخًا أسود من الجرائم ضد السكان الأصليين المتمثل في المدارس الداخلية الهندية.

حيث سنَّت كندا ما سُمي بقانون الهنود الحُمر عام 1867 وهو عام تأسيس الاتحاد الكندي وشرعت الحكومة في انتهاج سياسة الإدماج الإجباري لأطفال القبائل في المجتمع المتحضر فأنشأت العشرات من المدارس الداخلية التي كان يُزج بالصغار الهنود فيها بعد أخذهم عنوة من أهلهم، وبعضهم كان يتم اختطافه من قارعة الطريق.

كان هذا التشريع يمثل مخططًا يهدف إلى السيطرة على السكان الأصليين في كندا واستيعابهم وإخضاعهم لإدارة الحكومة، وبعد فترة وجيزة أنشأت الحكومة المدارس الداخلية لتمسيح وتمدين مواطنيها الأصليين.

المدارس الداخلية والإبادة الثقافية (1876 – 1996)

هي شبكة من المدارس الداخلية المخصصة للسكان الأصليين ممولة من قبل الحكومة الكندية وكان يتم إدارتها من قبل الكنيسة، حيث تم انتزاع 150 ألفًا من أبناء السكان الأصليين ووضعوا في مدارس دينية للدراسة كما كانت تقول الحكومة، بينما كان الهدف الرئيس من هذه المدارس هو تغيير الديانة الوثنية إلى الكاثوليكية أو الإنجليكية قسرًا بين  أطفال السكان الأصليين، وإبعادهم  عن ثقافتهم وفرض «الثقافة الأوروبية الكندية» عليهم في معزل عن أهلهم لقتل البعد الهندي في شخصيتهم.

 فقد كان يفرض عليهم التحدث فقط بالإنجليزية أو الفرنسية، ومنعوا من استخدام لغتهم الأصلية. كان يتم وضع الأطفال في مدارس بعيدة عن ذويهم كوسيلة لعزلهم، ووضع العراقيل والصعوبات أمام الأهل لمنعهم من زيارة أطفالهم، كما كانوا يتعرضون للضرب المبرح وبعضهم كان يتعرض لصواعق كهربية على الكرسي الكهربي أحيانًا، أما من يحاول الهرب فكانوا ينهالون عليه بالضرب بأسواط جلدية كانت دائمًا بأيدي المديرين والموظفين، وعانى الكثير منهم من الاعتداء الجنسي الوحشي بدون رقيب.

كان تأثير نظام المدارس الداخلية سلبيًا جدًا حيث تبين أن الأطفال كانوا يتعرضون لممارسات غير إنسانية من تعذيب جسدي ونفسي. فقد أدى قطع العلاقة مع عائلاتهم ومجتمعهم الأصلي إلى أزمة هوية، بحيث أصبحوا غير قادرين على الاندماج في مجتمعهم الأصلي ولا يعتبرون أنفسهم جزءًا من «الثقافة الكندية». وتشير التقديرات إلى أن 6000 على الأقل من هؤلاء الطلاب لقوا حتفهم خلال حضور هذه المدارس، وتم دفنهم في مقابر مجهولة دون إشعار لآبائهم، وكانت معدلات الوفيات بين أطفال السكان الأصليين في المدارس الداخلية أكثر من تعداد الموتى في صفوف الجيش الكندي خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت المقابر تغلب على الملاعب داخل هذه المدارس.

قتل وإبادة السكان الأصليين

لم تكن الإبادة الثقافية التي حدثت مع بداية إعلان الدولة الكندية هي الجريمة الوحيدة في حق السكان الأصليين فهناك جريمة أبشع وكان نتائجها القضاء على 80% من السكان واختفاء قبائل بأكملها من الوجود الإنساني، حيث تشير التقديرات إلى أن تعداد السكان الأصليين في بدايات الغزو الأوروبي لكندا حوالي أربعين مليون نسمة، إلا أن العدد أخذ في تناقص مستمر حتى وصل في كندا فقط إلى مليون ونصف، بسبب انتشار الأمراض الوبائية مثل الجدري والدفتريا والحصبة والإنفلونزا.

فبعد توسع المستعمرين الأوربيين في شمال أمريكا لإنشاء مستعمرات جديدة، ضاق زعماء القبائل الهندية بما يحدث لشعبهم فطلبوا عقد معاهدات سلام في محاولة يائسة لمنع الأوروبيين البيض من الاستيلاء على أراضيهم أو خطف بناتهم وأبنائهم للعمل في الحقول والمناجم حتى الموت، وتم عمل معاهدات سلام بين الهنود الحمر والأوروبيين، الذين قاموا بعد هذه المعاهدات بإهداء الهنود الحمر مئات البطاطين واللحف بعد كل معاهدة يعقدونها معهم، ولم يخطر ببالهم أن هذه الهدايا تم جلبها من المصحات الأوروبية محملة بجراثيم ووباء الطاعون والدفتريا والحصبة والسل والكوليرا لتحصدهم حصدًا دون أدنى جهد يبذله العدو وما يبقى منهم يتم حصده يدويًا بالبنادق. إنها حرب بيولوجية تم التخطيط لها بدقة واستعانوا فيها بالأطباء لإيصالها بطرق آمنة دون أن تنتقل إليهم.

