من وجهة نظر البعض هي تقوية لبوادر السلام في المنطقة، من وجهة نظر أخرى هي صفقات تبادلية اقتصادية بحتة، ومن خلال درجات تالية هي تقوية لموقف سياسي، أو حتى تصفية لمصالح بعض الدول الخارجة عن الموقف السياسي الدولي، ولكن من وجهة نظر حيادية هي خيانة وبيع للقضية الأولى في العالم، ألا وهي فلسطين.

ما هي إلا تسارع لوتيرة الأحداث في الدول العربية، وليست سوى مدركات ومخرجات للصراع العربي العربي، الذي بات يحمل بين طياته حقد وخيانة وتراجع البعض عن الدور الإقليمي والعالمي له لحساب دول أخرى.

حيث لم يكن التطبيع العربي مع الجارة اليهودية كما يسمونها إلا تداركًا للزمن من أجل الدخول، بل القفز للصفوف الأمامية لبرنامج الخيانة الشامل، والبحث عن الذوق الاقتصادي الرفيع لتقوية الاقتصاد الداخلي لبعض الدول المتهالكة، بل كان اكتساب موقف لدولة على حساب دولة أخرى.

البحرين والإمارات والسودان والمغرب ولربما عُمان، هي دول بعيدة كل البعد من الناحية الجغرافيا عن فلسطين، ولم تسمع بعضها بالقضية، إلا على التلفاز أو من خلال الجرائد وبعض الأشخاص اللاجئون أو الباحثين عن العمل أو حتى الطلبة الموجودين لديها.

حقيقة التطبيع للدول العربية مع الكيان ما هي إلا للمصالح الشخصية للدولة حتى وإن قدمت التنازلات لصالح الكيان تأتي كالتالي:

اولًا، البحرين: في العلن دعم أواصر السلام في المنطقة وفتح المجال للتبادل الثقافي مع البلدان المجاورة، أما في الباطن فهو تصفية للقضية الفلسطينية والمساهمة بتمرير صفقة القرن.

ثانيًا الإمارات: في العلن تبادل تجاري واقتصادي ودعم خطة السلام في المنطقة، في الباطن العمل على تمرير صفقة القرن وتصفية الدعم الشيعي في المنطقة، وبالنسبة للإمارات فعدد السياح الوافدين إليها من جانب الاحتلال يفوق بكثير العدد الذاهب للأراضي المحتلة منها، حتى الشعوب ذاتها تعرف خطورة الاحتلال.

ثالثًا، السودان: تسعى السودان لزيادة حجم رأس المال الأجنبي لديها وزيادة نسبة الاستثمار بها، وكذلك تسعى لرفع المستوى الاقتصادي لديها وفتح سوق عمل للأيدي العاملة في دولة الاحتلال، على حساب القضية الفلسطينية.

رابعًا، المغرب: الدولة التي عاشت الآلام شعبًا مع أبناء فلسطين، بمجرد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء الغربية تم تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وكأن الاعتراف الأمريكي منح المغرب أوراق اعتماد الأراضي الصحراء المغربية لها، بل نجزم أن الاعتراف الأمريكي بالصحراء وبمغاربيتها كان مرتبطًا باعتراف المغرب بدولة الاحتلال، بل نرى العديد من أبناء المغرب واقفين مع التطبيع والترحيب بأبناء دولة الاحتلال، وهي التي كانت تسير الملايين بشوارعها نصرة للقضة والقدس! كان الأولى على المغرب الدعوة لفتح قنصليات في كل من سبتة ومليلة المحتلتين.

خامسًا، عُمان: وان كانت دولة عُمان تتقمص دور الحيادي في العديد من الموضوعات، إلا أنها دخلت في دوامة التطبيع المباشر مع الاحتلال بمجرد زيارة رئيس وزراء الاحتلال لأراضيها علنًا مع استقبال رسمي.

سادسًا، الأردن ومصر: حاربت الأردن وهي تقع على خط التماس مع فلسطين الاحتلال الإسرائيلي واستطاعت هزمه في ملحمة الكرامة، بل كان التطبيع مع دولة الاحتلال نتاج حرب دامية، ومع ذلك فإن الأردن ملكًا وشعبًا مع فلسطين، وهذا ما نراه في العلن من خلال رفض صفقة القرن، ورفض أي اتفاقية تمس الصالح الفلسطيني الجوهري، وبما يخص الباطن، فالاقتصاد بوابة مُنحت للأردن من خلال الاحتلال، وبالنسبة لمصر فبعد رحيل جمال عبد الناصر أخذت السياسة المصرية منحنى آخر، وذلك لزيادة الدور الذي تلعبه في المنطقة والاعتراف المباشر بدولة الكيان الإسرائيلي ما هو إلا نتاج مباحثات عدة تخص الشأن الداخلي المصري أبرزها ظهر خلال السنوات الأخيرة لتصفية قاعدة الإخوان المسلمين في المنطقة.

إن الشعب الفلسطيني لم يتخل يومًا عن أرضه، بل يكفي عند الرجوع لأولى الصفحات الخاصة بالقضية الفلسطينية، نرى ان العرب كانوا يملكون ما يقارب 8% من الأراضي الفلسطينية وهم أول من باعوا لليهود المهاجرين لفلسطين وتنازلوا عن حقهم فيها، وما تلعبه الإمارات وبعض الدول العربية بالسر من شراء منازل في البلدة القديمة بحجة تقوية صمودهم، فهو عار عن الصحة فبمجرد التنازل عن ملكية الأرض تذهب هذه السندات للكيان بشكل مباشر لزيادة أكبر حصص لهم داخل الحرم المقدس.

اثنان وسبعون عامًا على النكبة ولم تستطع الدول العربية تحرير فلسطين، كانت كفيلة هذه السنوات لبناء دول، وليس دولة، ولكن شتان بين من باع الأرض والقضية لمصالحه الشخصية وبين من بقي ثابتًا بأرضه كجذور الزيتون.

ما يدعو للقلق هو خروج العديد من أبناء الدول العربية التي طبعت مع الاحتلال يدعون لتقوية هذا التطبيع ويرحبون بأبناء الكيان، ان ما يدعي للخوف هو تملك بعض هؤلاء من أبناء الكيان في بعض المناطق العربية للأراضي والعقارات؛ مما يحتم علينا القول إن الاحتلال يسعى لفرض احتلاله على كافة الأقطار العربية، وإعادة أسطورة الإمبراطورية البريطانية على العالم، كيف لا وهي وليدة وعد بلفور الغاشم، والذي أعطى حقهم في الوجود.

لقد نجح ترامب بقلب الموازين على القضية الفلسطينية واكتساب دول كنا نقول يومًا أنها لن تبيع القضية وباعتها، وأصبح هناك لدى إدارة الاحتلال ورقة ضغط أخرى على الفلسطيني، بل باتت القضية مفتوحة على مصراعيها والتنصل من القضية بات مفتوحًا للدول العربية من خلال بوابة التطبيع، ومع إدارة جديدة للبيت الأبيض تكتسي الغموض، نرى بان الوطن العربي الكبير بات ضيقًا على فلسطين، ولكن الإيمان الذي يمتلكه أبناء هذا الشعب أكبر بكثير من هذه الدول، بل حق تقرير المصير هو ما سيفرضه الجانب الفلسطيني وشعبه، حتى وإن كان وحده، وإن طالت السنوات.

وأخيرًا ان الأراضي الفلسطينية هي مهد الديانات السماوية الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلامية، وثالث الحرمين وأولى القبلتين، وأرض المحشر والمنشر، وأرض السلام والتسامح، ولكن السلام مفقود فيها، وما يدعيه العرب بتطبيعهم مع الاحتلال وتحقيقهم للسلام غير موجود على أرض الواقع الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد