بالأمس كنت أشاهد فيلم Canadian Bacon أو اللحم الكندي المقدد وهو من أفلام الخيال الأمريكية، باختصار كان الفيلم يتكلم عن رئيس أمريكي فاشل أغرق الاقتصاد الأمريكي، ومع اقتراب موعد انتخابات تجديد ولايته كان لابد من البحث عن مخرج .

 

الحل الوحيد والمعتاد والمعروف أن يدخل في صراع مع عدو وهمي كي يبرر فشله ويجعل الشعب يلتف حوله، لكن للأسف الروس ليسوا مهتمين ولم ينجح في إقناعهم بالدخول في حرب باردة جديدة، لذا قرر البحث عن عدوجديد. وبناءً على ذلك لجؤوا لجنرال متقاعد يدعي أنه كان المسئول عن الدخول في حرب فيتنام! نصحهم الجنرال المتقاعد أن يكون الصراع مع كندا باعتبارها العدوالخفي الجديد، وعلل ذلك بانتشار الكنديين وسط الأمريكيين وأن سياسة كندا تشبه الشيوعيين حيث يقومون بتقديم خدمات صحية مجانية للجميع!

 

تم تبني الفكرة وبين ليلة وضحاها انتشرت تقارير الإعلام التي تهاجم كندا وتتهمها بتهم مختلفة من ضمنها الإرهاب. تم اختيار اسم رمزي لهذه العملية حيث أسموها “عملية اللحم الكندي المقدد”.

 

كاتب السيناريو حرص على إظهار الكنديين في صورة مسالمة ومهذبة وطيبة لحد البلاهة. لم تكن التهم تلائمهم على الإطلاق ورغم ذلك انطلقت أبواق الدعاية ضد كندا بمنتهى الشراسة والقوة وازداد الأمريكيون تصديقاً للكذبة.

 

في ولاية تقع على الحدود مع كندا وأمام التلفاز جلس مواطنون أمريكان شرفاء مشدوهين وهم يستمعون لتلك الاتهامات العجيبة وبطريقة أعجب صدقوا هذا التحول الإعلامي ضد الكنديين دون تساؤل، بل واعتبروا أنفسهم كوطنيين في مواجهة مع كندا وبالفعل قرروا القيام بعمليات فدائية ضد كندا، وعلى رأسهم شرطي أبله ساقته الرغبة في عيش دور البطولة للقيام بعملية خلف خطوط العدو قام فيها بإلقاء أكياس قمامة داخل الحدود الكندية لأنهم لاحظوا أن الشعب الكندي نظيف للغاية وأكياس القمامة ربما ستزعجهم كثيراً!

 

ولتأكيد عدوانية كندا كان لابد من القيام بعملية نوعية ضد المصالح الأمريكية تتهم فيها كندا. مستشار الرئيس اقترح ضرب مبنى أمريكي بطريقة محدودة من قوات ترتدي زي الجيش الكندي لكي يكون هناك تبرير مقنع للهجوم على كندا ووافق الرئيس بشرط أن يكون الهدف “محدودًا” وفعلاً وقع اختيار قائد الجيش المتحمس على هدف محدود وهو السد المشرف على شلالات نياجرا!

 

يستمر السرد الكوميدي للأحداث وفي نهاية الفيلم كادت تقوم حرب نووية كانت ستفنى لها نصف الكرة الأرضية لولا أن تم تدارك الأمر في الثواني الأخيرة!

 

هذا الفيلم حصل على تقييمات ضعيفة جداً من النقاد وانتقادات كبيرة من الجمهور. النقاد على موقع Rotten Tomato أعطوه 14% فقط. لقد أصابهم الفيلم بالانزعاج حيث رأى فيه الأمريكيون استخفافًا بعقولهم ومبالغة في وصفهم بالمنساقين وراء إعلام مضلل، حتى الكنديون لم يحبوا الصورة التي أظهرهم بها؛ لا أحد يحب أن يبدو كالأبله.

 

وبرغم أن الأمريكيين والكنديين لم يضحكوا على الفيلم لكني ضحكت وضحكت وضحكت حتى دمعت عيناي. لم يكن سبب ضحكي هوالفيلم بل سبب لن يفهمه الأمريكان أوالكنديون، فقد سبق لي أن رأيت أحداث هذا الفيلم من قبل، فبالنسبة لي سخرية هذا الفيلم لم تكن مبالغًا فيها أبداً!

 

نعم رأيت كيف تصنع السلطة المستبدة أعداءها الوهميين وكيف يمكن أن يقود ذلك لكارثة حينما يتحول الأعداء الوهميون إلى أعداء حقيقيين. رأيت كيف يفعلها الإعلام دون حتى أن يحتاج لرواية محكمة حتى يغير آراء الناس بين ليلة وضحاها! هناك تقبلٌ تلقائي لدى الجمهور لما يقوله الإعلام ويطرحه فقط لو ضغط على الزر المناسب ، زر العاطفة، زر الخوف، زر الوطنية. لا يهم على أي زر ما دامت السلطة تملك ريموت التلفاز الحقيقي في يدها بينما تجعلهم يظنون أنهم يصنعون خياراتهم الخاصة وأن الريموت في أيديهم هم.

لقد تحققت رؤية مايكل مور في الفيلم الذي كتبه وأنتجه وأخرجه ليس في أمريكا بل علي بعد آلاف الأميال من الساحل الأمريكي والكندي وبنفس مستوى الخيال والكوميديا السوداء الذي قدمه، بل وأكثر. لكن الفارق أن اللحم المقدد الذي رأيته لم يكن كندياً بل كان عربياً خالصاً .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد