قبل أيام انتقل أخونا مهند إيهاب من هذا العالم الزائف إلى العالم الحقيقي، وقصته قد هزت العالم وهذا بسبب أنه قد ظلم وأيضًا لم يرض بأن تكون حياته بسيطة، فهو لم يخش في الله أحدًا، وإنما كان يريد أن يوصل رسالته للعالم من خلال كاميرته، قصة مهند أحاول أن أختصرها كالآتي:

– يوم 27 ديسمبر 2013: تحديدًا في الإسكندرية تم القبض على مهند وهو يصور المظاهرات، كان عمره 17 سنة، وتم سجنه في إصلاحية الأحداث بكوم الدكة، وصدر الحكم بسجن مهند 5 سنين وبعدها تم تخفيفها في الاستئناف إلى 3 شهور.

– يوم 21 يناير 2015: مهند كان عمره 19 سنة، وتم سجنه مرة ثانية لنفس السبب «تصوير مظاهرات»، سجن في المديرية وتم نقله لسجن برج العرب في شهر مارس.

– بدأت مشكلة مهند في مايو 2015، حينما تكلم على صفحته في «فيسبوك»، قال: «في شهر خمسة بدأت أرجع وأنزل دم من مناخيري وماقدرش أتكلم ومش عارف أمسك حاجة، ومش عارف أدخل الحمام لوحدي، رحت مستشفى السجن قالولي عندك أنيميا، وبعد كدة تايفود، بعدين فيروس في الكبد، وودوني مستشفى الحميات، ماعرفوش يشخصوا المرض. إلى أن جه والدي وعرف ياخد التحليل ووداه معمل، قالوله سرطان دم».

– دخل مهند المستشفى الميري في الإسكندرية في شهر يونيو، وفي يوم 29 من نفس الشهر قام بعمل تحاليل، وكان مهند يأخذ علاجه الكيماوي بالمستشفى الحكومي وهو في السجون، وبعد تدهور صحته، ومع كثرة الشكاوى من أهله وأصدقائه، أخلوا سبيله، بعدها سافر إلى أمريكا للعلاج.

في 28 يوليو كتب مهند إيهاب تدوينة على «فيسبوك»، قال «أنا فعلًا بقالي فترة طويلة تعبان جدًا ومافيش لحد دلوقتي ولا مرة نتيجة تحليل أو أي حاجة طلعت أفضل من اللي قبلها والوضع كل يوم بيزداد سوء، والمرض فعلًا اشتد عليّا جدًا والألم لا يطاق وكل يوم بيحصل شيء جديد يسوء الموضوع ويصعب المسألة.. وكل تجربة عملتها فشلت ووصلت لدرجة من فقد الأمل ماتوقعتش إني ممكن أوصلها وبقيت مدرك خلاص إني مش هخف»، واختتم تدوينته بطلب الدعاء له.

– مهند إيهاب نشر بعدها صورًا مختلفة توضح تطور شكله قبل وبعد المرض، حتى وصل لمرحلته الأخيرة، فنشر «مهند» يوم 14 أغسطس صورة كوب وضع فيه شعره بعد ما سقط نتيجة العلاج بالكيمياوي، وعلق عليها قال: «إنه شعري وذلك ليس اختياري، آمل أن أقصه المرة القادمة. السرطان مؤلم».

في 3 أكتوبر 2016 مات مهند ولم يأخذ معه شيئًا، فلم تنفعه لا ثورة ولا أي شيء، بل ينفعه عمله فقط.

كثيرًا ما نسمع عن أشخاص يصابون بالسرطان ويقومون بالعلاج الكيميائي، لو لم يكن لك شخص قريب ولم تعش معه فأنت لا تعرف المعاناة الحقيقية التي يمر بها هؤلاء، في الحقيقة أولئك المصابون بهذا المرض والذين يتلقون العلاج الكيميائي هم الأبطال الحقيقيون والذين يستحقون منا كل الاحترام والتقدير.

– خلايا السرطان تنقسم بسُرعة في الجسم أكثر من سُرعة انقسام الخلايا العادية فالعلاج الكيميائي الذي يتم استخدامُه لاستهداف هذه الخلايا فإنه للأسف يستهدف معه خلايا سليمة فتتدمر أحيانًا، الكيميائي يصيب الخلايا الموجودة بالنخاع العظمي والمسؤولة عن إنتاج الدم، فيسبب دائمًا أنيميا لعدم قدرته على إنتاج خلايا دم حمراء كافية من أجل نقل الأكسجين للأنسجة، وهذا يسبب حالة ضعف وتعب عامة في الجسم بدون حتى إجهاد أو حركة. وليتها تتوقف عند الأنيميا، بل يصاحبها دوخة دائمة ولون الجسم يصبح باهتًا مع صعوبة في التفكير أو التركيز وإحساس بالبرد.

