تحتوي الحياة البشرية كثيرًا من المسلّمات التي تُكتبُ في سطور الأيام، لتصبح واقعًا يتعايش معه الناس ويألفونه بعد زمن، فالعادة لا تعترفُ بمفهوم التفريق، بإيجابياتها وسلبياتها على حدّ سواء، طالما أنّها اتخذت من نفسها، سفينةً تطفو على بحر الواقع.

يمكن أن يصبح المرضُ عادة يومية، تنتشر في الأجساد التي أنهكتها الآلام منذ زمن، فأصبحت لا تفرّق بين الآلام وزمان حدوثها، فالجسم الضعيف يملكُ أبوابًا مفتوحة دومًا لشتى الأمراض.

الجسد السوري، هو المريض الذي سأعاينه اليوم في موضوعي، سأكشف عن آلامه التي حلّت به، ولربّما أجد العلاج لهذا الجسد الذي أعياه طريق الحرية.

كان المريض يقبع في زنزانة ذات قضبان غير مرئية، فالنظام السوري كان حريصًا على إخفاء معالم الظهر والاستعباد الذي يُمارسه على هذا الشعب قدر المستطاع، ورغم أنّه أفلح في ذلك لسنين عديدة، إلا أنّ الشعب السوري هو الوحيد الذي يرى ذلك الظلم جليًّا في حياته اليومية.
لا يخفى على أحد حملات الاعتقال التي كان يقوم بها النظام بحقّ أبناء هذا الشعب، ممّن يحمل فكرًا سياسيًا أو دينيًا أو لأسباب أخرى في قاموس النظام الخفيّ عن الشعب.

الثورة السورية لم تكن مفاجأة لكثير من فئات الشعب، خلافـًا للمفاجأة الكبيرة التي أذهلت العالم كله، والتي لم يجدوا لها تفسيرًا في البداية، لظنّهم أنّ هذا الشعب يعيش في حالة وفاق وتلاحم مع القيادة الموجودة والجهات الأمنية العاملة في الدولة.
هي ثورة إذن، تلك التي شهدت العديد من الفصول والمواقف، حيث إنّ أبناءها تداعوا لها بسلميّةِ وطهارة كما قلوبهم، بيدَ أنّ النّظام كان له كلامٌ وردود أخرى، ساهمت بشكل تدريجي لتغيير أسلوب أبناء الثورة في تحقيق مطالبهم والمضيّ في طريق حرّيتهم.

المعركة أصبحت عسكريةً بامتياز بين النظام وكثير من الفصائل المقاتلة التي تشكلت من أطياف ذلك الشعب المكلوم، وكما كلّ حربٍ فقد كان لها خسارات وانتصارات، آمال وآلام، وبقيت الثورة.

عند حدوث الضجيج، يُمكنُ لأي شخص أن يتكلّم دون أن يلاحظه أحد، وهذا ما فعلته بعض التنظيمات المقاتلة للدخول إلى هذه الأرض وبناء هيكلها وتشكيلاتها، لتكون منطلقـًا جديدًا لها لتحقيق أهدافها التي تحطّم في كلّ بلدٍ تذهبُ إليه.

«داعش» ذلك الرجل الصامت الذي استغلّ كل هذا الضجيج، فكان يعيش هدوءًا أكسبه الوقت لترسيخ أساساته وتدعيم ركائزه في المنطقة، تلك الركائز التي اعتمدت في غرسها على شعارات تجذب الشباب الثائر الذي يغار على دينه وأمته المسلمة، لذا فقد أكسبها ذلك قوّة جذب كبيرة، إضافة للخبرات والإمكانيات التي يملكها العناصر القدماء بحكم خوضهم العديد من المعارك في الشيشان وأفغانستان والعراق وأخيرًا في سوريا.

عملت «داعش» على مهاجمة المناطق النفطية في كلّ من سوريا والعراق، لتجعل لها قوة مالية تُساعدها في تغطية تكاليف المعارك التي تخوضها ضدّ أعدائها من جهة، وحرمان الخصوم بعض الإمكانات المالية التي يعتمد عليها في اقتصاده.
بعدها عمدت «داعش» إلى مهاجمة الطرف المنتصر من كل معركة «سيكون منهكـًا وإن كان منتصرًا»، لتحسم المعركة لمصلحتها، وهذا ما لاحظناه من الغدر الذي مارسته «داعش» في الشمال السوري، وحديثـًا ما يحدث في الجنوب السوري من غدر لمجموعات داعش المنتشرة هناك بحقّ الفصائل الجنوبية.
وفي المناطق الخارجة عن سيطرتها، قامت «داعش» بتشكيل خلايا نائمة لها، مهمّتها أن تحضّر الأرضية المناسبة لهذا الكيان أن يدخل تلك المناطق بشكل مباغت لساكنيها.
وبهذا ضمّت مساحات واسعة من الأراضي السورية على وجه الخصوص، وقامت بإيصالها بمناطق نفوذها في العراق.

كلّ هذا، ساعد «داعش» لتكون رقمًا صعبًا في المعادلات السياسية واتفاقات الدول الكبرى لمستقبل المنطقة.

من خلال إلقائنا نظرة سريعة لجسد المريض الآن، يتضّح لنا أنّ هذا الجسد أصبح ممتلئًا بأورام داعشية، حالت بينه وبين حريّته، وجعلت من الضعف يُسيطر عليه، ليغدو ضعيفًا غير قادرٍ على مواجهة أي عدوّ جديد، فالبطل المُثخن بالجراح، يمكن لطعنة جبانٍ أن تقتله.

لهذا الجسد الضعيف وصفةٌ طبيّة، هي ترياقٌ لما يُعانيه من السرطان الذي ألمَّ به وانتشر في كامل جسده وهي كالآتي:
1- العمل على جمع القوى التي أخلصت له وعملت على دفع الأذى عنه في بوتقة واحدة.

2- توجيه العمل لاجتثاث الأورام الداعشية واحدة تلوَ الأخرى، والحفاظ على تماسك بقية الجبهات.

3- إعادة البناء الفكري للشعب  السوريّ في كلّ المناطق، وخصوصًا تلك التي كانت تحت سيطرة داعش، وغسل العقول التي تلطخت بالأفكار الداعشية، وإبدالها بأفكار وتعاليم الإسلام الحقيقيّ.

4- العمل على بناء نواة واحدة للثورة تجمع كافة التشكيلات السياسية والعسكرية، وترسيخ التوافق فيما بينها، ورصّ الصفوف فيما بينها، لمنع دخول أية تدخلات أو تجاوزات لأي طرفٍ من الأطراف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السرطان
عرض التعليقات
تحميل المزيد