تناقضات في المجتمع الكندي

كما توجد بعض التناقضات في المجتمع الكندي تحمل بعض العنصرية والطائفية مثل:

1- عَلمَانية الدولة

وفقًا لدستور عام 1982م، فإنَّ كندا رسميًا دولة عَلمَانية ومُحايدة تجاه القضايا المتعلقة بالدين، فهي تأسست على المبادئ التي تعترف بسيادة الله وسيادة القانون من دون أن تتخذ دينًا رسميًا للدولة.

وتعامل جميع مواطنيها بشكل متساوٍ بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية من دون تفضيل دين على دين. وعلى الرغم من هذا الوضوح في الدستور في المادة 2 والمادة 15، إلَّا أنَّ التناقض موجود فيما يخص تمويل المدارس الكاثوليكية من مال الدولة العام.

ففي بعض المقاطعات مثل: (أونتاريو، ألبرتا، وساسكاتشوان) يتم توفير تمويل حكومي كامل للمدارس الكاثوليكية بسبب بند الامتيازات الطائفية (Denominational Privileges) المنصوص عليه في المادة 93 من دستور عام1867م القديم والذي يتعارض مع دستور عام 1982 المُعدَّل.
وهذا تناقض صارخ، إذ كيف بدولة عَلمَانية أن تخصص جزءًا من أموال دافعي الضرائب الذين ينتمون إلى ديانات مختلفة لتنفقه فقط على المدارس الكاثوليكية؟
بالمقابل يتم حرمان المدارس الدينية الأخرى من تلك المخصصات.

2- حقوق الأقليات

على الرغم من ضمان حقوق الأقليات في الدستور الكندي، إلَّا أنَّ حكومات كندا المتعاقبة ارتكبت جرائم تاريخية فيما يخص حقوق السكان الأصليين (الهنود الحمر)، فحتى عام 1960م، لم يُعاملوا كمواطنين، فلم يتم السماح لهم بالتصويت في الانتخابات الكندية.

ولم يكن لهم حق ترك أو مغادرة حدود محمياتهم من دون الحصول على إذن من وكيل الحكومة في أقاليمهم، وفي كثير من الأحيان لم يمكنهم إنشاء الأعمال التجارية، أو اقتراض المال، أو الحصول على ملكية خاصة، أو حتى الحصول على اسم في حالة قبائل (الإسكيمو – Inuit).

من كشف الأسرار؟

يمثل كتاب «صمت التاريخ حول المحرقة الكندية» قنبلة متفجرة من الحقائق والأسرار والمعلومات للإبادة الجماعية المتعمدة والممنهجة، للسكان الأصليين، للمنطقة الواقعة من الشاطئ الشرقي للشاطئ الغربي لكندا.

ويبدأ القس كيڤن آنيت، ذلك الإنسان الأمين الذي جازف بمستقبله وحياته ليفضح المؤسسة العتيقة التي كان يعمل بها، وسلك مشوارًا ممتدًا من الجهد والمعاناة، نجح خلاله في توصيل رسالته وفتح ملف فضيحة عالمية.

والقس كيڤن آنيت من مواليد كندا سنة 1956، وتقلد ثلاثة مناصب كنسية كان آخرها عضو هيئة المجلس التنفيذي للكنيسة المتحدة في كندا، قبل أن يتم طرده من وظيفته سنة 1995 دون إبداء أية أسباب ولا إجراءات قانونية، وحرمانه من راتبه ومن عائلته بإجباره على تطليق زوجته، ووُضع على القائمة السوداء.

وذلك بعد أن قام بنشر خبر إبادة أطفال السكان الأصليين وقيام الكنيسة بسرقة أراضيهم. ثم قام بتنظيم أول تحقيق رسمي حول الجرائم المقترفة في المدارس الداخلية الإجبارية الكندية المخصصة لأطفال الهنود الحمر سنة 1998 في ڤانكوڤر، وأسس أول كيان دائم لمتابعة هذا التحقيق سنة 2000 في ڤانكوڤر أيضًا، وهي «اللجنة الخاصة بتقصي الحقائق حول القتل العرقي في كندا». وفي فبراير 2001 نشر أول تقرير حول جرائم القتل العرقي في المدارس الداخلية الإجبارية للهنود الحمر بعنوان: «صمت التاريخ على المحرقة الكندية»، وقد ألزم الحكومة الكندية بتقديم الاعتذار رسميًا لأهالي الضحايا في يوليو 2008.

الاعتذار الرسمي للحكومة الكندية

في عام 2008 قام رئيس الوزراء آنذاك ستيفن هاربر بتقديم اعتذار رسمي عن دور الحكومة في هذه المأساة، وفي العام نفسه تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق (Truth and Reconciliation Commission) للتحقيق في ممارسات المدارس الداخلية وتأثيرها على السكان الأصليين، في عام 2015 أصدرت اللجنة تقريرها المكون من 4 آلاف صفحة تحتوي على شهادات تفصيلية من طلاب تلك المدارس.

كما خرج مؤخرًا رئيس وزراء كندا «جاستين ترودو» ليُقدِّم اعتذارًا رسميًا باسم الدولة الكندية للسكان الأصليين في البلاد على خلفية الإساءات العديدة التي تعرضوا لها على مدى عقود من الزمن في المدارس الداخلية (Residential Schools) والتي ألزمتهم الحكومة بالدخول إليها، فقد تم فصل أكثر من 150 ألف طفل عن ذويهم ليكبروا داخل تلك المدارس سيئة السمعة، والتي كانت تموَّل من الحكومة الكندية وتُدار بواسطة الكنيسة الكاثوليكية والإنجليكية لإبادة ثقافة سكان كندا الأصليين.

وقدَّم ترودو اعتذاره أمام مجموعة من الطلاب السابقين في تلك المدارس الداخلية ومجموعة من زعماء السكان الأصليين في حفل مؤثر جرى في العاصمة الكندية أوتاوا في ديسمبر (كانون الأول) 2015م بمناسبة صدور التقرير الختامي للجنة تقصي الحقائق والمصالحة في هذا الشأن.

هل يعتذر الفاتيكان؟

كما طلب ترودو من البابا فرنسيس الاعتذار باسم الكنيسة الكاثوليكية للسكان الأصليين عما تعرضوا له من انتهاكات جسدية وجنسية ونفسية داخل المدارس التابعة للكنيسة الكاثوليكية، حيث تعرض العديد من الأطفال إلى الاعتداء الجنسي وتحول بعضهم إلى فأر للتجارب.

دفع تعويضات للضحايا وفتح صفحة جديدة

ورغم محاولات الحكومة الكندية بفتح صفحة جديدة وبدء مرحلة للتعايش السلمي، حيث تم ضم وزيرين من السكان الأصليين ووزيرين من أصول مسلمة، كما تم دفع تعويضات بلغت ملياري دولار كندي لـ80 ألف ناجٍ من تجربة المدارس الداخلية ومحاولة خلق صلح مجتمعي جديد.

 توجت تلك الجهود بإعلان الحكومة استعدادها لاستقبال 25 ألف لاجئ سوري، في محاولة لرسم صورة جديدة لكندا في إطار من التعايش مع الثقافات المختلفة، إلا أن الحكم على تلك الإجراءات الحكومية الأخيرة يلزمه دفع هذه التعهدات إلى أرض الواقع، حيث ما لبث أن تم تعليق استقبال اللاجئين السوريين بحجة عجز الموازنة.

كلمة أخيرة

وما تأمله الشعوب العربية من الحكومة الشابة بقيادة جاستين ترودو، أن يبدأ برسم صورة جديدة للمجتمع الغربي الذي يقبل الآخر كما هو بدون أن يحاول أن يمحي ثقافته أو لغته أو دينه كما فعلت الحضارة الغربية في كل الشعوب التي غزتها عسكريًا.

حيث جرت العادة أن يقوم المحتل الأوروبي بمحو ثقافة المناطق المحتلة وتغيير دينهم ولغتهم وثقافتهم المحلية لحساب دين ولغة وثقافة المحتل، فمنهم من قاوم الغزو الفكري كسكان بعض المناطق العربية واحتفظ بدينه ولغته، ومنهم من خضع للغزو الفكري كما حدث في أفريقيا فتم محو هويته ودينه ولغته وثقافته، أما من ظل يقاوم ويحمل السلاح فتم إبادة معظم السكان والباقي تم سجنهم في المدارس الداخلية، للقضاء على الجزء الباقي من حضارة ذلك الشعب كما حدث مع سكان كندا الأصليين.

ترى هل تستطيع الحكومة الشابة أن ترسم صورة جديدة للمستعمر الأوروبي، أم تظل الصورة النمطية للمستعمر المتمثلة في رفض التعايش والتعالي على ثقافة المجتمعات الأخرى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!