– بما أن خلايا الدم كلها يتم مهاجمتها، فعدد خلايا الدم البيضاء هي أيضًا تقل وهذا يضعف الجهاز المناعي ومنه تفتح الطريق لكل أنواع العدوى المختلفة والأمراض، بالإضافة للصفائح الدموية والتي هي من مكونات الدم أيضًا والتي تساعد على تجلط الدم بسرعة، فيقل عددها جدًا ولهذا تلاحظ دائمًا وجود بروزات وكدمات على أجسامهم مع أبسط اصطدام ونزيف من الأنف أو الفم ومعظم الوقت هناك دم مصاحب للقيء والبراز وعند الفتاة يكون أكثر في الحيض.

– العلاج الكيميائي يؤثر أيضًا على الجهاز العصبي، بما أن الجهاز العصبي المركزي هو المسؤول عن معالجة المشاعر والأفكار وتنظيمهم فيحصل له خلل وهذا يسبب مشاكل في الذاكرة والتفكير بوضوح ويطلق على هذه الحالة «الضباب» لأنهم يشعرون وكأن هناك ضبابًا في عقلهم يمنعهم من التفكير بوضوح.

– الجهاز العضلي يضعف للأسف لأن أغلب أنواع العلاج الكيماوي تسبب ألمًا فظيعًا وضعفًا مع الإحساس بالتنميل أو تخدير في الجسم أو الأطراف وعدم الإحساس بوجودها، وتكون العضلات مجهدة حتى وإن لم تستخدمها، تقل ردود الأفعال وتكون بطيئة، ويجدون صعوبة في الاتزان.

– من أكثر ما يعاني منه الذي يتلقى العلاج الكيميائي هو المشاكل المصاحبة للجهاز الهضمي، فإن الفم يمتلئ بالتقرحات ويجف لعدم وجود لُعاب، ونتيجة لهذا يجدون صعوبة في المضغ والبلع.

التقرحات الموجودة في الفم تظهر على اللسان والشفاه واللثة وأحيانًا تصل للحلق، وهذا يجعلهم عُرضة أكثر للنزيف والإصابة بالأمراض والإحساس بطعم لاذع طوال الوقت في الفم، وظهور مخاط أبيض على اللسان مع فقدان الإحساس بالطعم أو تحوله للمرارة. من أسوأ المشاكل التي تأتي مع أعراض الجهاز الهضمي، هو الإسهال الشديد أو عدم القدرة على التحكم في التبرز ومن هنا يأتيهم شعور وهمي بالشبع أو فقدان الشهية، ولهذا نلاحظ ضعف وزنهم حتى وإن كانوا يأكلون.

– من أشهر الأعراض سقوط الشعر لأن الكيماوي يستهدف بصيلات الشعر ويبدأ مع أول أسبوعين أو ثلاثة، فيبدأ شعر الرأس يتساقط وتتبعه الحواجب والرموش وباقي الجسد، ولحسن الحظ يكون أحيانًا مؤقتًا ويعود نموه من جديد، بعض المرضى يظهر عندهم طفح جلدي ورغبة شديدة في حكُّة مع حساسية شديدة لضوء الشمس، أيضًا يتحول لون الأظفار للأصفر أو البُني وتصبح هشّة جدًا وسهلة التكسر.

– الأعراض الجنسية كثيرة جدًا طبعًا وتختلف من الذكر للأنثى، منها الضعف العام ووجود تقرحات في المهبل وقلة عدد الحيوانات المنوية عند الذكر.

– بما أن الكلية تعمل من أجل تخليص الجسم من السموم، فتحاول أن تخلصك من الكيماوي بأسرع شكل ممكن، فللأسف يتم تدمير جزء منها خلال عملية التنقية الطبيعية فيظهر أعراض منها قلة البول، تورم في القدم واليد وإحساس بالحرق عند التبول عند الذكر والأنثى.

بغض النظر عن هذه الأعراض فإن أكثرها تأثيرًا هو الضرر النفسي والعاطفي، فالشخص المُصاب بالسرطان يضطر للتعامل مع العلاج الكيماوي، وهو كما بينا آثاره، بالإضافة لأنه شيء متعب وضار نفسيًا لأقصى الحدود، فالذي يعالج تجده يُصاب بالخوف والقلق والإجهاد، وحب الوحدة لأنه يقلق من رد فعل الناس على صحته ومنظره، والكثير منهم يصابون بالاكتئاب ومشاكل مادية واجتماعية كثيرة نتيجة الحمل الشديد الذي يقع عليهم وعلى عائلاتهم، ولهذا أغلب الأطباء ينصحونهم بطبيب نفسي يسير مع الكيماوي حتى يستطيعوا تخطي هذه المرحلة.

لهذا دعمهم في هذه الفترة جد مهم وتشجيعهم على ما يمرون به هو الأهم حتى يتخطوا هذه المرحلة.

هؤلاء الناس هم الأبطال الحقيقيون، لأنهم يتحملون كل هذا، والعديد منهم يعود لحياته العادية، وكأن شيئًا لم يحدث، فلنتعلم منهم الصبر.

اللهم ارحم مهندًا وارحم جميع المسلمين واشفِ مرضاهم، آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد